يروي كتّاب ومبدعون لبنانيون، جرى تكريمهم في فرنسا، معاناتهم المريرة مع فعل الكتابة، ممزقين بين رغبة عارمة في تقديم الشهادة الحية وشعور قاصم بالعجز إزاء حرب دامية قاسية يكاد يكون من المستحيل وصفها أو استيعاب أبعادها.
وترى الكاتبة حلا المُغني، التي يستضيفها المهرجان الأدبي الفرنسي «أصوات مدهشة» في مدينة سان مالو، أن الفن في خطوطه العامة لا يملك القدرة على تغيير الأوضاع الراهنة أو تبديل المسارات السياسية للقرارات الدولية المتخذة، وفقا لوكالة «فرانس برس».
وتؤكد المغني في تصريحات لوكالة «فرانس برس» أن المهمة الحقيقية للفن تكمن في توثيق الأحداث والتنديد بها عبر صياغة الواقع في قوالب أدبية وبصرية لن يُفهم معناها الفعلي والعميق إلا بعد مرور سنوات طويلة.
ويجتهد فنانون وكتّاب آخرون في سرد وقائع النزاع المستمر بين إسرائيل وحزب الله في لبنان؛ إذ اعتمدت الرسامة ميشيل ستاندجوفسكي نهجاً يقوم على رصد المعيش اليومي في روايتها المصوّرة «وأنت، كيف حالك؟»، محوّلة مراسلاتها مع الرسام شارل بربريان إلى لوحات تعبيرية تنبض بالحياة.
واختار الكاتب شريف مجدلاني الغوص في تفاصيل الحياة العادية التي تتجاهلها التغطيات الإعلامية الكبرى، ليروي حكايات صغيرة تكتسب في زمن الحرب طابعاً سريالياً لا يصدق، مشيراً إلى أنه لا أحد يعلم حقيقة ما يُحاك في خفايا هذه الحرب، ولذا لا جدوى من إطلاق الانتقادات المستمرة.
وسيلة حتمية للابتعاد عن واقع مرير
وتتحول الكتابة أو الرسم هنا إلى وسيلة حتمية لأخذ مسافة من واقع مرير ومرهق، حيث تجد ستاندجوفسكي في الرسم عملية بطيئة ومهدئة تتيح لها تصريف غضبها واستعادة توازنها النفسي المفقود.
وتندرج صعوبة التعبير عما يجري في لبنان اليوم ضمن امتداد تاريخي طويل من الحروب والأزمات المتلاحقة التي جعلت من تفسير الواقع اللبناني أمراً بالغ التعقيد، وهو ما تلخصه ستاندجوفسكي بالإشارة إلى أن اللبنانيين لم يعرفوا يوماً نهاية حقيقية للحروب، مما رسخ شعوراً دائماً بعدم الاستقرار.
- بعيدًا عن الحرب.. «التجربة اللبنانية» ضيف شرف مهرجان أدبي سينمائي في فرنسا
- الفنان اللبناني علي شرّي يقاضي إسرائيل في باريس بتهمة «جرائم حرب»
- الغارات الإسرائيلية تستهدف مواقع أثرية في مدينة صور جنوب لبنان
وفي ظل هذا التعقيد الذي يلف بلداً متعدد الطوائف والتيارات ومحوراً للتدخلات الخارجية، يتمسك هؤلاء المبدعون بنوع من التواضع المعرفي، مستشهدين بالمقولة الشائعة بأنه إذا ظن المرء أنه فهم شيئاً في لبنان، فذلك لأن الشرح لم يكن كافياً.
وتتفاقم هذه المعضلة مع تداخل الحرب بتفاصيل العيش اليومي؛ حيث يشير مجدلاني إلى التناقض الصارخ بين تحليق المسيرات المستمر في السماء واستمرار مظاهر الحياة العادية في العاصمة، لتظل محاولات ستاندجوفسكي والمُغني متمسكة بتوثيق الأحداث من منظور شخصي يجمع التفاصيل الدقيقة دون اختزال الوطن في سردية واحدة مجتزأة.
تعليقات