تباينت آراء مراقبين ومحللين بشأن تداعيات الاشتباكات الأخيرة التي شهدتها العاصمة طرابلس على الوضع السياسي والأمني، فهناك من تفاءل في أن تؤدي جولة العنف الأخيرة إلى إحياء العملية السياسية، والدفع بالبلاد صوب إجراء الانتخابات الوطنية.
بينما حذر آخرون من تبعات هذه الاشتباكات سياسيا وأمنيا، معربين عن مخاوفهم من أن تؤدي إلى اشتعال حرب أهلية جديدة، هذا ما يمكن تلخيصه من مقال مشترك للباحث في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، وولفرام لاخر، والباحث في المجلس الأطلسي، عماد الدين بادي، نشرته مجلة «نيو لاينز» الأميركية.
ليبيا عند مفترق طرق
الباحثان بادي ولاخر قالا في مقال مشترك إن اشتباكات طرابلس قد تدفع ليبيا «إلى مفترق طرق من جديد، وتضع حكومة (الوحدة الوطنية الموقتة) برئاسة عبدالحميد الدبيبة عند أضعف نقطة لها منذ تنصيبها في العام 2021»، متحدثا عن مخاوف من تجدد التصعيد بين الفصائل المتنافسة في طرابلس، لإعادة هيكلة توازن القوى على الأرض.
أما الباحثة في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «هيومان رايتس ووتش»، حنان صلاح، فهي ترى في «اشتباكات طرابلس الأخيرة إشارة قوية على مدى هشاشة الوضع في البلاد»، بينما أشار الباحث في «تشاتام هاوس» البريطاني، تيم إيتون، إلى «خطر واضح من أن تنزلق البلاد صوب جولة جديدة من الحرب الأهلية».
- تقرير يُبرز 3 تداعيات لاشتباكات طرابلس الأخيرة
- خوري لـ«ممثلين» عن سوق الجمعة: يجب وضع ترتيبات أمنية تشمل انسحاب القوات العسكرية إلى ثكناتها
- من يملك إرادة التغيير في ليبيا؟ المجلس الأطلسي يطرح مسارين للوصول إلى الانتخابات
فرصة متجددة لكسر الجمود الراهن
غير أن إيتون أعرب في الوقت نفسه، في تصريحات إلى إذاعة «دويتشه فيله» الألمانية، عن التفاؤل من أن «توفر جولة الاشتباكات الأخيرة فرصة متجددة لكسر الجمود الراهن».
وقال: «هناك فرصة حقيقية لبعثة الأمم المتحدة لاستغلال اللحظة، وتحقيق بعض التقدم السياسي. كما أن الأحداث الأخيرة فرصة لإنعاش المسار السياسي، كما كان الحال في أعقاب جولات الصراع بالعام 2014 و2020. هناك فرصة واضحة لتكرار حدوث مثل هذا الأمر».
واتفق مراقبون آخرون مع الرأي نفسه، وقالوا إن الأزمة قد تمثل فرصة لتجديد العملية السياسية، والدفع صوب إجراء انتخابات برلمانية ووطنية. وقالت الباحثة في «هيومان رايتس»: «ينبغي على الأطراف الليبية استغلال الفرصة، والتوصل إلى توافق. إن إجراء انتخابات حرة ونزيهة أصبح أمرا بعيد المنال اليوم، ولكن في نهاية المطاف: ما هو الخيار المتاح للأطراف الليبية المتنافسة حقا؟!».
صراع الاستحواذ على السلطة
تعليقا على مسار الأحداث في طرابلس، تحدث مراقبون عن أن «هدف الدبيبة الرئيسي هو الاستحواذ على السلطة والنفوذ». كما رأى مقال مجلة «نيو لاينز» أن اشتباكات طرابلس تؤكد «وصول حكومة الدبيبة إلى النقطة الأضعف لها» منذ تنصيبها بالعام 2021.
ويعد قائد ما كان يُعرف بـ«جهاز دعم الاستقرار» عبدالغني الككلي، الشهير بـ«غنيوة»، من أكبر المستفيدين من حكم الدبيبة، إذ حصل، «إلى جانب حفنة من قادة التشكيلات المسلحة القوية، على تمويل سخي ونفوذ غير مسبوق على مؤسسات الدولة من خلال تعيين تابعين لهم، لتسهيل نهب أموال الوزارات والشركات المملوكة للدولة. وعمل هؤلاء على بناء اتصالات مباشرة مع أبناء حفتر، وتوسطوا في ترتيبات تخص المناصب الحيوية».
وبرز آمر جهاز «الردع لمكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب»، عبدالرؤوف كارة، كأكبر المستفيدين من مقتل «غنيوة»، حيث استغل الفرصة لتوسيع نطاق تحالفه، وتواصل مع الفصائل في أحياء طرابلس ومدينة الزاوية المجاورة، وأعرب هؤلاء عن الاستعداد للانضمام إلى المعركة في حال تحول الزخم بعيدا عن حكومة طرابلس، بحسب المقال.
تداعيات سياسية أخطر
إلى جانب التداعيات العسكرية والتغير في المشهد الأمني، اعتبر لاخر وبادي أن «التداعيات السياسية للاشتباكات الأخيرة أكثر خطورة، حيث صدمت العودة المفاجئة إلى أسوأ أيام العاصمة سكان طرابلس، وتركز الاستياء العام على الدبيبة واللواء (444 قتال) اللذين اشتهرا سابقا بانضباطهما الأمني، لكنهما الآن يتحملان العبء الأكبر من اللوم على تجاوزات الاشتباكات».
وقال الباحثان: «مشاهد الهدنة الهشة والتظاهرات الشعبية التي ملأت شوارع العاصمة تعكس مزيجا متقلبا من الاستياء الشعبي المتنامي من فشل الحكومة، والحصانة التي تتمع بها الفصائل المسلحة، وكذلك الوجود المحسوب لمعارضي الدبيبة السياسيين، وهو ما برز في تطور التظاهرات التي بدأت سلمية، وانتهت بالاشتباكات والرصاص الحي».
وأضافا: «محاولة قمع التظاهرات مثلت نقطة تحول، فمن ناحية أسهمت في إشغال موجة أخرى من الغضب الشعبي من الدبيبة، وعلى الناحية الأخرى سمحت للدبيبة بتصوير الاحتجاجات على أنها تخريب منسق».
وتابعا: «من الواضح أن الخط الفاصل بين التعبئة الشعبية والتلاعب الفصائلي قد جرى تجاوزه. ومع هذه الأحداث، انتقل الصراع إلى مرحلة جديدة، وهو صراع السرديات».
فرصة لتحدي سلطة الدبيبة
في حين يرى الباحثان في تظاهرات طرابلس «فرصة سانحة لتحدي سلطة الدبيبة من خلال مبادرة سياسية تتمتع بالمصداقية الشعبية»، فإنهما أشارا في الوقت نفسه إلى «ضياع تلك الفرصة بعدما فقدت التظاهرات زخمها مع انقسام المعارضة وانعدام الثقة العميق، حيث افتقرت المعارضة للوحدة والشرعية اللازمة لتقديم بديل مقنع».
وقالا إن «قوة الدبيبة لا تكمن في التحالف الداعم له، بل في غياب التجانس بين هؤلاء الساعين لاستبداله، حيث فقد مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة المصداقية، وعملا على إدامة الأزمة للحفاظ على السلطة، والأمر نفسه ينطبق على المجلس الرئاسي الضعيف».
وأضافا: «حاولت الجهات الثلاث الاستفادة من تداعيات اشتباكات طرابلس، أملا في تحويل موجة الغضب الشعبي إلى دفعة صوب تشكيل حكومة جديدة. كما أن النزاعات داخل الجهات الثلاث أحبطت أي مسعى لاقتراح خطة مشتركة لاستبدال الدبيبة، وهو ما شجع الأخير على رفض أي مطالب باستقالة حكومته».
هدنة هشة في طرابلس
تحدث المقال، الذي نشرته مجلة «نيو لاينز» الأميركية، عن هشاشة هدنة وقف إطلاق النار في طرابلس، معتبرا أن جميع الفصائل «تملك محفزات قوية للتصعيد».
وأوضح: «بالنسبة إلى (جهاز دعم الاستقرار) تمثل الهدنة تجميدا لوضع غير مواتٍ على الأرض، حيث لم تقتصر الاشتباكات على فقدانه السيطرة على مواقع استراتيجية فحسب، بل جرى تهميشه كذلك سياسيا من قِبل الدبيبة. المسار الوحيد لاستعادة نفوذه هو حشد الدعم والضغط، وقد يرى أن التصعيد هو السبيل الوحيد لاستعادة النفوذ في ميزان القوى المتغير».
وأضاف المقال: «ينطبق المنطق نفسه على آل الدبيبة، فالحديث عن تشكيل حكومة جديدة يُزيد من حدة التوتر. وكلما طال أمد هذا الزخم ازدادت إغراءات استباقها عسكريا، ولا سيما باستهداف الجماعات التي تسعى إلى إقامة مركز سلطة بديل في طرابلس. لذا، قد يرى آل الدبيبة ودائرتهم المقربة في تجدد المواجهة السبيل الوحيد لتأكيد هيمنتهم».
وتابع: «يتفاقم هذا التوتر بانهيار شبه كامل للثقة بين الفصائل في طرابلس. في ظل هذا المناخ، تآكلت أسس التفاوض بشأن وقف إطلاق النار أو أي ترتيبات مؤسسية، فالهدنة الحالية ليست نتاج تفاهم متبادل لكن نتاج تحوط».
وأعرب الباحثان عن اعتقاد بأن «تداعيات الاشتباكات الأخيرة قد تصب في مصلحة الدبيبة على المدى القصير، لكن ستتركه مع عدد أقل من الشركاء الموثوق بهم، وستغذي حالة القلق بين التشكيلات المسلحة التي لا يزال يتعين عليه الاعتماد عليها».
موقف عائلة حفتر
تطرق الباحثان لاخر وبادي إلى موقف المشير خليفة حفتر من الوضع في طرابلس، إذ قالا: «الصراعات في طرابلس لطالما فتحت الباب أمام عائلة حفتر لتوسيع نفوذها دون أن تحتاج إلى الوجود عسكريا في العاصمة».
وأشارا إلى النفوذ الذي يملكه حفتر والتابعون له على الإنتاج النفطي والبرلمان في بنغازي، وهو ما مكنهم من انتزاع تنازلات سياسية ومالية من المنافسين في المنطقة الغربية، وسيتواصل هذا النهج تقريبا، إذ تخدم الانقسامات والحسابات القصيرة الأجل مصالح الأطراف في المنطقة الشرقية.
تعليقات