قالت مجلة «جون أفريك» الفرنسية إن نظام دعم الوقود في ليبيا «عزز نقوذ بعض العائلات»، مشيرًة إلى أن البلاد نجحت من إنعاش إنتاجها على الرغم من الفوضى السياسية، إلا أن «كميات كبيرة من النفط الخام يهرب عبر القنوات الرسمية، غالبًا بتواطؤ من السلطات».
واستندت المجلة في عددها الأخير أمس السبت إلى ما كشفه محققو منظمة «ذا سينتري» الأميركية في تقرير مفصل لهذه الظاهرة، التي تُثقل كاهل موارد البلاد المالية وتُغذي العنف.
ولفت تقرير المجلة إلى حالة السكان في الجنوب الليبي الذين يراقبون التدفق المستمر لشاحنات الصهاريج المحملة بالوقود إلى النيجر وتشاد، بينما لا يستفيدون من هذه الثروات المدعومة.
نظام الدعم صبُّ في مصلحة جهات أجنبية
وفصّل التقرير الأخير لمنظمة «ذا سينتري» الاستقصائية الأميركية كل خطوة من هذه العملية. وفي قلب هذه القضية، تُنتج المؤسسة الوطنية للنفط، نفطًا بمليارات الدولارات، يُفقد جزء كبير منه بسبب تهريب الوقود.
وتُقدَّر تكلفة تهريب الوقود في ليبيا بنحو 6.7 مليار دولار سنويًا، وهو ما يُشكِّل جوهر أزمة وطنية ذات طابع مالي بالدرجة الأولى. وقد برزت جهات جديدة نافذة، مستغلةً نظام الدعم بين عامي 2022 و2024، حيث يُعزِّز هذا النظام نفوذ بعض العائلات ويصبُّ في مصلحة جهات أجنبية، مما يُؤدِّي إلى اتجاهٍ ملحوظ نحو التضخم، وفق المجلة الفرنسية.
وأشارت المجلة إلى مفارقة استقرار أسعار النفط، في حين يواجه مصرف ليبيا المركزي، عجزًا في النقد الأجنبي، منبهة إلى أن إيرادات وسمعة المؤسسة الوطنية للنفط عرضة للخطر وعاجزة عن الوفاء بالتزاماتها.
ومن عواقب ظاهرة التهريب، انخفاض قيمة الدينار الليبي وارتفاع الأسعار، إذ يستفيد السوق الموازية الآن من الدعم، وهو ما يُسبب نقصًا في السلع وضائقة اقتصادية للأسر.
ويُشكل هذا النظام، وفقًا للمحققين جريمة دولة تُحوّل وتستنزف الإيرادات المُتأتية من المورد الطبيعي الرئيسي للبلاد، وقد انتشر على نطاق واسع مع صعود عائلة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» عبدالحميد الدبيبة وبوجود قائد «القيادة العامة» المشير خليفة حفتر في السلطة، إلى جانب النفوذ الكبير الذي يتمتع به نجله صدام حفتر «المُعيّن خليفةً لوالده»، وفق تعبير «جون أفريك».
وتتجاوز التداعيات حدود ليبيا، لتطال دول الاتحاد الأوروبي مثل مالطا وإيطاليا، وتصب في مصلحة روسيا التي، وفقًا لتقرير «ذا سنتري»، تُموّل العمليات العسكرية في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى من خلال هذا التهريب.
صدام حفتر «أحد الشخصيات الجديدة المُفضّلة» لدى واشنطن
وقالت «جون أفريك» إن صدام حفتر يحافظ على «علاقات ممتازة» مع جميع الأطراف المعنية، وهدفه الحالي هو إعادة شركة «إكسون موبيل» إلى ليبيا، وهي خطوة تُرضي الرئيس دونالد ترامب الذي جعله «أحد الشخصيات المُفضّلة الجديدة لدى واشنطن».
- «ذا سنتري» تكشف مسارات تهريب الوقود من ليبيا إلى أوروبا وجنوب الصحراء
- «ذا سنتري»: مجموعات إجرامية تستحوذ على نصف الوقود المستورد في ليبيا
- «ذا سنتري»: تهريب الوقود يكبد ليبيا خسائر بـ6.7 مليار دولار سنويًا
- «الغارديان»: تهريب الوقود برعاية مسؤولين كلّف ليبيا 20 مليار دولار خلال ثلاث سنوات
وكلّف تصاعد التهريب ليبيا ما يقارب 20 مليار دولار، مما استلزم تدخلا دوليا حاسما لحماية المؤسسة الوطنية للنفط وتجنيب اقتصاد البلاد الممارسات الجشعة لنظام فاسد.
ويُحدد برنامج دعم الوقود، الذي جرى تأسيسه في سبعينيات القرن الماضي، سعر الديزل والبنزين عند 0.03 دولار للتر. ومنذ العام 2021، توقف مصرف ليبيا المركزي عن تمويل هذه الواردات.
وبين عامي 2021 و2024، خصصت المؤسسة الوطنية للنفط، التي تتولى أيضًا توزيع الوقود المدعوم من خلال شركتها التابعة «البريقة»، نفطًا خامًا عالي الجودة للتجار الأجانب مقابل دفعات عينية على شكل منتجات بترولية مكررة.
ويتمتع هؤلاء التجار بحرية تامة في تسويق النفط الخام الليبي دوليًا واستخدام عائدات الدولار الناتجة لشراء الوقود المكرر نيابةً عن المؤسسة، دون أن تظهر هذه المعاملات في الميزانية العمومية للمؤسسة. وهذا يسمح لبرنامج الدعم بالبقاء مستقلًا رسميًا عن المصرف المركزي، وفق المجلة الفرنسية.
والنتيجة كانت زيادة كبيرة في واردات الوقود، والتي ارتفعت من 20.4 مليون لتر يوميًا في العام 2021 إلى أكثر من 41 مليونًا بنهاية العام 2024.
ومع ذلك، أحالت المؤسسة الوطنية للنفط، الأمر إلى لجنة كبار المستهلكين - المكونة من الشركة العامة للكهرباء وشركة مصراتة للصلب ومصانع الأسمنت في البلاد وشركات توزيع الوقود الرئيسية - لتحديد الكميات المستوردة ومخصصاتها.
ودعا رئيس المؤسسة الوطنية للنفط السابق، فرحات بن قدارة (في منصبه من يوليو 2022 إلى يناير 2025)، إلى مجموعة شاملة من التدابير لتقليل الاعتماد على الديزل المدعوم لتوليد الكهرباء، بالإضافة إلى زيادة إنتاج الغاز الطبيعي، وتعزيز مصادر الغاز والطاقة المتجددة لتوليد الكهرباء، وبدء التخلص التدريجي من دعم الوقود، وفي غضون ذلك، يستمر تهريب الوقود، وتتسامح معه الحكومة في طرابلس بمبرر إرضاء بعض «المناطق المهمشة»، وفق «جون أفريك».
ومنذ الإطاحة بنظام معمر القذافي العام 2011، شهد تهريب الوقود في ليبيا زيادةً حادةً في حجمه بين عامي 2012 و2016، قبل أن يتراجع، ثم يرتفع مجددًا في العام 2020، عندما ركزت الجماعات المسلحة، في نهاية الصراع العسكري بشكل أكبر على الأنشطة غير المشروعة.
«شراء السلام»
وحسب المجلة الفرنسية، كان تولي الحكومة في طرابلس السلطة في مارس 2021 نقطة تحول، فقد بدأت ولايتها بنية «شراء السلام من خلال توجيه مبالغ طائلة من المال العام إلى الفصائل المسلحة القادرة على زعزعة الاستقرار».
وفي هذا السياق، أشارت المجلة إلى أن «السلطات مهدت عمدًا الطريق للزيادة الحادة في تهريب الوقود التي لوحظت بين عامي 2022 و2024. وتعاونت شبكات الجريمة المنظمة مع مسؤولين مارسوا نفوذًا على بيروقراطيات الدولة، ومنصات اللوجستيات، ونقاط التوزيع، والطرق، والمعابر الحدودية، وسيّروا زيادةً هائلةً من الصادرات غير القانونية من الوقود المدعوم إلى السودان، وتشاد، والنيجر، وتونس، وألبانيا، ومالطا، وإيطاليا، وتركيا».
ولفت تقرير «جون أفريك» إلى استخدامهم وسائل نقل مختلفة من السفن، وشاحنات الصهاريج، والمركبات الأصغر حجمًا، وحتى خطوط الأنابيب السرية، وذلك حسب السياق الجغرافي والظروف الخاصة.
وخلصت إلى أن هذا التصدير غير القانوني للوقود سبب نقصًا محليًا، ما يُجبر المواطنين على دفع أسعار أعلى بكثير في مراكز البيع غير الرسمية، وخاصةً في المناطق النائية من ليبيا.
تعليقات