في هذا الحوار يتحدث التشكيلي الليبي، علي المنتصر، إلى «بوابة الوسط» عن إصداره الجديد «مذكرات فنان»، حيث نقترب من أسئلة جوهرية تتعلق بحقيقة التجربة الإبداعية في المشهد التشكيلي الليبي وحدود التمايز بين الأصالة والزيف، ودور العوامل المحيطة - من الصدفة إلى وسائل التواصل - في تشكيل صورة الفنان ومساره. قراءة نقدية صريحة تضع المواجهة في قلب التجربة، باعتبارها المدخل الأهم للتصحيح والنضج الفني والإنساني.
كيف تحاول أن تميّز بين التجربة الحقيقية والتجارب التي وصفتها بأنها قائمة على المحاكاة أو السطحية؟
تبقى التجارب الحقيقية استقامة أخلاقية قبل كل شيء. فقبل انهيار المجتمعات تبدأ ملامح الانحدار الأخلاقي، الذي يتحول مع الوقت إلى ممارسة مألوفة يسعى من خلالها البعض لتحقيق مكاسب سريعة، ولو على حساب تجارب الآخرين.
الكثير يبحث عن الوصول دون خوض مشاق الطريق، لذلك تغيب عن أعمالهم علامات الجهد الحقيقي، وتفضح السطحية إنتاجهم المرتبك والمنسوخ عن تجارب أخرى. ومع ذلك، فإن هذه الزيف لا يخفى على عين الناقد المتخصص.
الإصرار والتحدي وخلق البدائل هي أساس نشأة التجارب الحقيقية، وهي ما يمنحها مصداقيتها وقيمتها التاريخية، ويجعلها جديرة بالتأمل والتصديق عند اكتمالها.
تحدثت عن «خصوصية التجربة» كشرط أساسي لقيمتها، كيف تتشكل هذه الخصوصية في رأيك داخل المشهد التشكيلي الليبي؟
لا يزال المشهد أكثر تعقيدًا؛إذ يفتقر المجتمع إلى الاهتمام الكافي بالثقافة والفنون، التي تُختَزل غالبًا في كونها كماليات. هذا الغياب خلق فراغًا نقديًا، فتح المجال أمام تجارب سطحية تتصدر المشهد دون مساءلة.
في ظل هذا الواقع، يصبح من الصعب تحديد خصوصية أي منجز إبداعي، حيث تختلط الأصوات الحقيقية بالزائفة، وتتسع الفجوة بين القيمة الجمالية الحقيقية وما يُروّج له، ما يؤدي إلى ندرة التجارب الأصيلة القادرة على الإضافة الفعلية.
إلى أي مدى يمكن أن تلعب الصدفة أو الفرص دورًا في مسار الفنان، دون أن تنتقص من أصالة تجربته؟
لا وجود حقيقيًا للصدفة في مسار من يمتلك مشروعًا إبداعيًا واضحًا. ما يُسمى بالفرص ليس إلا نتيجة لتراكم الجهد والعمل.
كل شيء يخضع لمنطق الأسباب والنتائج، والحديث عن الصدفة يفتح بابًا لمغالطة مفهوم العدالة، ويُفقدنا القدرة على التقييم بين النجاح والإخفاق. لذلك، تبقى التجربة الحقيقية نتاج اجتهاد متواصل، لا رهينة ظرف عابر.
أشرت إلى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم بعض التجارب؛ كيف ترى علاقتها اليوم بصناعة «صورة الفنان» مقارنة بحقيقة منجزه؟
ما يحدث اليوم هو تضخيم «الشخصية» أكثر من التجربة ذاتها. فالكثير يتحدث عن نهايات لم تبدأ أصلًا، مستفيدًا من فضاء مفتوح يمنح الانتشار دون جهد حقيقي.
وسائل التواصل خلقت جمهورًا يتفاعل بلا تمحيص، ما ساهم في إنتاج كيانات مصطنعة تتوهم الجدارة، وتكرس تشوهات تعوق التجارب الجادة. وهنا تصبح «صورة الفنان» منفصلة عن حقيقة منجزه، بل وأحيانًا نقيضًا لها.
دعوت إلى «المواجهة» كمدخل للنجاح، ما الذي تعنيه بهذه المواجهة تحديدًا؟ وهل مررت شخصيًا بلحظات اضطررت فيها لمراجعة تجربتك بهذه الطريقة؟
المواجهة هي الخطوة الأولى نحو التصحيح، وهي لحظة انكشاف الحقائق التي كانت محجوبة بالجهل أو التردد أو الخوف. إنها لحظة وعي تُعيد ترتيب العلاقة مع الذات والعالم.
في تجربتي، تمثل هذه الفكرة جوهر مشروعي، خاصة في كتاب «مذكرات فنان» المرتقب بعنوان «التسكع خارج الموروث»، حيث تتجسد المواجهة كرحلة متكاملة من الإصرار وتجاوز العقبات.
الكتاب لا يقدّم سردًا تقليديًا، بل تجربة إبداعية متعددة المستويات، تجمع بين التأليف والتصميم والتوثيق، ليكون وثيقة إنسانية وفنية تعكس مسارًا مختلفًا، قائمًا على التنوع والتجربة والمواجهة المستمرة.
تعليقات