تثير عودة الحركات المتمردة التشادية إلى محاولة توحيد صفوفها مخاوف متزايدة من تراجع احتمالات انسحابها من الأراضي الليبية، حيث عقد عدد من قادتها اجتماعا في فرنسا، بالتزامن مع تحالف نادر بين أبرز حركتين منها، بينما تعثرت المفاوضات مع الجماعة السياسية العسكرية «مجلس القيادة العسكرية لإنقاذ الجمهورية»، التي ترتبط بتحالف مع أحد الأطراف المتصارعة في ليبيا
وبينما تدعو الأمم المتحدة إلى انسحاب القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا، لم يتقدم هذا الملف على الرغم من اجتماعات لجنة 5 + 5 المشتركة بين قوات «القيادة العامة» وقوات حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» طيلة خمس سنوات.
وبعيدا عن المقاتلين المحسوبين على تركيا أو روسيا، فإن الحركات المتمردة التشادية المحتمية داخل أراضي البلاد تعد أكثرهم خطورة من حيث التعداد والتجهيز وانتهاك السيادة الليبية.
تعثر المفاوضات في الأردن
وتمسك «مجلس القيادة العسكرية لإنقاذ الجمهورية» بمعارضة الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي، على خلفية تعثر المفاوضات التي بدأت قبل ستة أشهر في عمان في الأردن، لتسهيل عودة زعيمها إلى تشاد تحت رعاية الأمم المتحدة ومنظمة فرنسية غير حكومية.
وفي عام 2022، كانت الحركة واحدة من مجموعتين سياسيتين عسكريتين فقط رفضتا توقيع اتفاقية سلام مع نجامينا، والأخرى هي جبهة التغيير والوفاق في تشاد «فاكت»، التي كان قادتها متمركزين أيضا في ليبيا. ولكن في حين أن الأخيرة لم تعد نشطة كما كانت من قبل، فإن هذا ليس هو الحال بالنسبة لمجلس القيادة الذي يحافظ على موقفه الرافض للحوار مع ديبي.
ولدى التنظيم المتمرد ما يقرب من 2000 رجل مدرب ومجهز، وتشير مصادر فرنسية إلى استمرار وجوده في قلب فزان، مع انتشار عناصره في تمسة وجبال كلينجة. زيادة على ذلك، تنشط هذه القوات في المناطق التي تمر عبرها الأسلحة في اتجاه الطريق إلى السودان.
وحسب تقارير تشادية، يمكن لمجلس القيادة العسكرية لإنقاذ الجمهورية استخدام هذه القدرة العملياتية على الأرض في السودان للتأثير بمفاوضات عمّان، في حال لم تُلبَّ مطالبه. بينما قال موقع «أفريكا أنتليجنس» الاستخباراتي الفرنسي إن الجيش الوطني الليبي بحاجة إلى الحفاظ على تحالفه مع هذا الطرف، ولا سيما أن هذه المجموعة تحتل مواقع استراتيجية في جنوب البلاد، خاصة في مناطق المعادن ومناجم الذهب.
التزام «القيادة العامة» بانسحاب القوات الأجنبية
مع ذلك، فإن قوات «القيادة العامة» ملتزم أيضا بخريطة طريق الأمم المتحدة لإعادة توحيد ليبيا، التي تدعو إلى انسحاب القوات الأجنبية من البلاد.
وإلى جانب هذا التحالف، حرصت «القيادة العامة» على تعزيز علاقاتها مع الحكومة في نجامينا، حيث التقى نائب الجيش الوطني، صدام حفتر، مرات عدة مع محمد إدريس ديبي في قصر توماي، وكانت زيارته الأخيرة في أغسطس. وقد أثيرت مسألة مصير مجلس القيادة العسكري خلال هذه المناقشات.
وفي 28 سبتمبر، أجرى صدام حفتر ورئيس الدولة التشادي، الذي تواجه بلاده وضعا سياسيا داخليا متوترا للغاية، اتصالا هاتفيا بشأن منطقة تيبستي الحدودية الغنية بالذهب. وأكد المسؤول الليبي أهمية «التنسيق والتشاور المشترك، لحماية الحدود».
ويعتقد عضو البرلمان الانتقالي التشادي عمر المهدي بشارة، في تصريح إلى «الوسط»، أن هذه اللقاءات الأخيرة استعراضية، وليست لها أي جوانب استراتيجية لخدمة المصالح المشتركة بين البلدين.
- ما حقيقة تسلل «ذئاب الصحراء» من ليبيا وتشاد؟.. الإمارات والسودان يتبادلان اتهامات محورها «المرتزقة»
- للاطلاع على العدد «519» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
وما يعقد احتواء خطر هذه التنظيمات المتمردة على ليبيا الصراع في دولة تشاد حول تقاسم السلطة والثروة، الذي ربطه بشارة باستمرار الظلم والفساد. فبناء على تجارب الماضي، النظام في نجامينا لا يوفي بالتزاماته، حيث جرى في عام 2022 توقيع اتفاقية سلام في العاصمة القطرية «الدوحة» مع بعض الحركات التشادية المسلحة، ووقع اتفاقية مع رئيس حزب المتحولون في كنشاسا.
وشاركت تلك الحركات السياسية العسكرية في حكومة الفترة الانتقالية، وزعيم حزب المتحولون، سكسيه ماسرا، أصبح رئيس وزراء لخمسة أشهر بعد اتفاق كنشاسا. لكن بعد الاستفتاء الدستوري والانتخابات الرئاسية والبرلمانية، والعودة إلى المسار الدستوري، جميع الموقعين مع حكومة نجامينا لم يلتزموا بتنفيذ بنود هذه الاتفاقيات، حسب السياسي التشادي.
تحالف نادر بين حركات التمرد
في تلك الأثناء، حدث تحالف نادر وتاريخي بين مجلس القيادة العسكرية لإنقاذ الجمهورية تحت قيادة رئيسه محمد علي يوسف، وحركة السلام وإعادة الإعمار والتنمية التشادية المتمردة.
هذا التحالف الشمالي الجنوبي نادر جدا في بلد عادة ما تكون فيه جيوب المقاومة مفككة ومنفصلة بفعل الانقسامات الإقليمية والعرقية.
ويرى مراقبون أن التقارب جزء من عملية كسر الحواجز العرقية والجغرافية، فبينما كانت حركات التمرد في الشمال الأكثر نشاطا في السنوات الأخيرة، قلّ الحديث عن حركات التمرد في الجنوب التشادي، وهي الآن تسعى للعودة إلى الواجهة.
وفي فرنسا، استمر التقارب بين الجماعات السياسية والعسكرية التشادية المعادية للسلطات في نجامينا، إذ اجتمعوا، الأحد الموافق 26 أكتوبر، في ضواحي نانت، وعقد المكتب السياسي لجبهة «فاكت» اجتماعا، ضم ممثلين عن منظمات أخرى وجماعات متمردة وحركات مجتمع مدني. وتهدف حركة التمرد التشادية الرئيسية، التي أدى هجومها على الأراضي التشادية في أبريل 2021 إلى مقتل الرئيس إدريس ديبي، إلى توحيد صفوفها، لمواجهة السلطات التي لا تزال تعتبرها غير شرعية.
وقبل أسابيع من النقاشات، سافر ممثلون عن نحو عشرين منظمة إلى نانت بفرنسا، ولم يصدر بيان ختامي، ولكن شُكِّلت مجموعات عمل، لصياغة بيان مشترك، يُركِّز على ثلاثة مجالات رئيسية: السياسية، والدبلوماسية، والعسكرية.
ومنذ فشلهم في أبريل 2021، يواصل مقاتلو جبهة التناوب والوفاق في تشاد «فاكت» كسب عيشهم في جنوب ليبيا، بعد أن رأوا العديد من المقاتلين يسلكون الطريق إلى السودان وحربه الأهلية المربحة.
مع ذلك، يبقى الهدف ثابتا، فالشخصيات السياسية والعسكرية التي رفضت توقيع اتفاق السلام لا تزال تسعى إلى الإطاحة بالحكومة التشادية بالقوة. ويوضح أحد أعضاء الجبهة: «الخيار العسكري هو الخيار الوحيد المتاح لنا اليوم».
وبحسب أحد المشاركين، فإن «المتحدثين المختلفين نددوا بالقمع المنهجي للمعارضة التشادية»، ودعوا إلى «الوحدة بين جميع الحركات السياسية والعسكرية لقيادة النضال من أجل الحرية والعدالة والتغيير الديمقراطي في تشاد معا».
تعليقات