في عملٍ سرديٍّ كثيف الدلالة، يقدّم الكاتب والشاعر صلاح انقاب روايته «آوال، سيرةُ جنّيٍّ في طرابلس» بوصفها تشريحًا أدبيًا لذاكرة المدينة الليبية، انطلاقًا من صخور جبل نفوسة، وامتدادًا عبر قرنٍ كاملٍ من العنف والتحولات والانكسارات.
الرواية تُروى بعين «آوال»؛ جنّيٍّ ملعونٍ بالخلود، شاهدٍ أبديٍّ لم يعرف النوم ولا النسيان. كائن يقف فوق ركام الزمن، يُحصي الحروب بلا عاطفة، يرصد الاضطرابات، يلمس الفقر عاريًا، ويفضح ثراءً زائفًا نما في ظلال الخوف. يعبر الحصار، ويشهد الاستبداد وهو يسكب نارًا وحديدًا على أجساد البشر وذاكرتهم.
-بطاقات ووجوه ووثائق تخرج من الظل إلى السرد بأعمال انقاب
-ديوان شعري يخرج إلى النور بعد عشرين عامًا من الصمت
وفي قلب هذا السرد الكوني، تتشكّل سيرة سليمان البربري، الشخصية المحورية في الرواية: أمازيغيٌّ يعبر «التفلّيقة» و«عام الشر»، يشهد الاستقلال، ثم الثورة، قبل أن ينزلق في دهاليز الرعب الثوري وسنواته المعتمة. رجل يمشي والخسارة تسبقه، يتعلّم فنّ النجاة القاسية، ويدفع ثمن البقاء بفقدانٍ متواصل لأفراد سلالته؛ أولئك الذين ماتوا لأنهم وُلدوا في المكان الخطأ، وفي الزمن الخطأ، حيث لا ضمانة لمن يريد - ببساطة - أن يعيش حياته لأجل الحياة نفسها.
لا تكتفي «سيرةُ جنّيٍّ في طرابلس» بسرد حكاية مدينة؛ بل تذهب أبعد من ذلك، لتكون شهادةً دامية على ما صاغ الشخصية الليبية المعاصرة: نفس مشروخة، ووعي تكوَّن تحت السوط، وفي الظل، وعلى حافة البقاء.
إنها رواية الذاكرة الجريحة، ومرثية بشرٍ عاشوا كلّ هذا الثقل التاريخي، وهم يحاولون - بما تبقّى فيهم - أن يكونوا ليبيين. لا أبطالًا، بل ناجين.
تعليقات