شهدت الأكاديمية الليبية الأيام الماضية مناقشة استكمال الدراسات الدقيقة «الدكتوراه» حول (الخصائص التشكيلية في الخط المغربي المبسوط في ليبيا) المقدمة من الباحث امبارك عبدالله قلاش. وتكونت لجنة المناقشة من الدكتورة إيمان محمد فرج رئيساً ومشرفاً، وعضوية كل من د.عبدالكريم صولة ممتحناً خارجياً، ود.حسين أبوشعالة ممتحناً خارجياً، ود.منى الشامس ممتحنا داخليا، ونجوى الحصادي ممتحنا داخلياً.
الهدف والرؤية
على هامش المناقشة التقت «الوسط» الباحث امبارك قلاش الذي أجابنا عن سبب اختياره لهذا الموضوع والهدف منه فقال: تناولت هذه الدراسة موضوعاً ذا أهمية كبيرة يمثل إرثاً ثقافياً امتد لمئات السنين داخل جغرافية ليبيا كون ليبيا ضمن دول المغرب العربي، أيضاً لأنه لم يجر التطرق لموضوع الخط المغربي وتحديداً (المغربي المبسوط) حيث ظل يستخدم فترة من الزمن وعلى نطاق واسع؛ حيث نسخت به المخطوطات من مصاحف وفقه وسير ووثائق على أنواعها وكذلك استعمل في اللوحة الحروفية التشكيلية، والتصاميم الجرافيكية كالمطبوعات وغيرها.
يضيف قلاش: أهمية الدراسة تكمن أيضاً فيما يمثله هذا الإرث الثقافي والحضاري من أصالة وهوية لليبيا والتي تعتبر الحد المكاني للدراسة كما حمل لنا تباشير الدعوة الإسلامية لمجتمع كانت تسوده الأمية ما عدا كتابات (التيفيناغ) والتي تعتبر المرحلة الأخيرة من الكتابات القديمة قبيل مجيء الخط الكوفي المشرقي مع الفتوحات وتحوله إلى الكوفي القيرواني بمدينة القيروان أول عاصمة سياسية بالمغرب العربي.
يواصل الباحث شرحه قائلا: قد يتساءل البعض ما هو هذا الخط وما أشكاله؟ وأين استعمالاته؟ وأين هو اليوم؟ ولماذا كتاباتنا اليوم نراها مختلفة عنه وبالخطوط المشرقية المتعارف عليها؟ ولماذا نقف اليوم كمتخصصين في ميدان الخط أمام قراءة حروفه وفك رموزه؟ وأقول إنه لكل الأسباب التي ذكرت حاولنا دراسته من حيث الخصائص التشكيلية والجمالية.
المرتكزات والوظائف
يكمل قلاش موضحاً الخطوط العامة للدراسة وأهدافها: تتناول الخط المغربي منذ تواجده أو دخوله إلى ليبيا إلى اليوم واستعمالاته (الوظيفية والجمالية) أي استعماله في المصاحف والوثائق واللوحة الحروفية التشكيلية، ومن ثم ما يمكن أن يستفاد منه في المجالات التصميمية كالمطبوعات الجرافيكية للمقومات التشكيلية التي يمتلكها هذا الخط.
- للاطلاع على العدد «521» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
ويتابع: نهدف من خلال هذه الدراسة إلى: التعرّف على مراحل تطور الخط المغربي المبسوط في ليبيا. معرفة الخصائص التشكيلية والجمالية للخط المغربي وخاصة المبسوط منه، والتعرّف على طريقة الكتابة لهذا الخط من حيث الأقلام المستخدمة والقواعد والأسس الخاصة لكتابته، وإبراز المقومات التشكيلية للخط المغربي المبسوط وتوظيفها في الأعمال واللوحات والتصاميم الفنية ذات القيمية الجمالية.
الباحث يكمل بقوله «كذلك تتبعنا مسيرة الكتابة في ليبيا بالعودة إلى تاريخ ليبيا الذي شهد عصوراً طويلة (العهد الفينيقي والإغريقي والروماني وعهد الخلفاء الراشدين والعهد الأموي والعباسي والموحدي والحفصي والعهد التركي والإيطالي وعهد الانتداب البريطاني وعهد الاستقلال وصولاً إلى كتابة «التيفيناغ» كآخر مرحلة للكتابة الليبية وليس آخر الخطوط في ليبيا».
مراحل الخط في ليبيا
الحديث قادنا إلى استيضاح الباحث عن مراحل الخط المغربي في ليبيا وبدوره أجاب: مرحلة (كتابة التيفيناغ) أو خط التيفيناغ والذي يعتبر حداً فاصلاً بين الكتابة القديمة وبين الخط والكتابة أثناء الفتح الإسلامي ثم مرحلة (الخط والكتابة المغربية) والتي تعتبر حداً فاصلاً بين كتابة التيفيناغ والخط المشرقي أثناء مجيء الدولة العثمانية إلى ليبيا والذي استمر حكمها نحو 350 سنة تقريباً. كذلك مرحلة امتزاج (الخط المغربي والمشرقي) وهي فترة صراع طويلة امتزج فيها الخطان المشرقي والمغربي وسارا بالتوازي جنباً إلى جنب حيث مارس الخط المشرقي في أروقة الدولة الإدارية، أما الخط المغربي فاستمر في كافة الجوانب الدينية ومعاملات الناس الخاصة، ومنذ ذلك الوقت استمر الخط المشرقي إلى يومنا هذا من خلال العهود التي تلت الدولة العثمانية.
تفاصيل وخلفية تاريخية
ذكر قلاش للخط المغربي والمبسوط تحديداً منذ دخوله، كذلك تناوله لدخول الخط المشرقي، دفعنا إلى السؤال عن تفاصيل أكثر وكانت الإجابة: كما ذكرت لك قسمنا المراحل بإيجاز إلى ثلاثة، ودام استخدام الخط المغربي بأنواعه في ليبيا كمكون من الدول المغاربية وسائر بلدان المغرب العربي وأجزاء من أفريقيا، حيث تتطبع في كل منطقة دخلها بطابعه الخاص، وكما ذكرنا في إشكالية الدراسة أن هذا الخط تراجع استعماله ولم ينقطع نهائياً لأسباب أولها دخول أو مجيء الدولة العثمانية إلى ليبيا، حيث اقتصر استخدام الخط المشرقي في مراكز الدولة الإدارية وضل استخدام الخط المغربي خارج إطار الدولة الرسمي. والسبب الثاني هو عدم دخول الحرف المغربي للطباعة كما دخل المشرقي والثالث أن موقع ليبيا الجغرافي وتأثرها بدول المشرق كمصر وغيرها.
قلاش يكمل: أما عن أسباب عودة هذا الخط إلى الميدان من جديد، كان لأسباب كثيرة نذك منها: «عزم وإصرار جيل الخطاطين وحببهم وشغفهم الكبيرين- المحاولات الفردية والجماعية وإقامة المعارض الفنية والمشاركات داخل ليبيا وخارجها- تأسيس جمعيات الخط العربي».
المرحلة الأولى: عندما حلق الخطاط (إبراهيم سالم المصراتي) في فضاء المغرب العربي متجهاً بأنظاره ليتشرب أبجديات الخط المبسوط محققاً أول إجازة في هذا الخط من الخطاط المغربي (جمال بن سعيّد) من دولة المغرب (المغرب الأقصى).
المرحلة الثانية: كانت لحظة استلهام الحرف المغربي في اللوحة التشكيلية الحروفية عن طريق الفنان (محمد خليفة الخروبي) والتي نفذها عام 2008، ومن ذلك الوقت غدا الحرف المغربي يعزف على أوتار لوحات التشكيليين الليبيين والذين ستكون أعمالهم ضمن الدراسة التحليلية الجمالية. وغيرهم من الفنانين والفنانات الذين أثاروا الساحة الليبية بمخطوطاتهم وأعمالهم الفنية.
يقول الباحث «قمنا بعرض وتحليل مجموعة من الأعمال كعينات لهذه الدراسة بعد اختيارها من ما يتوافر في كل مناطق ليبيا شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً وعلى سبيل المثال لا الحصر ما تضمه غدامس كونها حاضرة من حواضر ليبيا لموقعها الجغرافي كنقطة عبور بين الغرب والشرق والعكس، والدور الأكبر لمركز الليبي للمخطوطات والدراسات التاريخية في تجميع عدد كبير من تلك المخطوطات المنتشرة في جغرافية ليبيا من ناحية توثيقية. وما بالمكتبات العامة والخاصة وما بحوزة الأشخاص».
وعن الصعوبات التي واجهته يقول: تتلخص في عملية التوثيق بالنسبة لعينات الدراسة خاصة في المصاحف لعدم وجود اسم الناسخ مثلاً خاصة في بعض المصاحف لأن الخطاط المسلم اعتاد عدم كتابة اسمه كجانب عقائدي لنيل الأجر والثواب كذلك عدم وجود دراسات محلية سبقت هذه الدراسة يمكن أن يستفاد منها الباحث».
ويخلص الباحث في النهاية إلى نتيجة مفادها أن هذا الخط أو بالأحرى أن الخطوط المغربية تتشابه إلى حد كبير في المناطق المغاربية باعتبار أن الرقعة الجغرافية كانت وحدة واحدة دون فواصل.
تعليقات