حذرت الأمم المتحدة من محاولات تكريس الانقسامات السياسية في التعامل مع مبادرات حل الأزمة في ليبيا، التي لم ينج منه حتى ملف المصالحة الوطنية، وفيما أثارت آلية عمل لجنة العشرين الاستشارية شيئاً من الانقسام في مواقف أعضاء مجلس الأمن الدائمين، عاد مجلسا النواب والدولة، فيما يبدو، إلى لعبة الكراسي الموسيقية عبر الاجتماع المنتظر أن يجرى في القاهرة بدعوة من البرلمان المصري، فيما يتساءل عديد المتابعين للشأن الليبي ما إذا كان المجلسان سيوظفان اجتماع القاهرة في الالتفاف على استشارية البعثة الأممية.
وحشدت الهيئة الأممية الدعم اللازم من أعضاء مجلس الأمن لتيسير مهمة الممثلة الخاصة المعينة حديثاً هانا تيتيه من أجل كسر الجمود السياسي عشية تولي عملها في طرابلس، الخميس، بعد جلسة إحاطة غابت عنها الأخيرة، حيث سيكون عليها استكمال جهود حل الأزمة التي طال أمدها، ودعم الليبيين لتوحيد مؤسسات الدولة وإجراء انتخابات وطنية شاملة.
خلافات في مجلس الأمن حول اللجنة الاستشارية
وبينما استأنفت اللجنة الاستشارية، التي شكلتها البعثة الأممية في ليبيا برعاية القائمة بأعمالها ستيفانى خوري عملها ضمن مبادرتها الأخيرة لوضع مقترحات تذليل الصعوبات في القوانين الانتخابية، برزت إلى السطح خلافات بمجلس الأمن قد تزيد من الضغوط على مهمة تيتيه لتسريع وصول لجنة العشرين لوثيقة تفاهمات قبل إطلاق «الحوار الشامل»، فقد دعا مندوب روسيا في الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا، خلال إحاطة له أمام مجلس الأمن الدولي في نيويورك، إلى تصحيح الخلل المتمثل في اللجنة الاستشارية، وإحياء جهود وساطة الأمم المتحدة عبر المبعوثة الأممية الجديدة التي «نثق أنها ستنتهج نهجاً محايداً في الحالة السياسية الليبية» وفق تعبيره. أضاف أن ستيفاني خوري انتهجت أساليب عمل غريبة يرفضها الليبيون، منها إنشاء اللجنة الاستشارية دون موافقة الشعب الليبي أو مجلس الأمن.
ولا تبدو موسكو متفائلة بقرب انفراج الوضع السياسي الليبي، وهو ما جاء على لسان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في كلمة ألقاها أمام مجلس الدوما الروسي الثلاثاء، إذ أكد أن أحد الأهداف الرئيسية بالنسبة لهم حالياً هو منع سيناريو ليبيا آخر في سورية، إذ «إن تدخل دول حلف شمال الأطلسي حرم ليبيا من كيانها وقسم البلاد التي لم تتمكن من التوحد منذ 15 عاماً».
في المقابل، اعتبرت مندوبة المملكة المتحدة لدى الأمم المتحدة باربرا وودوارد أن اللجنة الاستشارية التي شكلتها بعثة الأمم المتحدة لتقديم مقترحات لمعالجة القضايا الخلافية العالقة في العملية السياسية «يمكنها أن ترسم مساراً إيجابياً في ليبيا». ورأت مندوبة فرنسا لدى مجلس الأمن تشكيل اللجنة الاستشارية «خطوة إيجابية»، وأكدت ضرورة تشكيل حكومة جديدة موحدة قادرة على تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية في أقرب الآجال، وذلك بموجب قرارات مجلس الأمن.
ديكارلو تحذر من استمرار الانقسام في ليبيا
وجددت مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية روزماري ديكارلو، من جانبها، طمأنة الجميع خلال إحاطة لها أمام مجلس الأمن الدولي في نيويورك بأن المنظمة الأممية «ليست هيئة صنع القرار، ولكن مقترحاتها ستدعم الجهود الرامية إلى إزالة العقبات التي تحول دون إجراء الانتخابات الوطنية في ليبيا». ولفتت ديكارلو الانتباه إلى أنه بالتوازي مع ذلك تتخذ بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا خطوات لعقد حوار منظم بين الليبيين حول سبل معالجة الأسباب طويلة الأمد للصراع، وتطوير رؤية شاملة من القاعدة إلى القمة لمستقبل بلادهم.
- للاطلاع على العدد «483» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
وحذرت من استمرار الانقسامات للسيطرة على مؤسسات الدولة، والتي تهيمن على المشهد السياسي والاقتصادي الليبي، ابتداء من فشل التوصل إلى إقرار ميزانية موحدة إلى تصاعد الخلاف حول تعيين رئاسة ديوان المحاسبة، إلى جانب النزاع على منصب رئيس المجلس الأعلى للدولة غير القادر على الوفاء بدوره المؤسسي جراء وضعه الانقسامي، كما حذرت في الوقت نفسه من استمرار الانقسامات السياسية التي تعيق التقدم في المصالحة الوطنية.
مجلس الدولة برأسين في اجتماع القاهرة
وبلغ الانقسام داخل مجلس الدولة حد التنافس على تلبية دعوة رسمية من البرلمان المصري لحضور اجتماع ممثلي مجلسي النواب والدولة في القاهرة في الفترة من 23 إلى 25 فبراير الجاري، حيث كلف خالد المشري وفداً لتمثيل المجلس في هذا الاجتماع، أعلن محمد تكالة، من جهته في بيان، عن تكليف وفد موازٍ للمشاركة في الاجتماع الذي سيأخذ طابعاً تشاورياً في إطار استكمال النقاش حول تشكيل الحكومة والقوانين المحتملة لتنظيم العملية الانتخابية، وفق ما أعلن.
وليس بعيداً عن كل هذا أكدت مندوبة الولايات المتحدة في مجلس الأمن أن الحل السياسي هو سبيل الاستقرار في ليبيا، مطالبة بحماية أنشطة الأمم المتحدة في البلاد من التدخلات الخارجية، ودعت الأطراف الليبية إلى الوصول إلى اتفاق بشأن ميزانية موحدة للمحافظة على الاقتصاد، فيما تطرقت مجموعة «3+1» التي تضم «الجزائر، والصومال، وسيراليون، وغيانا» بمجلس الأمن إلى إنشاء اللجنة الاستشارية، وعبرت عن قناعتها «بأن عملية شاملة وجدولاً زمنياً محدداً سيكون مفيداً لدعم الحوار والمشاورات مع الأطراف المعنية».
سلسلة اتصالات لنورلاند
في هذه الأثناء استبق المبعوث الخاص للولايات المتحدة إلى ليبيا السفير ريتشارد نورلاند وصول تيتيه إلى طرابلس وجلسة الإحاطة في مجلس الأمن بعقد سلسلة لقاءات واتصالات مع رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» عبدالحميد الدبيبة، وخلال لقائه عقيلة أكد نورلاند أهمية التوصل إلى اتفاق الأطراف الليبية على ميزانية موحدة، وتحقيق تقدم في المفاوضات الشاملة لتشكيل حكومة واحدة قادرة على إجراء الانتخابات، حسب تدوينة على حساب السفارة الأميركية بمنصة «إكس».
لكن لقاءات نورلاند والقائم بأعمال السفارة الأميركية جيرمي برنت بمحافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى جلبت انتقاداً لاذعاً من النائب الأول لرئيس مجلس النواب فوزي النويري، الذي حذر في بيان من التدخلات الخارجية في المؤسسات السيادية، مؤكداً أن «احترام سيادة الدولة الليبية ومؤسساتها الوطنية هو أمر غير قابل للمساومة». وشدد على رفض أي تدخل خارجي في شؤون البلاد الداخلية، لا سيما ما يتعلق بالمؤسسات السيادية مثل مصرف ليبيا المركزي، الذي يجب أن يجرى تشكيل إدارته وفق الإجراءات القانونية الليبية فقط. وانتقد النويري لقاء الدبلوماسيين الأميركيين بمحافظ المصرف المركزي خارج الأطر الدبلوماسية المتعارف عليها، معتبره تجاوزاً للأعراف الدبلوماسية وتدخلاً غير مبرر في الشأن الليبي.
وطالت انتقادات النويري عمل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، واعتبرها جهة لا تملك أي سلطة تشريعية أو تنفيذية داخل ليبيا، و«يجب عليها الالتزام بحدود دورها دون تجاوز أو تدخل في قرارات الدولة».
تعليقات