حلّ البروفيسور الليبي علي عبداللطيف حميده ضيفًا على البرنامج الإذاعي «هيومانيتي» الذي ينتجه مركز العلوم الإنسانية العالمية التابع لجامعة «نيو إنغلاند» الأميركية، حيث تحدث عن كتابه الأكاديمي المهم «الإبادة الجماعية في ليبيا – الشر.. تاريخ استعماري مخفي».
وأكد حميده أن الفاشية الإيطالية والإبادة الجماعية التي ارتكبتها في ليبيا مهدت الطريق أمام «المحرقة النازية»، مشددًا على أن «النازية الألمانية لم تتبع نموذج الاحتلال البريطاني أو الفرنسي، بل اتبعت نموذج الاحتلال الإيطالي في ليبيا».
وذكّر بأن الفاشية الإيطالية تعمدت تهجير مئات الآلاف من المدنيين الليبيين، خصوصًا في شرق البلاد، إلى صحراء المنطقة الوسطى عند سرت، بهدف استبدالهم بما بين نصف مليون إلى مليون عامل إيطالي.
إخفاء غربي متعمد لجرائم إيطاليا في ليبيا
كشف حميده أن هناك تعمدًا غربيًا، إيطاليًا وأوروبيًا، لإخفاء الحقائق المتعلقة بالإبادة الجماعية التي ارتكبتها الفاشية الإيطالية في ليبيا بين عامي 1929 – 1934، وأوضح أن هذا الإخفاء شمل محو أي معلومات في التاريخ الحديث تتعلق بمعسكرات الاعتقال في ليبيا، وكذلك التهجير القسري لأكثر من 120 ألف ليبي من الشرق إلى سرت، حيث لم يخرج أحياء سوى 35 ألف مدني فقط.
- بين العمل الأكاديمي والبحث التاريخي.. علي عبد اللطيف حميده مسيرة حافلة لباحث ليبي
- محاكمة الإبادة الجماعية في ندوة فكرية ببيت نويجي
- صدور الطبعة الثانية من كتاب «الإبادة الجماعية في ليبيا» للباحث علي عبداللطيف احميدة
وتابع أن إعداد كتابه استغرق نحو عشر سنوات منذ العام 2010، وأنه سعى للإجابة عن أسئلة بقيت معلقة لعقود: «لماذا جرى قتل هؤلاء؟ كيف تمّت عمليات الإبادة؟ ولماذا مُحيت هذه الوقائع من الذاكرة الأوروبية والإيطالية الحديثة؟».
الشعر الشعبي كمصدر للتوثيق
توقف حميده عند أهمية الفنون الشعبية، لا سيما الشعر الشعبي، الذي كان المصدر الأول في نقل وتوثيق وقائع الإبادة الجماعية ومعسكرات الاعتقال. وأشار إلى أن هذه الفنون تناقلتها أجيال الناجين حتى يومنا هذا، مضيفًا أنه أمضى عامين كاملين يتعلم كيفية تعبير الناجين عن أنفسهم ثقافيًا.
وقال: «لقد أصبح الشعر المكتوب والمنقول أداة قوية لتوثيق ما حدث، من وجهة نظر الضحايا أنفسهم، لأن الفاشية الإيطالية اعتقدت أن هؤلاء مجرد بدو همجيين يجب جرّهم إلى المدنية حتى وإن استدعى ذلك قتل غالبيتهم».
وأكد أن الشعر الشعبي يحتل قسمًا كبيرًا من كتابه، لأنه سمح له بالكتابة من وجهة نظر الناجين، وليس من منظور النخب الليبية أو السرديات الاستعمارية الإيطالية. وأكد أن هذا المنهج البحثي كان أساسيًا لفهم مأساة الليبيين من الداخل، كما عاشوها هم أنفسهم.
ردود فعل في إيطاليا وليبيا
أشار حميده إلى أن كتابه الذي صدر في العام 2021 أثار جدلًا واسعًا في إيطاليا، إذ دفع كثيرين إلى مقارنته بالمحرقة النازية لليهود، وهو ما شكل صدمة في الأوساط الإيطالية والأوروبية.
أما داخل ليبيا، فقد حظي الكتاب باستقبال واسع خاصة في بنغازي والمنطقة الشرقية، حيث أكد له البعض: «نحن من عانينا، الآخرون لم يعانوا مثلنا». وأوضح أن بعض القراء طلبوا منه التركيز فقط على شرق ليبيا نظرًا لعمق المأساة هناك، لكنه شدد على أن الاستقبال كان إيجابيًا خصوصًا في الجامعات مثل جامعة البيضاء.
وشدد حميده على أن كتابه لا يقتصر على النخب الأكاديمية، بل يخاطب المواطنين العاديين أيضًا، لأنه يعرض القضية الليبية للعالم بأسره وليس لليبيين فقط. وأعرب عن أمله في أن يفتح الكتاب حوارًا جديدًا، معتبرًا أن حالة الإنكار العام في إيطاليا وغياب أي شكل من أشكال المحاسبة ما زالت قائمة.
وقال: «في اعتقادي لم يعد بالإمكان فهم أوروبا من دون فهم أفريقيا»، في إشارة إلى الترابط التاريخي بين الاستعمار الأوروبي والجرائم ضد الإنسانية في القارة السمراء.
تعليقات