في المشهد الفني الليبي نلاحظ تحولات بطيئة ولكن ملهمة، تبرز تجارب شابة تسعى إلى إعادة تعريف الفن كجزء أساسي من الحياة، لا ترفًا أو ترفيهًا، بل لغة كاملة تعبر عن الوجدان.
من بين هذه التجارب، تبرز المصممة والفنانة فاطمة عبدالله الواعر، خريجة كلية الفنون والإعلام - قسم التصميم الإعلاني بجامعة طرابلس، دفعة 2022، التي تنحدر من مدينة طرابلس وتحمل في روحها شغفًا عميقًا بالجمال، حتى في تفاصيله الأكثر خفاءً.
الفن.. شغف التفاصيل ومرآة الذات
تصف فاطمة نفسها بأنها مصممة غرافيك مهتمة بالفنون البصرية عمومًا، والتصميم تحديدًا، حيث تحرص في أعمالها على خلق توازن مدروس بين الجمالية والوظيفية. تقول إنها مأخوذة بالتفاصيل الصغيرة إلى حد الهوس، وهو ما جعل الفن أكثر من مجرد مهنة بالنسبة لها، بل أسلوب حياة وأداة لفهم الذات والتواصل مع العالم من حولها.
تضيف «الفن بالنسبة لي هو القدرة على رؤية الجمال حتى في القبح، هو طريقة لتحويل الأحاسيس إلى ألوان، وتثبيت اللحظة على سطح اللوحة»، وتُقر بأن الرسم، الرقمي واليدوي، شكّل ملاذها في أوقات كثيرة، كما ساعدها في التعبير عن مشاعرها حين تعجز اللغة عن ذلك.
بدايات مرتبكة وانبعاث من الرماد
رغم ميولها الفنية المبكرة ودعم والدها لهذا الشغف في الطفولة، إلا أن فاطمة خاضت مسارات أخرى قبل أن تعود إلى دربها الحقيقي، فقد درست سنة في كلية الطب قبل أن تنتقل إلى كلية الفنون، لتكتشف لاحقًا أن الفن هو المكان الذي تنتمي إليه.
في سنتها الجامعية الأولى، لم تكن علاقتها بالفرشاة سهلة، بل مليئة بالإحباط ومحاولات الفهم والتجريب. لكنها تجاوزت هذه المرحلة، وحققت نقطة تحوّل في منتصف سنتها الثانية حين أنجزت أول لوحة فنية لها وشاركت بها في المعرض السنوي للكلية سنة 2017، واصفة هذه الخطوة بأنها «بداية جميلة».
منذ ذلك الحين، واصلت فاطمة تطوير مهاراتها عبر الممارسة والتغذية البصرية، حتى باتت تفهم علاقة الألوان وتخلق أسلوبها الخاص، الذي تصفه بأنه أقرب للمدرسة التشكيلية التعبيرية، حيث تنطلق في العمل الفني دون قوالب صارمة، مكتفية بإحساس اللحظة وصدق التجربة.
أحلام ومشاريع تنتظر الضوء
رغم مشاركاتها المحدودة في المعارض، إلا أن فاطمة تطمح لتجارب أكثر نضجًا وتنوعًا في المستقبل، تحلم بإقامة معرضها الفني الخاص، واحتراف عزف الكمان، وتطوير مشروعها الشخصي «هرمونيا»، الذي تسعى من خلاله إلى دمج الفن البصري مع التعبير الموسيقي والكتابة.
كما تسعى إلى العودة إلى عالم الكتابة بقوة، وتعمل على جمع نصوص وأشعار والدها الراحل في كتاب تكريمي يحمل ذاكرته. وترى أن هذا الحلم بالنسبة لها ليس مجرد رغبة شخصية، بل رسالة وفاء لعلاقة فنية وإنسانية ممتدة.
رؤية نقدية للمشهد الليبي
وعن المشهد الفني في ليبيا، ترى فاطمة أن ثمة مواهب واعدة ومعارض جادة تُقام سنويًا، إلا أن التحديات لا تزال حاضرة، خصوصًا ما يتعلق بصورة الفن في الوعي الجمعي، حيث ما زال يُنظر إليه كترف أو شيء بلا جدوى.
مع ذلك، تُبدي تفاؤلًا نسبيًا «الوعي يتطور، خصوصًا لدى الشباب، وهناك انفتاح على أدوات التعبير الحديثة والمنصات الرقمية، وما ينقصنا فعلًا هو فرص أكثر ومساحات آمنة وحرة للتجربة والتعبير».
فاطمة الواعر تمثل جيلًا جديدًا من الفنانين الليبيين الذين لا يكتفون بخلق الجمال، بل يسعون لجعله أداة فاعلة للتغيير، داخليًا ومجتمعيًا. في كل تفصيلة من أعمالها، تسكن الدهشة، وفي كل حلم تؤجله، تنبت تجربة جديدة.
تعليقات