يقدم الكاريكاتير كفن ساخر وجبة بصرية عالية الكثافة، قد تختزل مضامين عدة في عمل واحد، وهي في قوتها نافذة ومؤثرة وشارحة إلى حد كبير، وهو كلوحة تشكيلية حبلى بعناصر التورية تمثل عملاً تعبيرياً كنص مستكف بذاته، ويظهر في الجرائد والمجلات كداعم للكتابة ضمن استطلاع أو متابعة أو مقال يقارب بنية الأفكار ويعزز وضوحها في مخيلة المتلقي.
الكعبازي وضربة البداية
في كتابه (تاريخ الرسم الساخر في ليبيا) الصادر في العام 1981 عن الدار العربية للكتاب يبحر الكاتب علي محمد الأصفر عبر 175 صفحة مقتفياً سردية الخط الكاريكاتيري في ليبيا منذ أربعينيات القرن الماضي حتى وقت صدور الكتاب، ويوضح الأصفر أنه مع تواجد إشارات لهذا الفن في بدايات القرن الماضي عبر جريدة أبوقشة الساخرة لمالكها الصحفي التونسي محمد الهاشمي إلا أنه يوثق الظهور الرسمي للفن الساخر بليبيا سنة 1946 مع إصدار العدد الأول لمجلة «المرآة» لصاحبها الدكتور مصفى العجيلي ورئيس تحريرها الفنان والباحث فؤاد الكعبازي، حيث تولى الأخير وضع بصمته الكاريكاتيرية وممثلا لمرحتله الأولى على صفحات المطبوعة ببورتريهات ضاحكة لأصدقائه ولشخصيات لها حضور اجتماعي وثقافي وكانت اختيارات ضربة البداية لريشة الكعبازي لشخصية مالك المجلة الصحفي مصفى العجيلي، ثم توالت الرسومات تباعاً وهكذا.
بريشته دون الكعبازي إضافة للبورتريهات الساخرة كما ذكر الأصفر مجموعة من الأعمال ذات طابع تعبيري تسجل موقفه من بعض القضايا مثل انتقاده لسلوك متصرف مدينة الزاوية الإنجليزي ديانكو الذي كان مشهوراً بغلظته وجبروته فرسمه والزاوية تحت إبطه.
يعتمد أسلوب الكعبازي على الخطوط المفرغة جداً لدرجة أنه يمكنه رسم شخصية متكاملة بخطوط متواضعة وقليلة كما هو الحال مع شخصية السيد علي حيدر الساعاتي وإبراهيم بن شعبان وغيرهما، واللافت أن الكعبازي بحسب ما أورده الأصفر لم يتطرق إلى البعد الاجتماعي إلا على نحو خفيف بسبب الطابع الاجتماعي العام آنذاك الذي يرفض السخرية من ممارسة الناس لحياتها بعفوية.
يذكر أن الكعبازي إضافة لكونه رساماً فهو ناشط ثقافي بامتياز وله محاضرات في مجال التاريخ والأدب والفن والترجمة، كما أنتج أجمل الطوابع البريدية، وانتخب العام 1953 في أكاديمية البحر الأبيض المتوسط وهو أقدم عضو عربي بها، وتقلد مناصب عدة منها ناظر الأشغال العامة 1945 ووكيل لوزارة المواصلات ووزير للشؤون الفنية 1960 ثم وزير لشؤون النفط، عدا إسهاماته في مجال العمل الأهلي.
شرف الدين وشقليلة
يتجه المؤلف إلى المرحلة الثانية من رحلة الفن الساخر بداية من الفنان والممثل والمسرحي محمد شرف الدين المولود العام 1929 الذي تعددت مجالات اهتمامه هو الآخر وبعد سلسلة محطات هنا وهناك التحق بالفرقة القومية للتمثيل وفي هذه الفترة وجد منعرجاً آخر؛ حيث رأى في نفسه القدرة على نشر أعماله الساخرة بعد رحلة طويلة من التجارب والمحاولات والتشبع من المطبوعات القاهرية (جرائد ومجلات) مثل المصور والاثنين وغيرهما من المطبوعات التي يمثل الرسم الساخر جانباً مهماً في بنائها الصحفي.
كان لرسومات الكعبازي الأثر في تنمية موهبة شرف الدين ونشر أول عمل له بجريدة الحرية 1951 وانتقد في أحد رسوماته النظام الفيدرالي والرفض الشعبي له، وفي جريدة البلاغ سخر من البرلمان والأفكار التي تسيره وعالج كذلك مسألة تزوير الانتخابات، أيضاً تعرض لقضية الجزائر حيث قدم الرئيس ديجول في رسم ساخر يرأس وفد دولته أمام ممثل الجبهة الجزائرية؛ حيث رجى ديجول من مفاوضه إغلاق المصباح الذي يمثل وهج الثورة ليجري التفاوض.
- للاطلاع على العدد «505» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
ينتقل الأصفر للحديث عن الفنان أمين شقليلة، ويذكر أن العام 1959 شهد منعطفاً في تاريخ فن الكاريكاتر؛ حيث أعلنت جريدة (الليبي) في عددها الصادر بتاريخ 5-7 انضمام فنان ضمن كادرها متخصص في الرسم الساخر، كما تعتبر بحسب وصف المؤلف أنها المطبوعة الثانية بعد «المرآة» يمثل الكاريكاتير فيها جزءا من مادتها الصحفية.
تناول شقليلة قضايا عدة محلية ودولية منها انتقاده لأعمال هيئة المصالح المشتركة (النقطة الرابعة)، كذلك انتقاده لسياسة العم سام الذي صوره على هيئة فنان عملاق ما أن ينتهي من استنزاف خيرات شعب حتى يتحول إلى غيره، ولا ينسى تناوله لمأساة إلقاء القنبلة الذرية على ناجازاكي وهيروشيما.
رصد الكتاب أيضا تجربة الفنان عبدالحميد الجليدي الذي تعكس أعماله تأثره بالأحداث الإقليمية والعالمية التي أثرت في المواطن العربي، والمميز أن سنة 1959 شهدت إقامة أول معرض فني ساخر للفنان الجليدي بنادي الشباب العربي بطرابلس شمل أربعين لوحة ساخرة حول أضرار القنبلة الذرية.
الزواوي ونضج المراحل
ويدخل الأصفر إلى المرحلة الثالثة بتناوله لتجربة الفنان محمد الزواوي؛ إذ يعتبرها المؤلف من أنضج المراحل حيث بلغ فيها الفن الساخر مستويات متقدمة من النضج بداية من سنة 1964، ويعتبر الزواوي رائد اللون النقدي في هذا المجال فقد استطاع أن يرصد على مدى أكثر من عقد جل جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وذلك بفضل خطوطه القوية وطريقة طرحه للقضايا وأسلوبه. وقد ناقشت أعماله مشاكل غلاء المهور والسكن والثراء السريع والاستغلال الإداري وغيرها.
الفنان صالح بن دردف فنان آخر توقف عند تجربته صاحب الكتاب مبينا محطاته العديدة حتى اشتغاله بجريدة الأسبوع الثقافي معلقا: أنه استطاع أن يكون لنفسه طابعاً يميزه عن معاصريه، بتركيزه الكامل على العنصر الأساسي في الشكل وترك مساحة خالية على رقعة اللوحة، وهو أول من عالج قضية السفور والحجاب بمجلة ليبيا الحديثة. وتتواصل مع تجربة بن دردف رحلة الفنان محمد عبية المولود 1944 الذي عالج برسوماته عيوب الفن والفنانين وصعوبة المواصلات، والسمسرة والنفاق، وما يسود المجتمع من مفاهيم خاطئة.
أيضاً تناول الكتاب أعمال الرسامين (محمد الشريف ومحمد قريفة ومحمد نجيب والتيجاني أحمد وأحمد أبوفيلة)، وبذلك تنتهي المرحلة الثالثة، لتأتي مرحلة ما بعد الثالثة ممثلة في الفنان عياد هاشم ومحمود النطاح وعوض القماطي وخيري الشريف وعبدالقادر السبعي وجمال الترهوني. وتضمنت إشارات المؤلف عن هؤلاء الرسامين تمتعهم بالموهبة والقدرة على إنجاز أعمال مهمة شرط الاستمرارية.
تعليقات