Atwasat

المابعد الآن وهنا في تاسيلي للفنون البصرية

سالم العوكلي الثلاثاء 14 يوليو 2026, 12:53 مساء

يحدث أن يتفتح فضولك طفلاً على المحيط ومحاولة فهم ما يبثه من مشاهد غامضة، فتغدو مستقبِلاً نهما للصور، حيث كل صورة نافذة وكل لوحة شرفة. ثم تأتي صدفة أو فرصة لتتحصل على كاميرا، تصبح أولاً لعبة تلعب بها، ومع الوقت تصبح أداتك السحرية لقنص الجمال وتثبيت اللحظات الهاربة: صور الزهور والفراشات والغروب والبحر وغيرها ما يجذب العدسة في هذا العمر الغنائي الولوع بكل ما يجادل فكرة الجمال الغامضة، أو صور لأصدقائك وأنت تطلب منهم أن يبتسموا، ومع الزمن تصبح الكاميرا وكأنها جزء من جسدك، ويترك سير حقيبتها ندبة على الكتف، وتتحول من أداة لعب إلى عتاد للمسؤولية الأخلاقية، فتنخرط بداية في رغبة ملحة بالتوثيق، خصوصاً وأنت ترى أن الكثير من المعالم ومواطن الذكريات آيلة إلى الزوال والأفول.

BCD Ad BCD Ad

ثم يحدث أيضا أن تجد نفسك في قلب أحداث عظام، ثورة أو حرب أو كارثة طبيعية، وأنت لا تملك سوى الكاميرا لمواجهة هذه الأحداث، وتزداد المسؤولية صعوبة وتعقيداً، وتنتقل فجأة من ملاحقة الجمال إلى محاولة رصد ما يرافق هذه الأحداث من مشاهد مؤلمة ومشاعر مختلطة، وتُضطر للعمل في منطقة حرجة تحاول من خلالها أن تنقل الحدث وتوصل الحقيقة حريصاً ما وسعك ذلك على أن لا تؤذي عيون الآخرين أو تنتهك قداسة أحزانهم، وبدل أن تطلب من أصدقائك أن يبتسموا، تجد نفسك تلاحق الحزن في عيون المنكوبين غير القادرين على الابتسام.

وهي مهمة صعبة لكنها ضرورية لأن الغاية منها أن نضع كل المشاعر الإنسانية نصب أعيننا، وأن نتحمل عبء مسؤولية التذكير بما حدث من أهوال دون أن نحنط الخوف قبالتنا أو نجعل من ألبوم المكان أرشيف مراثٍ، ويدفعنا ذلك لمحاولة المواءمة بين الحزن والأمل، بين الذاكرة والتطلع، بين ما حدث وما يجب أن يحدث.

وبهذه الرؤية تعامل القائمون على شركة تاسيلي للفنون البصرية مع كارثة دانيال التي حاقت بقلب مدينة درنة فجر الحادي من سبتمبر 2023، حيث يغدو التصوير وسط الجثث المتناثرة وفي قلب الخراب أقرب مهنة محاطة بالمحاذير، لكن مسؤولية نقل الصورة وبأسرع قت ممكن إلى العالم هي مسألة ضمير مهني وفني، فمثلما كان وراء ثورات الربيع العربي صورة، فإن خلف ما حدث بعد دانيال وما سمي (فزعة خوت) صور ومقاطع فيديو نقلت حجم الكارثة فحركت كل هذه الطاقات الإنسانية والمشاعر المتعاطفة من داخل ليبيا وخارجها.

ثم يأتي ما بعد الكارثة من مساعٍ لإعادة التأهيل والتعافي، وتصبح مسؤولية الصورة مختلفة، وبقدر ما تسعى الصور المختارة للتذكير وعدم النسيان، بقدر ما سيكون لها وللرسم دور في إعادة التأهيل وفق مسؤوليتها الأخلاقية، وتحمل في داخلها رسالة مضمرة للأمل ولإمكانات الحياة التي تستأنف زخمها.

لذلك كان كل معرض يسبقه نقاش مع رواد تاسيلي المهتمين من أجل الوصول إلى خطة من شأنها أن تجعل هذا المعرض يسرد حكاية، وأن يسهم فنياً في ترتيب كل ما ذُكِر من معادلات جمالية وإنسانية، تتعامل مع الألم والأمل، وأحيانا في اللوحة الواحدة، وكان ما اختير من صور في معرض (المابعد الآن) يسعى إلى رصد مشاهد المقاومة الروحية لدى الناس للألم، وكل الطاقات الإنسانية المصرة على الاستمرار.

وفي وقت كان يتحدث فيه الجميع في الأيام الأولى وبقلق عن الحال (مابعد) الكارثة، كنا نلمح عن كثب أن المابعد يتحقق (الآن) وفوراً بفضل إصرار منقطع النظير من الجميع على أن تنهض مدينة درنة من صدمتها، وأن تنبثق جديدةً من تحت الركام والطمي، تخاطب المستقبل بزوايا رؤية جديدة، وبنشوة هذا التشبث بالحياة كان الحرص على مزج الحنين بالحلم في كل عمل يتوخى الروح الملحمية.

حنين يمثله الكهول الذين فقدوا أمكنة ذكرياتهم، وحلم يمثله الأطفال الذين يمرحون في حدائقها الجديدة، حيث كل درنة الحديثة ستكون موطن ذكرياتهم ومنبع حنينهم يوماً ما، لأن من طبيعة الأمكنة أن تتغير وتتطور وتظل الصورة هي الشاهد على ملحمتها، والراوي الصامت لسيرتها.

إذا كانت الصورة تُثبِّت اللحظات المفارقة بسرعة، فإن اللوحة التشكيلية ببطء تشكل محاولة قراءة لونية لكل ما مر سريعاً، وتجريد فني لكل ما رُوي من حكايات أثناء الألم العظيم ثم أثناء الأمل الذي لا يموت، وسنرى في هذه اللوحات التشكيلية تلك النوافذ المشرعة للحلم رغم الفجيعة، فهنا في هذا المعرض وفي الكتاب خلف كل حكاية صورة، وخلف كل لوحة حكاية، وكما في الطفولة كل صورة وكل لوحة تطرح سؤالاً أو تقترح جواباً.

تتضافر الصورة التي تقتنصها الكاميرا الجوابة مع اللوحة التي تهندسها الريشة من أجل العزف المشترك على أوتار هذه المدينة، وتأليف معزوفة يختلط فيها الحزن مع الفرح، والحنين مع الحلم، والبكاء مع الضحك، والشعار دائماً: أن العالم لن ينقذه إلا الجمال. الجمال بمفهومه الاستاطيقي الذي يؤلف من آلام وأفراح البشر ملحمة الخلود المعلقة على جدران المتاحف فوق هذه الأرض.

بين الركام والطمي الذي غطى شوارع درنة، وبين العشب الذي ينهض في حدائقها، كنا نرصد عن كثب قدرة الإنسان على أن يتجاوز صدمته ويستأنف ابتسامته، وما بين أرواح خائفة صعدت إلى بارئها في ذلك الفجر العصيب، وبين أرواح أطفال يولدون ويمرحون، نرصد روح درنة التي لم تعرف الاستسلام لكل ما مر بها عبر التاريخ من صدمات ومصاعب.

معرض المابعد الآن الذي تشكل من لوحات تشكيلية للرسامة هند الراشدي وصور للمصور محمد امنينة، تنقّلَ بين بنغازي وتونس ودرنة وبيت أحمد يوسف في قرية عمر المختار وكانت الفكرة المستمرة أن يذهب هذا المعرض إلى الناس ولا ينتظر أن يأتوه، وعلى أمل أن يتجول في عدة مدن وقرى ليبية، كما أصدرت مؤسسة فريدريش الألمانية* في شهر مايو 2025، كتاباً فخماً يحوي لوحات هذا المعرض وصوره مرفقة بومضات نثرية بقلم الفنانة هند الراشدي، ويأتي احتفاء هذه المؤسسة العريقة بمشروع تاسيلي في سياق احتفاء واهتمام العديد من المثقفين والمبدعين الليبيين من رواد هذا البراح وداعميه.

خصوصاً بعد تعرضه لأضرار كبيرة جراء إعصار دانيال: من ضمنهم نجيب الحصادي، عاشور الطويبي، منصور بوشناف، مفتاح العلواني، نور الدين الورفلي، علي الفلاح، أحمد بللو، رجب الهنيد، عطية الحصادي، خديجة الورفلي، ميسون صالح يوسف الجيلابي، آيات امنينة، خديجة الراشدي، فرج معيوف، محمد مصلي، علي الساعدي، الموسيقي هيثم المرغني، والشاعر خالد مطاوع الذي دعم العديد من مشاريع تاسيلي عبر مؤسسة أريتي للثقافة والفنون**، فضلاً عن الاهتمام بالمواهب الشابة ووضع خطة طويلة لإقامة ورش عمل فنية تتعلق بكل مفردات الإنتاج البصري وفنونه من التصوير وكتابة السيناريو والمونتاج والإخراج وغيرها.

وكل هذا الزخم الثقافي والفني ما جعل مشروع تاسيلي ينهض من تحت الطمي من جديد، ويباشر رسالته رغم كل الظروف الصعبة من أجل أن يشارك بلمسته في ترميم هذا الوطن الذي تصنعه المحن بقدر ما تخترعه دائما مختبرات الفن التي لا ينطفئ ضوؤها. علينا أن نحدق في هذه البراحات الحالمة التي تتفتح في مدن ليبيا وقراها، معطيةً بظهرها لضجيج الساسة وسدنة الظلام وعبث الصفقات، من أجل أن تجعل الوطن أكثر احتمالاً وأكثر جمالاً.

* مؤسسة فريدريش إيبرت منظمة غير ربحية ملتزمة بقيم الديمقراطية الاجتماعية وهي من أهم المؤسسات المدنية في ألمانيا تأسست عام 1925 وتعتبر من الإرث السياسي الذي خلّفه فريدريش ايبرت أول رئيس منتخب ديمقراطياً في ألمانيا.

** مؤسسة أريتي للثقافة والفنون منظمة ليبية وطنية غير هادفة للربح تسعى لدعم وتوجيه وتسهيل الإبداع الفني والتبادل الثقافي داخل ليبيا، ومع الدول المجاورة لها.

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
وصفة من مكونين للتخلص من الجلد الميت واستعادة نعومة البشرة
وصفة من مكونين للتخلص من الجلد الميت واستعادة نعومة البشرة
معطر ومرطب للجسم بزيوت طبيعية
معطر ومرطب للجسم بزيوت طبيعية
البيض والأفوكادو لفرد الشعر المجعد
البيض والأفوكادو لفرد الشعر المجعد
خلطة منزلية سهلة للتخلص من انتفاخ العيون
خلطة منزلية سهلة للتخلص من انتفاخ العيون
(بالفيديو) خريف وشتاء 2026-2027.. «شانيل» تمزج بين الخيال والفخامة في أحدث مجموعاتها
(بالفيديو) خريف وشتاء 2026-2027.. «شانيل» تمزج بين الخيال ...
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم