كشف تحقيق أجرته منظمة «ذا سنتري» الدولية تفاصيل أنشطة تهريب الوقود المدعوم، سواء داخل ليبيا أو إلى الخارج، في أسواق تصل إلى ألبانيا وإيطاليا، وغيرهما من الأسواق الأوروبية، وكذلك منطقة جنوب الصحراء، خصوصا السودان وتشاد والنيجر.
وقدم التحقيق شرحا مفصلا لمسار شحنات الوقود المدعوم في ليبيا، موضحا أن المؤسسة الوطنية للنفط تزود شركة البريقة بطريقتين: الأولى هي تشغيل أربع مصافي محلية متوسطة الحجم، والثانية بشراء كميات ضخمة من الوقود من الأسواق العالمية، غالبا من روسيا وإيطاليا واليونان وقبرص وبلجيكا. ويدخل الوقود عبر ست نقاط رئيسية، هي: الزاوية وطرابلس ومصراتة وراس لانوف وبنغازي ومرسى الحريقة قرب طبرق.
و«ذا سنتري» منظمة تحقيقات إعلامية أميركية (غير ربحية) تسعى إلى كشف شبكات الفساد والجريمة حول العالم، وبدأت عملها منذ العام 2016.
استغلال نظام معيب
التحقيق أظهر أن النظام الرسمي لتوزيع شحنات الوقود المدعم من المؤسسة الوطنية للنفط إلى محطات البنزين معيب، ويساء استخدامه على نطاق واسع، إذ يخالف عديد من متلقي الوقود في طلباتهم، وبينهم شركة الكهرباء العامة، على الرغم من اعتماد معظم محطات الكهرباء على الغاز الطبيعي، وليس الوقود المسال.
ورأى التحقيق أن نظام توزيع الوقود يمكن من هم على رأس السلطة في الوقت الراهن من تهريب الوقود عمدا بالوتيرة المتنامية المسجلة بين عامي 2022 و2024، إذ سجل هؤلاء، بالتواطؤ مع من وصفهم بـ«اللصوص وشبكات الجريمة المنظمة ومسؤولين فاسدين الذي يمارسون نفوذهم على والمراكز اللوجستية ونقاط التوزيع والطرق والمعابر الحدودية»، زيادة هائلة في التصدير غير القانوني للوقود المدعوم.
- «ذا سنتري»: تهريب الوقود يكبد ليبيا خسائر بـ6.7 مليار دولار سنويًا
- مصادرة بنزين في «وكر» لتهريب الوقود بالواحات
- «تحقيقات»: ليبيا وتهريب النفط إلى أوروبا؟
وتشمل وجهات الوقود المهرب من ليبيا: السودان وتشاد والنيجر جنوبا، وتونس غربا، وألبانيا ومالطا وإيطاليا وتركيا شمالا، عبر طرق نقل مختلفة تشمل السفن وشاحنات الصهاريج والمركبات الأصغر حجمًا، حتى خطوط الأنابيب، اعتمادًا على السياق الجغرافي، والظروف المحددة لنموذج العمل.
مؤسسة النفط تتحمل جزءا من المسؤولية
حملت «ذا سنتري» المؤسسة الوطنية للنفط جزءا من مسؤولية انتعاش أنشطة تهريب الوقود، إذ تتمتع بحقوق التفتيش والامتيازات الإدارية على الشركات التابعة لها، لذا تتحمل مسؤولية التحقيق في التضخم الهائل لأحجام التوزيع. مع ذلك، تشير المنظمة إلى غياب أي إشارات على تدقيق مؤسسة النفط في أعمال شركة البريقة بين عامي 2022 - 2024.
ونقل تقرير المنظمة عن مسؤولين سابقين في المؤسسة الوطنية للنفط قولهم: «الكثافة السكانية المنخفضة في منطقة الكفرة لا تبرر الاستهلاك اليومي للوقود المقدر بملايين اللترات». ورفضت المؤسسة الوطنية للنفط نتائج تحقيق «ذا سنتري»، وأكدت أنها تمتلك ردودًا موثقة ومدعمة قانونيًا تدحض مثل هذه النتائج.
كما أكد الرئيس السابق لمؤسسة النفط فرحات بن قدارة، في تصريحات إلى «ذا سنتري»، أن «المؤسسة حافظت على الشفافية واستباقية تعاونها مع كل من المؤسسات الوطنية والمنظمات الدولية»، مشيرا إلى أنه قدم عددا من المقترحات إلى مجلس الوزراء والمجلس الأعلى لشؤون الطاقة تدعو إلى مجموعة شاملة من التدابير، للحد من الاعتماد على الديزل المدعوم في توليد الكهرباء.
طريقتان لتهريب الوقود جنوبا
تتبع تحقيق «ذا سنتري» كيفية تهريب الوقود من شمال إلى جنوب ليبيا، وقال إن المسؤولين المتورطين يعمدون إلى تضخيم التقارير المتعلقة بتسليم الوقود في محطات الوقود جنوبا، مما يخلق وهم الطلب المحلي الطبيعي، ويخلق أيضا فائضا من الوقود يجرى تهريبه ببساطة عبر القنوات غير المشروعة بأضعاف السعر الرسمي.
وتتربح الأطراف المتورطة في تهريب الوقود بطريقتين: من خلال فرض رسوم على شبكات التهريب الأصغر حجما، ومن خلال عملياتها الخاصة الواسعة النطاق. وبهذه الطريقة، يجرى استغلال برنامج دعم الوقود. وتستغل التشكيلات المسلحة الموالية لجميع الأطراف سيطرتهم على نقاط المرور الاستراتيجية ومحطات الوقود في أرجاء جنوب غرب البلاد، ويفرضون رقابة مباشرة على توزيع الوقود المدعم في الأسواق الموازية، وهي أسواق تمتد إلى السودان وتشاد والنيجر.
السيطرة على منافذ التوزيع بالجنوب
ربط تحقيق «ذا سنتري» بين السيطرة على القطاع الأمني في سبها والجنوب وازدهار عمليات تهريب الوقود في جنوب غرب ليبيا، وقال إن السيطرة على المشهد الأمني في المنطقة الجنوبية، ولا سيما المنطقة الجنوبية الغربية، يعني السيطرة على غالبية تدفقات الوقود التي تدخل المنطقة، سواء من الشمال الغربي أو الشمال الغربي.
وكشف التحقيق إصدار «رموز الاستجابة السريعة (كيو آر كود) التي تحدد كمية الوقود المسموحة لكل مركبة مدنية كل خمس أيام في مناطق الجنوب. كما يجرى تقييد عمل محطات الوقود، بهدف الاستفادة بشكل أكبر من كمية الوقود التي يجرى تحويلها إلى السوق الموازية».
وفي ظل هذا النظام، بحسب التحقيق، تسلم غالبية شاحنات الصهاريج حمولتها في محطات بنزين معينة، بينما يجرى منع المشترين الشرعيين من الوصول إلى الوقود في المنافذ الرسمية. نتيجة ذلك، يجرى تحويل الوقود المخصص للبيع الرسمي إلى السوق الموازية بأسعار مبالغ فيها.
وتعد مدينة أم الأرانب نقطة العبور الرئيسية للوقود المتجه جنوبا عبر منطقة سبها الكبرى، وتسيطر قبائل التبو على المنطقة، التي تتربح حصة من أرباح بيع الوقود مقابل السماح بمرور الشحنات بأمان. وتتجه بعض شحنات الوقود التي تمر عبر منطقة سبها صوب منطقة دارفور في السودان عبر شمال شرق تشاد، وهو ممر آخر يقع بالكامل تحت حماية تشكيلات مسلحة عدة.
دور روسيا
تطرق تحقيق «ذا سنتري» أيضا إلى دور القوات الروسية المتمركزة داخل أربع قواعد في شرق ليبيا في أنشطة تهريب الوقود، وقال: «منذ منتصف العام 2022، ازدادت شحنات الوقود إلى القوات الروسية بقدر أكبر مما تحتاجه عملياتها المحلية، وشمل هذا الترتيب، الذي استفادت منه القواعد الجوية مثل الجفرة وبراك الشاطئ، تسليم وقود الطائرات والديزل والبنزين بكميات تتجاوز ما قد يستخدمه الروس محليًا».
وأوضح التحقيق: «الوقود الفائض عن احتياج القوات الروسية يتجه جزء منه إلى تجار محليين، لتحقيق الربح، مما يساعد الروس في تغطية النفقات اليومية بالدينار الليبي، والجزء الآخر يجرى تحويله عبر رحلات شحن منتظمة، تنقل الوقود من الجفرة والخادم إلى مطار غاو في مالي، الواقعة تحت السيطرة الروسية».
والأكثر من ذلك، يكشف التحقيق «إرسال الوقود بالشاحنات من قاعدة الجفرة إلى وحدات قوات فاغنر، التي كانت نشطة قرب منطقة دارفور في السودان حتى العام 2023». كما كشف تحقيق «ذا سنتري» وصول الوقود المدعم المهرب من ليبيا إلى قوات «الدعم السريع» في السودان، وهو ما مكنها من فرض سيطرتها في دارفور.
الزاوية.. مركز التهريب في الشمال
في الشمال، تعد مدينة الزاوية هي منطقة التوزيع الرئيسية للوقود المهرب، سواء في المنطقة المحيطة أو مناطق أبعد تمتد إلى الجنوب. وكشف التحقيق مغالطات كبيرة وغشا في أعداد محطات الوقود المسجلة رسميا في المنطقة بين غرب ليبيا وحتى الحدود التونسية.
وأشار إلى أن «هناك 750 محطة وقود مسجلة رسميا، منها 300 فقط قائمة فعليا، بينها أقل من 200 محطة عاملة، مما يعني أن الغالبية العظمى من محطات الوقود موجودة على الورق فقط، وهو ما يوفر غطاء جديدا من الشرعية لتبرير تهريب الوقود المخصص من شركة البريقة».
بمعنى آخر «يغادر غالبية الوقود الذي تخصصه شركة البريقة من أجل منافذ البيع الرسمية في مدينة الزاوية إلى السوق السوداء بدلا من الوصول إلى محطات الوقود. ومن الزاوية، يتجه الوقود المهرب إلى مدينة زوارة، ومنها إلى البحر المتوسط عبر سفن تصل حمولتها إلى 750 ألف لتر في المرة الواحدة.
كما يعمل مهربو الوقود في المدن الواقعة شمال غرب ليبيا، مثل الزاوية ومصراتة، على تحويل كميات أكبر من الوقود المهرب جنوبا، ومن ثم تهريبها إلى تشاد أو السودان والنيجر».
وفي مدينة مصراتة «تعمل تشكيلات مسلحة وأطراف أخرى على تهريب الوقود من منطقة التجارة الحرة وميناء الخمس باستخدام تكتيكات مختلفة، بينها التلاعب بوثائق الشحن، وإخفاء سعة الخزانات، وإخفاء الوقود في حاويات شحن عادية، وإجراء عمليات نقل ليلية بين السفن الكبيرة والصغيرة عبر البحار»، بحسب «ذا سنتري».
تهريب الوقود بحرا
من الشرق الليبي، يتحدث التحقيق عن «تهريب الوقود برا أو بحرا، بما يشمل الموانئ والطرق ومنشآت التخزين والمنافذ الحدودية. وينطوي التهريب البحري، على عكس الطرق البرية، على تحويل سفن بأكملها لنقل شحنات ضخمة من الوقود المدعم، يصل إلى ملايين عدة من اللترات في المرة الواحدة. كما أنها تمكن من إخفاء منشأ الوقود ووجهته مما يصعب اكتشافه من قِبل السلطات».
في حين يعتمد تهريب الوقود بحرا من ليبيا، منذ العام 2022، «على طريقتين رئيسيتسن هما ببساطة إعادة التصدير وإعادة التصدير غير المباشر. ففي إعادة التصدير، يجرى استيراد الوقود وشحنه على متن سفينة منفصلة، تكون راسية عادة في ميناء بنغازي القديم أو في طبرق، ثم شحنه مباشرة إلى وجهته النهائية مثل تركيا».
وفي حالة إعادة التصدير غير المباشر «تبحر السفينة التي تحمل الوقود المهرب صوب وجهة في البحر المتوسط، مثل منطقة (هيرد بنك)، وهي منطقة ضحلة تقع على أطراف المياه الإقليمية المالطية، حيث يجرى نقل الوقود إلى سفينة أخرى في عملية نقل من سفينة إلى سفينة».
و«على الرغم من التكلفة المرتفعة للطريقة الأخيرة، فإنها تسهم في إخفاء أي علاقات مع ليبيا. وبالتالي يمكن للسفينة المستقبلة وصول وجهتها الأخيرة دون تتبع تقريبا. وفي كلتا الحالتين، يجرى تسليم الوقود في ميناء تجاري، وتخزينه في مستودع شركة البريقة للبترول، ثم يُنقل بشاحنات الصهاريج إلى السفن لإعادة تصديره».
وقالت المنظمة الدولية: «على الصعيد الإداري، فإن المشاركة النشطة والتواطؤ من قِبل كبار المسؤولين داخل شركة البريقة للنفط، فضلا عن قيادات نفطية، أمر بالغ الأهمية لتحويل الوقود على نطاق واسع. هذا يضمن أن تظل المؤسسة الوطنية للنفط صامتة، بينما تختفي شحنات الوقود التي تبلغ قيمتها ملايين الدولارات في البحر».
مسارات تهريب الوقود برا
إلى جانب السيطرة على ممرات التهريب البحرية، لفتت «ذا سنتري» إلى أن الأطراف المتورطة في التهريب «تسيطر بالكامل على ممرات التهريب البرية لنقل الوقود، بما يشمل شحنات الوقود والوقود المخصص للأسواق الموازية، سواء المحلية أو الأجنبية».
وكشفت المنظمة أن الوقود الخارج من شمال شرق ليبيا «ينطلق من مستودع رأس المنقار، وهو منشأة تخزين استراتيجية شرق بنغازي. ومن هناك، تتجه شاحنات الصهاريج الرسمية جنوبًا عبر أجدابيا قبل أن تتفرع إلى ثلاثة طرق رئيسية».
يؤدي الطريق الأول إلى سرت، ثم يستمر إلى الجفرة وصولا إلى المحافظة الجنوبية الغربية، والثاني، وهو ممر أجدابيا – الكفرة، فهو الشريان الرئيسي لتهريب الوقود في لجنوب شرق ليبيا. أما الطريق الثالث فيتبع مسارات موقتة عبر زلة وأم الأرانب، ليصل في النهاية إلى الجنوب، ويمر الجزء الأكبر من الوقود المتجه إلى المحافظة الجنوبية الغربية عبر زلة، حيث تُشكل أم الأرانب مركزًا رئيسيًا.
وخلص التحقيق إلى أن «الانتماءات القبلية تدعم عمليات تهريب الوقود في المناطق ذات الأهمية اللوجستية، على سبيل المثال، تسيطر قبيلة الزوية على جزء كبير من ممر أجدابيا – الكفرة من خلال ملكيتها وتشغيلها العديد من محطات الوقود».
تهريب الوقود إلى جنوب الصحراء
لا تتوقف أنشطة التهريب عند الداخل، بل تمتد شبكات التهريب إلى منطقة الساحل وجنوب الصحراء، إذ قالت «ذا سنتري»: «المسؤولون الفاسدون في ليبيا يتربحون من تهريب الوقود على نطاق واسع إلى منطقة جنوب الصحراء، ويعملون على تضخيم التحويلات من الشمال إلى الجنوب بغرض التصدير».
وأضاف: «لتبرير تلك الشحنات، يضخم هؤلاء التقارير المتعلقة بتسليم الوقود في محطات الوقود الجنوبية، مما يخلق وهم الطلب المحلي الطبيعي، وهو الأمر الذي يضمن وجود فائض يجرى تحويله بسهولة إلى القنوات غير المشروعة».
تعليقات