يواجه نحو أكثر من نصف مليون متقاعد في ليبيا ظروفًا معيشية صعبة، تتراوح بين تأخر المعاشات وتدني قيمتها، وغلاء الأسعار، وغياب الرعاية الصحية والاجتماعية.
وتستمر هذه المعاناة وتتكرر كل شهر، بل وتكشف عن خلل هيكلي في نظام التقاعد، وسياسة مالية عاجزة عن مواكبة الغلاء؛ إذ يتقاضى أغلب المتقاعدين معاشًا بنحو 900 دينار شهريًا، وهو مبلغ لا يوازي الحد الأدنى من متطلبات المعيشة في ظل ارتفاع أسعار السلع الأساسية والخدمات.
وحتى زيادة المعاشات التي قررها صندوق الضمان الاجتماعي في أغسطس الماضي لم تجد طريقها إلى جيوب المتقاعدين حتى الآن؛ إذ يتطلب تنفيذها تمويلًا إضافيا «يقدر بحوالي 6.5 مليار دينار سنويًا لصرف الزيادة الخاصة بنحو 550 ألف معاش »، حسب بيانات الصندوق نفسه.
معاناة المتقاعدين مع توقف بطاقات الصرف ونفاد السيولة
وفوق هذا كله يعاني المتقاعدون وأسرهم من تأخر صرف مستحقاتهم لأسابيع، وربما لأشهر في بعض المناطق. وتتكرر شكواهم من توقف بطاقات الصرف الآلي أو نفاد السيولة من المصارف، ما يحول المعاش إلى معركة شهرية، في انتظار الإيداع والوقوف في طوابير ممتدة أمام المصارف.
فقد نظم مدنيون وعسكريون من المتقاعدين وقفة احتجاجية الأربعاء الماضي أكدوا خلالها معاناة نحو نصف مليون متقاعد من «إهمال وتجاهل» لتأخر صرف زيادة المعاشات لهم نتيجة عدم اعتماد الميزانية، واصفين وضعهم بأنه «استهانة واستخفاف» بالحقوق التي كفلها القانون رقم 5 لسنة 2013 وتعديلاته بالقانون رقم 7 لسنة 2024.
والسؤال إلى متى تستمر هذه المعاناة؟ وما هي نسب الزيادة المنتظرة لمعاشات المتقاعدين حسب درجاتهم المالية؟ وكيف السبيل إلى تحسين أوضاع المتقاعدين صحيًا واجتماعيًا؟
نسب الزيادة للدرجات المالية في معاشات المتقاعدين
يقول مدير إدارة الفروع بصندوق الضمان الاجتماعي سعيد رمضان الشيخي إن قيمة الزيادة للدرجات المالية حسب جدول المرتبات تحسب كالتالي: نسبة 66.67% للدرجة الأولى، و78% للدرجة الثانية، و90% للدرجة الثالثة، و98.11% للدرجة الرابعة، و105.36% للدرجة الخامسة، و116.67% للدرجة السادسة، و127.56% للدرجة السابعة.
ويتابع قائلا إن نسبة الزيادة تتصاعد حتى الدرجة الخامسة عشرة التي تصل إلى 195.11%، مشيرًا إلى أن أغلب المتقاعدين تقع معاشاتهم ما بين الدرجة السادسة والدرجة السادسة عشرة.
زيادة مجمدة للمعاشات
رئيس مجلس إدارة متقاعدي الشرطة العميد محمد افليفلة قال في تصريحات إلى برنامج «هنا ليبيا» المذاع على قناة «الوسط»، إنه في الوقت الذي يحتفل فيه العالم بيوم المتقاعدين بداية أكتوبر من كل عام، «فإننا في ليبيا لا نعرف معنى التكريم أو التقدير، مع إهمال وتجنٍ على كثير من حقوقنا، حتى أن المرضى، وهم كثر، لا يجدون تأمينًا صحيًا يوفر لهم العلاج والدواء».
وقرر صندوق الضمان الاجتماعي زيادة معاشات المتقاعدين في أغسطس الماضي، شاملا أصحاب المعاشات الضمانية والتقاعدية المدنية والتأمينية؛ لكن افليفلة يقول إن هذه الزيادة لم تطبق حتى الآن، وألقى باللوم على محافظ مصرف ليبيا المركزي الذي «كان يجب عليه طلب تسيير ميزانية لصندوق الضمان من أجل الصرف».
ماذا نفعل بـ900 دينار؟
ومعاناة المتقاعدين يعبر عنها افليفلة قائلا: كيف يعيش المتقاعد وأسرته على معاش زهيد لا يزيد على 900 دينار شهريًا «وهو رقم لا يكفي للوفاء بالالتزمات الأساسية على الإطلاق».
ويضيف رئيس مجلس متقاعدي الشرطة أن المرضى من المتقاعدين يواجهون أوضاعًا مأساوية، إذ يصل سعر دواء القلب فقط إلى نحو 450 دينارًا، كما تصل تكلفة عملية الركبة إلى 35 ألف دينار وقسطرة القلب بين 30 و40 ألف دينار، على حد قول مدير صندوق التأمين الصحي، الذي وعد بدعم أصحاب المعاشات طبيًا، إلا أن الواقع لا يزال يجسد استمرار المعاناة.
لا مجلس إدارة لصندوق الضمان الاجتماعي
ويشتكي افليفلة من أن مجلس النواب لم يعتمد تشكيل مجلسي إدارة للصندوق في المنطقتين الشرقية والغربية، الأمر الذي يؤثر سلبًا على قدرة الصندوق في علاج المشكلات التي يواجهها المنتسبون إليه.
وأشار إلى أن عددًا من المتقاعدين رفعوا مذكرة إلى النائب العام للتحقيق في أسباب تأخر صرف زيادة المعاش، طالبوا فيها بصرف تلك الزيادات والإسراع بتنفيذها خلال الربع الأخير من العام 2025 على الأقل».
- غياب العدالة والتمويل.. لماذا تتعثر زيادة المعاشات؟
- عضو نقابة المتقاعدين عن بنغازي: «الضمان الاجتماعي» طالب بزيادة المعاشات.. والمسؤولية عند «المالية»
- شاهد.. «هنا ليبيا» يرصد مطالب المتقاعدين بالتزامن مع يومهم العالمي
- إصدار بطاقات التأمين الصحي للمتقاعدين للمرة الأولى في غات
أزمة تمويل.. لا موارد كافية لصرف الزيادات
ويعاني صندوق الضمان الاجتماعي من أزمة تمويل ونقص الموارد الكافية لصرف الزيادة، فقد نفى الصندوق خلال اجتماع عقده في بنغازي، أغسطس الماضي، صرف زيادة معاشات المتقاعدين في شهري سبتمبر أو أكتوبر.
كما أقر أن الاستثمارات السابقة لم تحقق العوائد المرجوة، وأن تراجع اشتراكات القطاع الخاص بالصندوق إلى 4% فقط سببه «عدم التزام بعض الشركات الوطنية بدفع الاشتراكات الضمانية».
ويقول الصندوق إنه يحتاج تمويلًا إضافيًا بـ6.5 مليار دينار سنويًا لتطبيق الزيادات المطلوبة، مشيرًا إلى أنه يملك رؤى استثمارية تحتاج لبعض الوقت لتحقيق نتائجها، مؤكدًا عدم وجود استثمارات خارجية للصندوق.
غير أن المصرف المركزي نأى بنفسه عن هذه الأزمة، واكتفى بالإعلان عن انتظام صرف المعاشات الواردة إليه، وصرفها عبر منظومة «راتبك لحظي» الجديدة.
وبين عدم إقرار الميزانية ومعاناة أكثر من 500 ألف ليبي، تبقى الحاجة ملحة في التوصل إلى تفاهمات تنهي الجدل السياسي وتصل بالبلاد إلى حالة إقرار الميزانية العامة من أجل تسيير مصالح مواطنين أرهقهم الغلاء والانقسامات الحادة، وإلا سيبقى المتقاعد الليبي الحلقة الأضعف في معادلة السياسة والاقتصاد.
تعليقات