Atwasat

عبدالحكيم الطويل: النسيان الأكبر لآثارنا سببه الرئيسي ظهور النفط (حوار)

طرابلس - بوابة الوسط الجمعة 01 أغسطس 2025, 02:04 مساء

بين حين وآخر تطالعنا الفرق البحثية داخل الجغرافيا الليبية وخارجها باكتشافات أثرية، تنوعت بين المقابر والتماثيل والأحجار أو ملامح المدن القديمة، لكن يبقى السؤال: ما هي الإجراءات اللازمة لتحييد آثار المدن عن مسارات الهدم والبناء؟ وكيف يمكننا حفظ تاريخها على الأقل ككيان وجد في زمن ما له تأثيره وأثره التاريخي النفيس؟

BCD Ad BCD Ad

الباحث والكاتب المهندس عبدالحكيم الطويل بذل جهودا منذ عقود في توثيق الكثير من المعالم الليبية عبر الكتابة والمحاضرات، وتوضيح علاقة المكان بالإنسان. وفي كتابه الأخير «من آثار منشية طرابلس المنسية»، الصادر عن المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية، يقدم الباحث فصلا من فصول التاريخ الليبي وآثاره. لذا حاولت «الوسط»، في حوار مع الطويل، التعرف على الخط العام الذي تناوله في إصداره الأخير.. جاء فيه:

● ما الذي يمثله هذا الكتاب في حقل الدراسات التاريخية والأثرية؟ وهل يعد الأول من نوعه بالخصوص عن المنطقة؟
هذا هو الجزء الأول لأول دراسة شبه شاملة لتاريخ وآثار ضاحية طرابلس الجنوبية، ومدينتها القديمة التي عرفت تاريخيا باسم «المنشية»، حيث يقدم هذا الجزء خلفية تاريخية لتأسيسها وسبب تسميتها، مع توثيق بالصورة والخريطة والوثيقة الأصلية، ومواد قانون الآثار الليبي لما بقي من آثار هذه المنطقة.

يوحي العنوان بالنسيان.. هل كان النسيان متعمدا أم سوء تخطيط أم ضحية القلق السياسي الذي مرت به البلاد؟
كانت بداية النسيان هو تحول المنشية إلى شوارع وأحياء سكنية في نهاية الحكم التركي، ثم طوال عهد الاحتلال الإيطالي، لكنهم كانوا منظمين ومحدثين للمكان أكثر من إتلافه، فحافظوا على الكثير من آثار هذا المكان، وربما حتى كانوا السبب في بقائه. النسيان الأكبر كان سببه الرئيس هو ظهور النفط، فبعد ظهور النفط تدفق الكثير من الليبيين للعمل والإقامة في العاصمة، بغرض الاستفادة من حاجة شركات النفط الأجنبية العاجلة إلى العمالة، وسرعان ما تحول النظام الاقتصادي الرئيس في العاصمة، وهو الزراعة والتجارة، إلى الوظيفة الحكومية في الشركات الأجنبية، مما أثر جدا على رقعتها الزراعية ومبانيها القديمة، إذ صار هناك من يستعجل في إزالتها، لبناء عمارات جديدة تنفع لتأجيرها إلى الوافدين الجدد، وللشركات الأجنبية التي بدأت تتوافد على العاصمة. كما تضررت جدا تركيبتها السكانية بعد أن كانت منطقة هادئة مستقرة ومتماسكة في نسيجها الاجتماعي، حيث دخلها مسؤولون يجهلون تماما مبانيها التاريخية والأثرية، ولم يكن همهم غير الإقامة والسكن وتنشيط مناشطهم التجارية الجديدة مع الشركات والسفارات الأجنبية، بحكم أن أرباحها أكبر وأسرع.

الطويل يتساءل عن حقيقة الأقاليم الثلاثة بمركز المحفوظات
الوكالة الإيطالية للتعاون والتنمية تبحث في طرابلس سبل تعزيز حماية التراث الثقافي الليبي
اكتشاف موقع روماني يروي أسرار بنغازي القديمة

هذا بالإضافة إلى أن المجتمع الليبي ما كان من المجتمعات المهتمة بالثقافة والسياحة والآثار، حتى أن الغالبية تظن أن الآثار في ليبيا لا تزيد على الرومانية، وأن من يهمه أمرها هم السياح الأجانب والشركات السياحية لا المواطن نفسه. لهذا حاولت في هذا الجزء تدارك هذه الأخطاء الفكرية الفادحة التي لم تضر بهذه المنطقة التاريخية فقط، وإنما بكل شقيقاتها في المدن الليبية الأخرى.

يشير الكتاب إلى علاقة المنشية بشخصيات معروفة وأسماء من عواصم ودول العالم شرقا وغربا، فهل يمكن أن تعطينا فكرة عن ذلك ببعض الأمثلة؟
نعم، فقد كانت منطقة المنشية المتنفس الاجتماعي لكبار رجال العاصمة من مقرهم القديم داخل أسوار المدينة القديمة، فمثلما هي الحال اليوم تماما امتلك كبار الأمراء والضباط والتجار والشيوخ بيوتا يسكنوها داخل طرابلس القديمة، ومزارع خارجها في أقرب ضواحيها التي كانت مثل هلال أو سوار، كما ذكرت في الكتاب، يحيط بالمدينة من البحر شرقا حيث واحة الساحل وشط الهنشير وسوق الجمعة وتاجوراء، مارا بجنوبها إلى البحر غربا، حيث توجد واحتا قرجي وقرقارش أيام كانتا واحتين بعيدتين! كما أن القناصل الأجانب مارسوا الفعل نفسه، فمنهم من اختار مقر قنصليته وسط المدينة القديمة ، وهذا ضروري ليكون قرب الحاكم في سراياه الحمراء، واختار سكنه في أحد قصور المنشية طالما كانت ترفل بالخضرة والماء ولطافة الجو وسط سواني هذه المنطقة، بعيدا عن اكتظاظ المدينة.

وبحكم أن حكام الدولة الليبية الأولى كانوا يستقطبون أهم الخبرات العسكرية والصناعية الأجنبية (أوروبية وآسيوية وأميركية)، خصوصا أسرى حروبهم البحرية المديدة، بل زوجوا بعضهم لبناتهم لضمان إخلاصهم، نقل هؤلاء الكثير من عاداتهم وثقافاتهم الأجنبية، وجيناتهم كذلك، إلى هذه المدينة، سواء كانت القديمة أم ضواحيها، وعلى رأسهم المنشية، حيث كانت كبار شخصيات الدولة ينتقلون إلى قصورهم في المنشية أيام الجمع والعطلات، وحتى أيام الاضطرابات السياسية، حماية لعائلاتهم، فصارت المنشية شيئا فشيئا مهمة، خصوصا مع الجيل التالي الذي قرر فيه بعض الورثة الإقامة فيها بعد أن صار نصيبهم من الميراث فيها، مما جعل من سكانها وأبنائهم يتحولون إلى ثقل سياسي وعسكري، ومركز قوة مهم لا يمكن لحاكم العاصمة أن يتجاهل مشورته.

المنشية كضاحية تختزل الكثير من الأحداث والشواهد والمحطات، ولكن يبقى حدث ما قادك إلى الغوص في تفاصيل تاريخها؟
أنا سليل عائلة عريقة أقامت وسكنت هذه المنطقة، والحقيقة قبل صدور هذا الكتاب نادرا ما قلت إن جدي الرابع كان ضابطا أمنيا كبيرا في السرايا الحمراء أيام دولتنا الليبية الأولى (1711-1835)، وكان له بيت في المدينة القديمة – كما أوضحت أعلاه – وبيت في المنشية كان يؤجره لقنصل نابولي. غير أنه من المؤسف أن هذه مجرد رواية شفهية يتناقلها الأجداد والجدات، وكانت بداية بحثي عن حقيقة هذه الرواية وأنا في الـ12 من عمري بدايتي الحقيقية في الاهتمام بتاريخ طرابلس والكتابة عنه، والنتيجة أنني عرفت الكثير من أسرار هذه المدينة، وتحصلت على الكثير من وثائقها، وبقيت وثائق جدي تمتنع عن كشف نفسها حتى الآن للأسف! لكن كثيرا ما سمعت من حكايات نقلا عن الأجداد لم توثقها المصادر التاريخية، وفي هذه أفتح قوسين لأقول: من المؤسف أن كتاب التاريخ الليبي من الليبيين كانوا قلة شديدة في الماضي، وأكثر كتب التاريخ الليبي، خصوصا دراساتنا الأثرية، قد كتبها رحالة أو جواسيس أو مؤرخون أجانب!

يمزج الكتاب بين التاريخ وعلم الآثار.. أيهما بالنسبة لك قادك إلى الآخر؟
التاريخ طبعا، فهو في الأصل سرديات شفوية تتحول عند الأكاديمي إلى علم يعتمد على مناهج التحقيق العلمي لأي نص أو وثيقة أو أثر. لست أثريا، وربما أنا أقرب إلى أدب الرحلات والسياحة بحكم حصولي على رخصة إرشاد سياحي -فئة أولى- من وزارة السياحة منذ منتصف تسعينات القرن الماضي، وأقولها دائما: أنا لست أثريا، لأن هذا علم محترم قائم بذاته، يختص بدراسة مادة وعناصر الأثر وتصميمه. أما عن تخصصي فلا يمكنه أن استغنى عنه! أقصد تخصصي العلمي الأصلي، وهو الهندسة النووية، فاليوم كل الأرقام المليونية التي نقرأها كأعمار الأحافير القديمة في المتاحف لم نكن لنصل إليها لولا التقنية النووية في تأريخها، وقد كنت أخطط لجعل رسالتي للماجستير في هذا الموضوع. غير أن شروط الحصول على منحة دراسية من الدولة لم تتطابق معي، وحينما حاولت دراستها على حسابي في أكاديمية الدراسات العليا، فوجئت بجهل الأكاديميين الكبير بدور الأشعة في الآثار، حتى أن بعضهم رفض طلبي لمجرد تصوره أنني أكذب عليه!

 الكثير من المدن ربما تحوي منجما انثروبولوجيا كبيرا.. ما السبيل لإنقاذ هذه المناجم؟
بِنشر المزيد من الوعي بهذه الحقيقة، ومقاومة خطاب المتسلقين على الدين والمناصب العليا، فهؤلاء ينهكون ميزانيات الثقافة والبحث العلمي والسياحي بشكل مؤلم في إثرائهم الشخصي بكل أسف، ولا يمكن لمثل هذا المنجم الذي تفضلت به من وسيلة لإنقاذه حاليا إلا عبر البحاث الوطنيين المخلصين، وتطوعهم من أجل الوصول إلى هذه الحقائق أولا، ومن ثم نشرها يوميا، لتصل إلى أكبر عدد ممكن من المواطنات والمواطنين. شخصيا لا أمل لي في الأجيال الحالية، وأعول على الأطفال، فربما من حسن حظهم أنهم بخلافنا ولدوا في زمن تتوافر فيه المعلومة بشكل أوسع وأسرع وأكبر، ولم تعد تعيقهم تابوهات الفكر التي واجهت أجيالنا.

هل هناك دراسات سابقة لهذا الكتاب عن المنشية استندت عليها لتثبيت وتدقيق المعلومات؟
لا، خصوصا دراسة المنطقة ككيان محدد ومستقل، والتنقيب في أصل اسمها ومعناه. قد تجد بعض الدراسات أو المقالات التي تتحدث عن بعضها، لكنني جمعت في هذا الجزء الأول بالذات الآثار التي كنت أول من كشف عن أثريتها في مقالات سابقة لي في مطبوعات مختلفة، ربما كانت بدايتها الفعلية سلسلة «عمود أثري» الأربعائية التي كتبتها طوال سنتين في جريدة «الشمس»، التي كانت تصدرها مؤسسة الصحافة في أول هذا القرن. وبطبيعة الحال، كان سندي دائما حينما أتناول الآثار الليبية مواد قانون الآثار الليبي، خصوصا مادته الأولى التي تضع تعريفا محددا دقيقا للأثر الليبي وأنواعه، فلا أخرج عن تفاصيل هذه المادة في كل كتاباتي بالخصوص.

● ما زالت الفرق البحثية الأجنبية هي من تقوم بعملية التنقيب والكشف عن الآثار. لماذا أخفقنا في تكوين كوادر ليبية تحل مكان الفرق البحثية الأوروبية؟
في الواقع لدينا كوادر ليبية جيدة في التنقيب عن الآثار، لكن مأساتنا هي أن تركيبتنا الفكرية الجمعية لا تعطي أهمية كبيرة للآثار مقارنة بأهمية التجارة والإثراء السريع السهل على سبيل المثال، وبكل أسف أقولها: نحن مجتمع رعوي بدوي بسيط في أغلبه، ما كانت الثقافة والآثار من اهتماماته الأولى بقدر اهتمامه بالتجارة والقرصنة وقطع الطريق بكل أسف طوال سنوات الماضي، حتى أنك تجد موظفي مصلحة الآثار ينشغلون،كباقي موظفي الدولة على أي حال، بالراتب، ومتى ينزل، وما هي زياداته المرتقبة، وتوقيع الحضور والانصراف أكثر بكثير من اهتمامهم بالتنقيب، حتى من يقوم بذلك تجدهم قلة يقومون به طواعية من باب إشباع الفضول.

إن حجة الإمكانات التي يرددها الكثير منهم هي حجة ضعيفة في تقديري، خصوصا مع ما يتوافر اليوم من وسائل حاسوبية، وتواصل شبه مجاني مع الخبرات الدولية، يمكن أن يذلل الكثير من مزاعم نقص الإمكانات. إن ما ينقصنا هو قرار وطني بأن الآثار هي مصدر دخلنا الأول بعد نضوب النفط، لكن ما دامت هذه الحقيقة غائبة عن غالبية كبار مسؤولينا لن يكون حتى للوظيفة في مصلحة الآثار أي قيمة إلا لاقتناص فرص التسوق في الخارج عبر حجج المهام، والمشاركة في المؤتمرات، والادعاء بأنهم حريصون على إعادة آثارنا المنهوبة في الخارج!! يا أخي انشغل بحماية الآثار المدمرة والمهملة في الداخل وما أكثرها!! المشكلة هي عقلية جمعية تستسهل إزالة المبنى القديم ما دام أنه ليس رومانيا، وأن سوقا جديدة أفضل من بيت قديم. إنني هنا أستحضر موقفا مضحكا مبكيا، نبهني إليه أحد السواح الأجانب في إحدى مدننا الليبية، ولا داعي لذكرها، لأنني لا أخصها بالنقد، وإنما طريقة التفكير البالية هذه، فقد سألني عن المكتوب في الشاهد الرخامي الكبير فوق مدخل جامع جديد ماذا يقول، فقرأت له إن المكتوب هو «الجامع العتيق» (مش حتى قديم!!)، فانصدم وقال لي: «ولكنني أرى عمال بنائه يقومون بالتشطيبات عليه وطرازه ليس عتيقا بالمرة!!»، فانظر إلى العقلية هنا! يفخرون بإزالة أثر ديني عتيق، ويبنون بدلا منه آخر جديدا، متصورين أنهم قدموا خدمة حداثية له! مع أنه كان بإمكانهم بناء الجديد كإضافة إلى القديم في الخلاء الكبير الذي نراه يحيط به!

غلاف كتاب «من آثار منشية طرابلس المنسية» للكاتب عبدالحكيم الطويل. (بوابة الوسط)
غلاف كتاب «من آثار منشية طرابلس المنسية» للكاتب عبدالحكيم الطويل. (بوابة الوسط)
بقايا بنيان أثري في طرابلس. (بوابة الوسط)
بقايا بنيان أثري في طرابلس. (بوابة الوسط)

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
«أفضل قراءة كتاب»: كوينتن تارانتينو ينتقد هوليوود المعاصرة بلا مجاملة
«أفضل قراءة كتاب»: كوينتن تارانتينو ينتقد هوليوود المعاصرة بلا ...
إعلان المتحف الوطني الليبي يحصد ثلاث جوائز دولية في «MUSE Creative Awards»
إعلان المتحف الوطني الليبي يحصد ثلاث جوائز دولية في «MUSE ...
قراءات في كتاب «همس الأماكن» تقتفي لغة الصورة
قراءات في كتاب «همس الأماكن» تقتفي لغة الصورة
مقتل الممثل الأميركي جيمس هاندي طعناً على يد نجل شريكته
مقتل الممثل الأميركي جيمس هاندي طعناً على يد نجل شريكته
بريطانية تفوز بجائزة «التصوير الفوتوغرافي للطعام» لعام 2026
بريطانية تفوز بجائزة «التصوير الفوتوغرافي للطعام» لعام 2026
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم