■ الأدب يحتاج مناخًا صحيًا لصناعة الجمال وليس غلبة حملة السلاح واللصوص
■ في أزمنة الانحطاط، لا يصبح الشعر ترفا، بل السلاح الوحيد لإيقاظ الوجدان
■ تجربتي الشعرية تشهد على المواءمة بين مفهوم ثقافة الشخصية الليبية ونمط الاقتصاد
■ حالة البوح والاعتراف ليست حكرًا على قصيدة النثر فهي متداولة حتى في الشعر الكلاسيكي
■ السيرة ليست مجرد حكي مباشر، بل فن التحايل على الذاكرة بتقنيات التكثيف والإيجاز
في زمن تتراجع فيه الأصوات الشعرية أمام صخب الواقع، يظل مفتاح العماري صوتا استثنائيا، يحمل في نبرته ثقل التجربة وصدق الرؤية. هو ليس شاعر وحسب، بل هو شاهد على زمن مثقل بالحروب، ومبدع حوّل قسوة الثكنة العسكرية إلى نص يتنفس الحرية، ويبتكر معنى جديدًا للألم.
لقد جعل من قصيدته وثيقة حية لتجربة الجنود، محولًا معاناة الفرد إلى مخيال جمعي يضيء زوايا مظلمة في الذاكرة الوطنية. العماري، كغيره من الأصوات النادرة، يربط بين المحلي والكوني، بين ليبيا المجروحة والإنسانية الرحبة، فيجعل من الشعر جسراً يعبر به من الرماد إلى المعنى.
في الجزء الثاني من الحوار، نقترب من عوالم شاعر لم يكتف بكتابة القصيدة، بل سعى إلى تأسيس خطاب نقدي وجمالي متكامل.
■ سألناه عن السيرة في القصيدة، إذ تميل نصوصه إلى الاعتراف وتوثيق التحول الذاتي.. متى يصبح الاعتراف فنا لا اعترافيا، وكيف تتجنب الوقوع في الحكي المباشر؟
- بداهة أن السمة الاعترافية في الأدب بصورة عامة، وفي الشعر خاصة، ولا سيما قصيدة النثر، ستشي بذاتية التجربة ومرجعيات الحياة الشخصية، وذلك استئناسًا منها ببنية السرد داخل حقلها الشعري، لا من زاوية القصة أو الرواية.
أما نبرة المباشرة فيمكن التحايل عليها بتقنيات لسانية وفنية، تلجأ إلى أسلوب التكثيف والإيجاز. هذا النمط من الاعتراف لا يدرج الكتابة الشعرية بأي حال من الأحوال في حقل السيرة، مثلما لا يُسوغ لنا إدراج أي رواية حوارية في حقل المسرح، وبالمثل ما إذا انفتحت القصيدة على أجناس أخرى كالسيناريو، فستظل تحتفظ بشكلها الخاص بها، مع الإشارة إلى أن حالة البوح وتوثيق اليومي والاعتراف ليست حكرًا على قصيدة النثر، بل هي خصيصة فنية متداولة حتى في الشعر الكلاسيكي، ولعلّ منطقة التمايز هنا تكمن في الشكل.
■ الحديث عن تعدد الأجناس يمتد ويتفرع ما بين الشعر والنقد والمسرح وأدب الطفل، فما القيمة الاستراتيجية لهذا التعدد في بناء حساسية لغوية وفكرية موحدة أم أنه تشتت منتج من باب التنوع؟
- ألمّح في البدء إلى أن الانشغال بأكثر من نوع إبداعي يخضع لجملة من العوامل: شخصية واجتماعية وإجرائية ولوجستية، من شأنها استهواء أو تغليب صناعة نوع دون آخر. على سبيل المثال، صناعة السينما والمسرح وجزء من أدبيات الطفل تتطلب في الجانب الإجرائي محفّزات وإمكانات غير متاحة في المشهد الثقافي الليبي، وهنا أومئ إلى الفنون الجماعية.
فمهما كانت الخطوات جسورة ونوعية في مستواها المبدئي، مثل كتابة السيناريو على سبيل المثال، ستظل محض مغامرة خائبة ما دام الحد الأدنى من أساسيات الصناعة يكاد يكون معدوما على المستوى المحلي، مما يدرج جميع الفنون الجماعية في خانة الأمنيات المعطّلة.
يترتب على ذلك خسارة الطابع التراكمي، وأن كل مبادرة ستبدو محض بداية من الصفر حالما تموت في مهدها ما دام لا تتوافر المحرضات الذهنية واللوجستية، بحيث لم يبق لدينا سوى هامش ضيق للندرة من الإبداعات الفردية، بينها الرواية والشعر والرسم، وربما الموسيقى في حيزها الشخصي.
ومن جهتي، حاولت خوض هذا التعدد بدافع انحيازي المبكر لمفهوم التكامل بين أجناس الفنون والآداب، فضلا عن اختلاف الفضاء بين نوع وآخر، فما تضيق به القصيدة يمكن أن يجد متسعا لتفاصيله في السرد الروائي، وهي عملية أبعد ما تكون عن التشتت، سواء أكان ذلك إجرائيًا أو من منظور فلسفة الجمال فنيا، الداعي إلى انفتاح جميع أجناس الإبداع الكتابي والبصري على بعضها البعض كعملية تكاملية.
■ الثقافة الليبية والعربية: ما خصوصية المخيال الليبي في قصيدتك مقارنة بالمجال العربي الأوسع؟ وكيف توازن بين المحلي والكوني من غير فلكلرة أو ذوبان؟
- مثل هذه الأسئلة سينتج عنها الخروج بأسئلة محايثة، تضمر تحديد تعريف مبسط للمخيال الليبي. وأظن أننا في حاجة إلى جهاز نقدي موازٍ للنص الإبداعي حتى يكون في مقدورنا من جهة تنشيط هكذا أسئلة، ومن جهة أخرى تحفيز النص الإبداعي على اكتشاف إمكاناته الفنية والمعرفية. علاوة على تعزيز فعليَّ التلقي والتأويل، فحتى الآن ما زلنا نفتقد على المستوى العربي لنظرية أدبية تواكب المنجز الإبداعي، ولكن لا ضير من التصريح بأنه حسبا لخبرتي الشخصية في الكتابة قد هضمتْ تجربتي الشعرية أهم العناصر المكونة للمخيال الليبي عبر المواءمة بين الثقافة بمفهومها الواسع المتعلق بالشخصية الليبية، وبين نمط الاقتصاد.
ففضلا عن تجارة القوافل، سوف تحتل النزعة الحربية العامل الأهم في بناء الذهنية الليبية، مع الربط بين عنصري الغلبة والغنيمة على مدى تاريخ طويل له جذوره في المخيال العربي بمفهومه الأوسع، وهذا ما حذا بي إلى الانشغال شعريًا بمجتمع الثكنة كترميز يتخذ من الجندي ومجمل السيمياء المتعلقة برسم ملامح هذا الكائن كثيمة محورية كان لها دورها في تشكيل وتنميط الذاكرة الوطنية، التي تتمحور حول تاريخ طويل من المعارك والغزوات الحربية التي خاضها الليبيون، سواء ضد المستعمر أو مع أنفسهم.
أظن أنني أخلصت، وبعصامية عالية، في توطين هكذا ثيمة محورية داخل تجربتي الشعرية كلازمة حارة ومعاشة بقلق في أدق تفاصيلها عنفا وفوضى، التي بالنظر إلي توفر عامل المراكمة التي يمكن أن تُعدّ شبه يتيمة بالقياس لتاريخ الشعر بشكل عام في فضائه العربي، والإنساني الأبعد غورًا، والتي يمكن التعامل معها ضمن بُعدها الجمالي فلسفيًا كفعل مثابرة وإضافة على مدى نصف قرن ونيف من مسيرتي الشعرية.
وعلى صعيد المقاربة النقدية التي اهتمت بتجربتي، كان للناقد أحمد الفيتوري إسهام قيم بوسم «قصيدة الجنود».
■ وظيفة الأدب: إذا كان الشعر يتراجع اجتماعيا - كما تقول - فما الأدوات العملية لاستعادة وظيفته المعرفية والوجدانية داخل مجتمع مأزوم سياسيا وثقافيا؟
- قبل التحدث عن وظيفة الأدب، أشير في البدء إلى أن مسألة تراجع الشعر ترتبط بأسباب ثقافية مركّبة، عربيًا وعالميًا، تتلخص في تحولات الشعر العربي ومخاضه، وصولا إلى نشأة قصيدة النثر العربية، تنظيرا وممارسة، عبر مجلة شعر «أدونيس، وأنسي الحاج» التي تزامنت مع مقدمات مرحلة ما بعد الحداثة.
ولعل السؤال المضاد: أن هكذا قصيدة خنثى معادلٌ موضوعي للإنسان الخنثى. ربما هكذا أسئلة مشككة تندرج ضمن قائمة عديد الشبهات الناجمة عن مرحلة ما بعد الحداثة كضرب من تكريس نظام مهيمن عمل على تنميط ثقافة عابرة للهويات، نجم عنها خلخلة جملة من الثوابت في مدونة الجمال. ولعلّ هذا ما حذا بعديد الدراسات النقدية العاكفة على تشخيص حقبة ما بعد الحداثة أن توسم مقارباتها بعناوين محايثة مثل «موت الإنسان - الأسئلة السائلة - نظام التفاهة - المجتمع المنحط - موت الناقد - موت الشعر - وإلى أين يسير العالم؟».. إلخ.
وعطفا على ما سبق، يمكننا التحدث عن ضرورة الأدب عندما يكون في وسعنا حقا خوض معركة حقيقية ضد الجهل والتخلف، ومعالجة عديد الآفات الاجتماعية المزمنة كالعزوف عن القراءة، وإهمال أو إغفال تلقي الفنون الإبداعية بشكل عام، لأن الوظيفة المعرفية للأدب لا تنحصر في إنشاء رواية داخل بيئة لا تقرأ، أو كتابة قصيدة محكومة سلفا بالنفي والهجران. فمع تفشي هكذا أزمات، على السؤال أن ينصبّ أولا على التأسيس لمناخ حاضن، لا استعادة ما لم يوجد ما دام لم يكن للأدب في مشهدنا الثقافي الليبي أي أثر لفعالية ملموسة على الأرض من حيث تعميق الوعي الاجتماعي إزاء التعامل الرحيم للإنسان مع نفسه، ومع أخيه الإنسان، وإزاء تغذية الوجدان بثقافة التسامح وتعزيز روح المواطنة، وإزاء الاصطفاف لتأسيس دولة وطنية موحدة لا قبيلة أو جماعة متطرفة، وإزاء توطين السلام لا التوحّش.
وظيفة الأدب في حيزها التطبيقي لا النظري تبدأ أولا من التضافر لتهيئة مناخ صحي لصناعة الجمال عوضا عن القبح. لكن كيف يكون ذلك ما دامت الغلبة لحملة السلاح واللصوص وعباقرة الجهل؟ّ! هنا تكمن المعضلة.
لكن، وعلى الرغم من كل هذه الانسدادات، لا ضير من خوض محاولة جسورة لمراجعة الذات، وتشخيصها وإعادة تأهيلها حسبا لمقتضيات ترميم هوية وطنية تأخذ في حسبانها بالدرجة الأولى إعادة الاعتبار للوجدان الليبي، لأن أزمتنا في جوهرها ترتبط بحالة انحطاط عام، فلنبدأ أولا بتأمين الحد الأدنى من متطلبات تربية الناشئة على قيم الخير، والجمال، والتسامح، وصداقة البيئة، والإيثار، والتضامن.
وعندما أشير إلى الحدّ الأدنى، فإنني ألمّح إلى استحقاقات تربوية سُلبت عنوة من تلامذة المدارس عندما يخلو منهجهم التعليمي من مواد فنية وأدبية كالرسم والموسيقى والنشاط المسرحي، وتعزيز علاقتهم بالمكتبة المدرسية، إذ ذاك يمكن لسؤال الشعريات أن يأخذ له حيزًا في النسيج العام، ونعود بالقصيدة إلى الشفاه، والمسرح والموسيقى والسينما إلى الشارع كروافد فاعلة في تأثيث الوجدان، وإنماء المعرفة.
■ الترجمة والعبور: ماذا تكسب قصيدتك وماذا تخسر حين تعبر اللغات؟ وكيف أثرت الترجمة في طريقتك اللاحقة في بناء الصورة والإيقاع؟
- بالطبيعة أن أي عبور قد تحققه القصيدة من خلال الترجمة سيسهم دون ريب في عملية تحقيق الشراكة الإنسانية، فأن يكون لوجدانك حيزٌ ما في ذاكرة الآخر لهو طموح جدير بالاحتفاء لأي كاتب يسعى لتوسيع رقعة التفاعل مع القارئ أينما كان، وهو من جهة أخرى انتصار لآداب اللسان العربي عندما تأخذ لها موقعًا مشرّفًا بين اللغات المؤثرة في تأثيث الجمال.
وبغض النظر ما إذا كانت بعض خيارات الترجمة لا ترتكز على معايير القيمة الجمالية للنص المنقول، فثمة مؤثرات دعائية وتسويقية كالجوائز وغيرها لها شأنها في انتقاء الأقل استحقاقًا، وهذا أمر شائع في آلية السوق، فليس كل بضاعة رائجة هي الأجود، أو الأكثر قيمة.
مع ذلك لا بأس ما دام ثمة في الإمكان تجسير شراكات، والعبور إلى الضفاف الأخرى كتمهيد لتسويق الأفضل والأجدّ والمحفّز، والمزيد من ضخ الوجدان. مع الأخذ في الاعتبار أن نظرتي الشخصية لمصنفات الأدب الأكثر حظا في الشهرة والتسويق والترجمة لا تندرج في خانة المفاضلة، بل كجزء من التمايز، كالفرق بين باولو كويلو وخورخي لويس بورخيس، الذي أجده أكثر تأثيرًا وإثراء في الأدب الإنساني، على الرغم من أنه لم ينل جائزة نوبل.
أمّا فيما يخصّ حظوظ قصيدتي من الترجمة، فقد اقتصرت على مقترحات (تعد على أصابع اليد الواحدة) نُشرت بأربع لغات في مجلات تصدر في أوربا وأميركا معنية بالشأن الثقافي. وبالنظر لمحدوديتها، لم ينشأ عنها (بالنسبة لي) ذلك التأثير الفني أو المعنوي الجدير بالتوقف عنده كحدث استثناء.
■ الممكن لا الواقع: في ظل التهميش الرسمي للثقافة وارتباك الحقل العام.. ما الدور الاستراتيجي الذي ترى أن الشاعر يجب أن ينهض به؟ ولماذا تراهن على الممكن لا الواقع في مشروعك الشعري!؟
- الشاعر صاحب صنعة ترتهن بنشاط الفرد لا الجماعة، وعليه أن يكرّس انشغاله بالكتابة لا حمل كلاشنكوف، والانضواء ضمن فرقة مسلحة، لمحاربة عصابات المافيا. عندما تعذّر على «غابرييل غارسيا ماركيز» العيش جنبا إلى جنب مع «بابلو سكوبار» تخلّى مرغمًا عن فكرة الإقامة في كولومبيا، واقترح على نفسه كتابة «خريف البطريرك».
إذًا على الشاعر أن يستمر في الكتابة، هذا هو الإيمان الحقيقي الذي ينبغي رفده وتكريسه عبر المثابرة، بغض النظر عن مثبطات التهميش، سواء أكان فعل التهميش رسميا، ممثلا في سلطة الدولة لحظة انحرافها وتقاعسها عن تأدية أبسط واجباتها تجاه إنماء المعرفة، التي تحولت إلى مجرد شعارات من صنف البروبجاندا، أو كان اجتماعيا عبر الشارع نفسه المنشغل بتأمين قوت يومه، والحدّ الأدنى من الأمن والأمان.
ففي مثل هكذا أحوال سيُختزل المواطن إلى محض بهيمة تلهث، ليل نهار، خلف مأكلها وحماية نفسها من الأذى النفسي والجسدي. فبين متواليات غلاء الأسعار، ونقص السيولة، وانقطاع الكهرباء، وتأمين الدواء والملبس، والخوف من تجدد الاشتباكات الحربية، لا أظن أن هكذا كائن سيجد متسعًا للسؤال عن الشعر أو الموسيقى.
لكن وعلى الرغم من قتامة المشهد، يجب أن ينكب الشاعر على قصيدته إيمانًا منه بدور الأدب في إيقاظ الوجدان، فالشعر من أهم الروافد الناعمة لاكتساب المعرفة، والتغيير، وتعزيز الإيمان بالحياة الكريمة، وتذكير الإنسان بأصالة نسبه للخير والجمال، هذا هو سلاح الشعر، كما أرى.
■ اقرأ الجزء الأول من الحوار على الرابط التالي:
مفتاح العماري: الكتابة أنقذتني في مجتمع «الثكنة» (1-2)
تعليقات