في عالم يقضي فيه نحو 60% من البشر معظم ساعات يقظتهم داخل منظومة العمل، باتت بيئة العمل أكثر من مجرد قضاء اقتصادي منتج، إذ تحولت إلى حقل اجتماعي ونفسي يصنع الهوية ويشكل الصحة ويحدد مآلات الحياة. وفي هذا السياق، أطلقت منظمة العمل الدولية، قبيل اليوم العالمي للسلامة والصحة في العمل، تقريرها الصادم الذي يحمل عنوان «بيئة العمل النفسية الاجتماعية: التطويرات العالمية وسبل العمل» ليكشف بالأرقام والأدلة حجم الأزمة الصامتة التي تعصف بملايين العمال حول العالم.
الأرقام التي لا تحتمل التأويل
خلص التقرير الجديد لمنظمة العمل الدولية إلى أن المخاطر النفسية الاجتماعية في بيئة العمل تتسبب في أكثر من 840 ألف حالة وفاة سنويا جراء أمراض القلب والأوعية الدموية والاضطرابات النفسية.
وتكشف هذه الأرقام عن توزيع صارخ للضحايا، إذ تنسب 783 ألفًا و694 حالة وفاة إلى أمراض القلب والأوعية الدموية كمرض القلب الإقفاري والسكتة الدماغية في مقابل 56 ألفا و394 حالة مرتبطة بالاضطرابات النفسية تمثل الحصة الأكبر من سنوات العمر الصحي المفقودة، وهو ما يعكس الطابع المزمن والمعيق لكثر من حالات الصحة النفسية.
وعلى صعيد الأعباء الجسيمة، تصل التكاليف الاقتصادية السنوية المترتبة على هذه الأمراض إلى ما يعادل 1.37 % من الناتج المحلي الإجمالي العالم وهو رقم يشير إلى أن الأزمة تتجاوز نطاق الصحة الفردية لتمس صميم الأداء الاقتصادي العالمي.
وفي إطار أشمل، يهدر نحو 12 مليار يوم عمل كل عام بسب الاكتئاب والقلق، وهو ما يكلف الاقتصاد العالمي تريليون دولار أميركي سنويًا من الإنتاجية المفقودة.
ويحدد التقرير خمسة عوامل خطر رئيسية: الإجهاد الوظيفي، وساعات العمل الطويلة التي تبلغ 55 ساعه اسبوعيًا أو أكثر، واختلال التوازن بين الجهد المكافأة، وانعدام الأمن الوظيفي، والتنمر في مكان العمل.
مسارات الإصلاح: ما يوصي به التقرير
لا يكتفي التقرير بالتشخيص، بل يقدم خارطة طريق للتغير تقوم على ثلاثة محاور: على مستوى السياسات: يدعو إلى تعزيز البحث لتوفير بيانات منتظمة ومتناسقة وقابلة للمقارنة على الصعيد الدولي، وتقييم السياسات بشكل أكثر دقة لنشر الأساليب الفعال.
على مستوى التعاون المؤسسي: يوصي التقرير بتحسين التعاون بين السلطات المسؤولة عن السلام والصحة المهنية ومؤسسات الصحة العامة والشركاء الاجتماعيين، في سبيل تحسين الوقاية.
على مستوى بيئة العمل: تشمل الإجراءات الموصى بها تحسين تنظيم العمل، وضمان معقولية أعباء العمل وساعاته، وتعزيز التواصل والإشراف، وإشراك العمال في تحديد المخاطر وإيجاد الحلول، فضلاً عن توفير بيئات عمل آمنة وشاملة وخفض الوصمة المرتبطة بالصحة النفسية.
- ارتفاع معدل البطالة وتباطؤ نمو الوظائف بأميركا خلال أغسطس
- استطلاع رأي: 71% من الأميركيين يخشون فقدان وظائفهم بسبب الذكاء الصناعي
- العمل عن بُعد.. فوائده وتحدياته النفسية والاجتماعية
وفي هذا الإطار، يقدم التقرير أدلة على أن بيئة العمل الصحية نفسيًا واجتماعيًا تدعم الأداء لا تعرقله، إذ إن العدالة والثقة والدعم والاستقلالية والمشاركة والقيادة الجيدة والتوازن بين العمل والحياة كلها موارد تنظيمية تعزز الاندماج و الإبداع والتكيف، ويؤكد التقرير أن الرهان على صحة العامل وكرامته ليس ترفًا إنسانيًا، بل هو الاستثمار الأعقل والأكثر استدامة على المدى البعيد.
تعليقات