يكشف الكاتب صلاح انقاب، مرة أخرى، ذلك الخيط الرفيع الذي يجعل أعماله شديدة القرب من الحقيقة، وكأنها ليست روايات بقدر ما هي محاضر تحقيق منسية في أدراج التاريخ.
ففي كل مرة يقدّم مادة سردية جديدة، يثبت أن القصص التي يكتبها ليست مجرد خيال، بل إعادة تركيب دقيقة لحياةٍ عاشها أشخاص حقيقيون، أو كان يمكن أن يعيشوها.
وثيقة صغيرة.. وباب واسع إلى عالم آخر
الصورة التي نشرها للبطاقة القديمة، بطاقة المرور في زمن الانتداب البريطاني على ليبيا، ليست مجرد أرشيف. إنها المدخل الأول لفهم بطله الجديد في روايته المرتقبة «آوال سيرة جني في طرابلس». رجلٌ حقيقي الملامح، اسمه سليمان أمقران، وُلد في فساطو عام 1906، وانتقل إلى طرابلس حاملاً معه أكثر من هوية، بطاقة ورقية رسمية وعبئًا أسطورياً أكبر منها بكثير.
-صدور النسخة الفرنسية من رواية «جمهورية الضباع»
-صلاح انقاب يختتم مشروعه الديستوبي الممتد لعشرين عامًا بخماسية روائية
في عالم صلاح انقاب، الواقع لا يُقدَّم كحقيقة جاهزة، بل كجدارٍ تتسلل منه الأساطير. وسليمان، الذي ألصقت به القرى تهمة «الممسوس»، يتحول إلى شاهد على زمنٍ كانت فيه الخرافة وسيلة دفاع، والوصمة أداة ضبط اجتماعي.
طرابلس.. المدينة التي تبتلع حكاياتها
في الخبرة الروائية لانقاب، ليست المدن مجرد مسرح، بل كائنات تتحرك ضمن السرد. طرابلس، كما يظهر في «آوال»، ليست مدينة ترحّب، بل مدينة تختبر. وكل غريب يدخلها يجب أن يقدّم قربانًا: ذاكرته، أو خوفه، أو قصته.
ويستثمر انقاب التفاصيل الدقيقة - من بطاقة صغيرة لا يتجاوز حجمها الكف إلى تاريخ كامل مشحون بالأساطير - لبناء عالم تبدو أحداثه واقعية لدرجة تربك القارئ، وتجعله يتساءل: أين ينتهي التاريخ؟ وأين يبدأ الخيال؟.
فالرجل في الرواية ليس بطلًا خارقًا ولا ضحية. إنه نموذج من تلك الشخصيات التي تنجذب إليها أعمال انقاب: بشرٌ يمشون على الخط الفاصل بين الضوء والعتمة، يحملون قصصًا لا تملك الوثائق الرسمية جرأة تسجيلها، فيتكفّل الأدب بالاعتراف نيابة عنها.
رواية «آوال» المنتظرة لا تكشف سيرة رجل واحد فقط، بل سيرة مدينةٍ كانت تقف على حافة الخرافة والتاريخ، وتجعل من التفاصيل الصغيرة بطاقة، وشائعة، وظل مفاتيح لفهم عالم كامل.
وترقّب القراء يزداد مع كل صورة ووثيقة ينشرها الكاتب، لأن ما لا تقوله البطاقة القديمة ستقوله الصفحات، وما صمتت عنه الذاكرة سيكتبُه انقاب بطريقته التي تجعل الخيال يبدو أقرب ما يكون إلى الحقيقة.
تعليقات