ازدهر الشعر في القرن العشرين ازدهاراً واسعاً فشهد أبرز ثوراته في التجديد، وعبر منابره الصحفية الرائجة آنذاك في القاهرة وبيروت وبغداد ودمشق، ظهر شعراء الريادة والحداثة، ليكونوا جيوش اللغة أكثر من كُتّاب القصة والرواية الذين كانت لهم الندوة الخجولة في أروقة النقد، فيما كان للشعر مهرجان الصوت الصادح واللقاء الماتع في عديد العواصم. لكن مع بدايات الألفية الثالثة مات الشعراء الكِبار، وما عادت مهرجانات الشعر تضيء كما عادتها بالأسماء اللامعة التي سطعت عقوداً بين منابر الشعر، ما عاد السيّاب ولا الجواهري ولا البيّاتي ولا الحيدري ولا البردوني ولا أبي شقرا ولا الأخطل ولا مظفّر ولا حاوي ولا الماغوط ولا عبد الصبور ولا دنقل ولا عفيفي ولا نزار ولا درويش ولا عدوان ولا القاسم ولا شمس الدين، وسواهم في بلاد المشرق والمغرب. ولتظهر الرواية من مخبئها القديم تحت أكوام الشعر، وكأنها «ديوان العرب» الجديد، تتشكّل من حكايات الشعر وتراثه العريق، ومن انفتاحاته وثوراته على الطواطم التقليدية، فصار الشعر نثراً، والرواية سرداً، بل وصارت الكتابة/ التعبير نصّاً مفتوحاً.. وبتمظهرات الحداثة الأوروبية، وما بعد الحداثة، فقدنا الكثير من شعرية القصيدة والكثير من خاصّية الرواية.. وإذا كان الشعر قد خسر جمهوره في مهرجاناته العلنية في زمن الثقافة، فإن الرواية ظلّت بلا جمهور في مهرجانات الجوائز المُغلقة على إداراتها ولجانها في زمن النخاسة وهي تبيع وتشتري ما يناسب مالكيها في رهانات العناوين المدجّنة على الرقعة الربحية المستوحاة من رزايا الواقع الثقافي المتردّي في بنيانه بعد هجمة السرد على النثر، وفقدان قيمة الفكر والأدب وجماليات الإبداع خلف التسلية بالثقافة على حساب التراث!
في مقاربة نقدية للحالة الثقافية العربية السائدة مع الجوائز الأدبية، يقول الكاتب العراقي علاء المفرجي مستعيناً بآراء عددٍ من الروائيين العراقيين في بلد كان يهيمن فيه الشعر على مشهده الثقافي لعقود: «مع شيوع كتابة الرواية، وتصدُّرها مشهد الاشتغال الأدبي في العراق، منذ عقدين من الزمن، درجة أزاحت فيها الشعر من عرشه في بلد عرف بهيمنة الشعر في مشهده الثقافي طوال القرن العشرين». ويتساءل «المفرجي» هل ساهمت الجوائز المكرّسة للرواية في نمو هذا الاتجاه، أم أنه نتيجة موضوعية للتغيُّرات الاجتماعية والأدبية التي عرفتها البلدان العربية، ومنها العراق؟ ثم، هل أثّرت الجوائز الأدبية على القيمة الفنية والفكرية للأثر الروائي؟ بمعنى، هل يكتب الروائي بحرية كاملة أم بمواصفات تتناسب مع معايير معينة تتناسب مع معايير الجائزة، أي جائزة؟.. وهنا تجيب الروائية لطفية الدليمي بالقول: لا طهرانية مطلقة، فكلّما جرى تناول موضوع الجوائز الروائية العربية، والإشكاليات المرتبطة بها، أميل من جانبي إلى تغليب حسن الظن والمروءة، لكن حسن الظن والمروءة المُفتَرضة في أعضاء لجان التحكيم لا يمنعان من تأشير بعض المواضعات التي قد ترقى لمستوى البديهيات.. أولاً؛ للمال سطوة على الأفراد -روائيين ومحكِّمين- وليس من الحِكمة افتراض الطهرانية المُطلقة فيهم، ولنا في إشكالية نوبل للأدب مثالٌ صارخٌ في هذا الشأن. ثانياً: الجوائز الأدبية تُعدُّ ذراعاً إضافياً يعمل على تدعيم الرؤى الجيو-سياسية لكل دولة داعمة لهذه الجوائز، حتى لو تسربلت هذه الرؤية في شكل قوة ثقافية ناعمة. لو وضعنا في حسابنا هاتين المواضعتين نقطة شروع، سيسهل علينا كثيراً تفكيك ظاهرة الجوائز الروائية العربية.. لم تساهم هذه الجوائز -كما أرى- في تدعيم الوعي الروائي العربي، بل أشاعت نوعاً من الكتابة الروائية السريعة، حتى بات المشهد الروائي العربي مصداقاً واقعياً للحقيقة القائلة إن الأعمال الجيِّدة أكلتها الأعمال الرديئة في زحمة التنافس والمغالبة.
- اقرأ الحلقات السابقة من سلسلة «أدب الجوائز»
من جانبه يعزِّز الروائي عبد الخالق الركابي هذا الأمر بقوله إن الجهة التي تقيم النصوص الجديرة بالفوز تكون عادة محايدة موضوعية مستقلة عن أي تأثير جانبي خارج السياق الإبداعي. هذا على المستوى العالمي، فكيف هو الأمر مع الجوائز العربية التي يكون المبدعون العرب أحوج من غيرهم إليها بسبب أمور معروفة لا مسوغ لذكرها؟ هذا الجانب بات موضع شك لدى كثيرين عقب انكشاف فضائح كثيرة رافقت منح تلك الجوائز، وهي فضائح يبقى المحكمون بتلك الجوائز أجدر مني على كشفها. وهناك جانب سلبي ظهر خلال الأعوام الأخيرة، تمثل بتهافت كثير من الأدباء -لا سيما الشباب منهم- على تلك الجوائز، بعد «تدبيج» نصوص مفتعلة يغازلون بها النهج الذي يتوهمون أن المشرفين على تلك الجوائز ينتهجونها حتى بتنا نقرأ روايات تذكرنا بالنصوص «الاستشراقية» التي سبق لإدوارد سعيد أن كشفها في كتابه الرائد.
ويستعرض الكاتب علاء المفرجي آراء بعض الروائيين العراقين من مختلف الأجيال، فعن القيمة الاعتبارية للجوائز الأدبية يقول الروائي وارد بدر السالم: لا يكفي المال العربي وحده لصناعة جوائز أدبية في الرواية أو غيرها من الأجناس الأدبية. فإن كان المال وسيلة اعتبارية استحقاقية، فإن تكريس الثقافة الروائية ليس بالضرورة أن يكون عبر المال. ففي أحيانٍ كثيرة لا تكرس الجوائز الثقافة الروائية، بل ربما تشيع الفوضى الروائية، وتفتح السبل المتواطئة لتغليف الجانب الفني والجمالي بالمناطقية والحساسيات السياسية والطائفية التي تكون كالحاجز بين الإبداع المُجرّد والإبداع الخاضع لـ«شروط» الجوائز السرية.
ومَن يعول على الجوائز الأدبية العربية فثمة نقص في بياناته الأدبية. ويحتاج إلى «حشو» من هذا النوع الذي أفرزته كثير من الجوائز العربية حتى الآن. وسلفاً، يمكن الاعتراف الاضطراري بأن مثل هذه الجوائز ذات قيمة اعتبارية أكثر من قيمتها المادية. ولدينا جوائز كثيرة في هذا المجال، لكن ليس من العدل أن نصفها بالتحيُّز للمناطقية والسياسية وغيرها من الاتهامات الواردة المُمكنة.
أمّا الروائي جهاد مجيد فيصف الخروج عن التقاليد بقوله: «من الغريب أن يقول المرء بسلبية الجوائز الأدبية أو أي جوائز، فهي لا شك من المفترض أن تشكِّل حافزاً للإبداع، وتشجيعاً مهمّاً لتحسينه وثرائه»، ولكن ما شاب إجراءات لجان هذه الجوائز أو الترشيح لها أحال الأمر إلى معكوسه. فعلى الصعيد الأول، بعض أعضاء لجان التحكيم لا يملكون الأهلية لكي يكونوا فيها ويخرجون على القواعد والأعراف في منح الجوائز، مّا دعا الروائية إنعام كجه جي لوصف حفل توزيع إحدى الجوائز بـ«عرس واوية»، فعزّز ذلك الريبة وعدم الاطمئنان لنتائج لجانها.
الجوائز ليست تكريسا للثقافة الروائية
وعن غياب المعايير الواضحة لهذه الجوائز يقول الروائي محسن الرملي: لا أعتقد أن الجوائز هي تكريس للثقافة الروائية لأن الفن الروائي مكرَّس أصلاً، وهو فن هذا العصر بامتياز، سواء أكانت الجوائز الخاصة به موجودة أو لم تكن، وهنا ربما تكون الجوائز هي التي تسعى لتكريس نفسها استناداً إلى سيادة الفن الروائي اليوم. أما عن المقاصد من كل جائزة، بشكل عام، فالمعلَن منها هو الدعم وتسليط الضوء، والمضمر لا نعرفه كله، لكن أبسطه هو الدعاية لراعي الجائزة بشكل ما. وهذا من حقه، ما دام أنه، مقابل ذلك، يقوم بمزيد من الدعاية للرواية. وهنا، تجدر الإشارة إلى أننا لا نجد جوائز بشهرة وأهمية جوائز الرواية تخص ميادين معرفية وثقافية أخرى، كجوائز تخصُّ علم النفس وعلم الاجتماع وعلم اللغة والجغرافية والتاريخ وكُتب السيرة والموسيقى وغيرها، ممّا يدل على أن أغلب الجوائز لا تهدف إلى الدعم الخالص لوجه المعرفة والثقافة. وبالنسبة للشروط، فمن حق صاحب أي جائزة أن يضع الشروط التي يريدها، ومن حق أي كاتب أن يستجيب أو لا يستجيب، يشارك أو لا يشارك فيها. أما عن التحكيم في الجوائز، فهو نسبي، وليس معياراً للقيم الفنية والفكرية، ومن المؤسف أن أغلبها ليس لديه معايير واضحة أو ثابتة أصلاً، ويعتمد في تبريراته على ذائقة المحكِّمين وميولهم.
وعن أهواء لجان التحكيم يقول الروائي شاكر الأنباري: الجوائز الأدبية عُرف سائد في معظم دول العالم المتحضِّرة، وقد أسّست له أكاديميات رفيعة ومؤسّسات مُعترف بجدارتها في هذا الجانب. والهدف منها تشجيع المواهب الإبداعية، أو مكافأة البارعين المجددين في ابتداع أساليب أصيلة. ولعل جائزة نوبل خير مثال على ذلك، فهي لم تمنح جائزتها إلّا لمن يستحقونها، رغم الاستثناءات القليلة الحاصلة نتيجة ظروف معيّنة. وفي عالمنا العربي، شجعت الجوائز الروائية جيلاً هائلاً من الكتّاب على طموح الفوز، وما يجلبه للكاتب من مكافأة مادية، وسمعة أدبية، وقراء إضافيين. عدا عن إمكانية الترجمة للغات أخرى. فوجود عمل روائي في الواجهة، عبر نيل الجائزة، يسلِّط عليه الضوء، ويفتح أمامه طريق الترجمة إلى ثقافات مغايرة. ومثلما تقع مجمل نشاطاتنا الاجتماعية تحت تأثير العامل السياسي، والتجاذبات المناطقية والمذهبية والجهوية، فالجوائز الأدبية، ومنها الروائية، لم تنج من تلك التجاذبات. وخضعت في بعض الأحيان إلى أهواء اللجان التي تبت في مصير الفائزين، وذائقتهم الجمالية، وحساباتهم الفكرية. فيتباين مستوى الروايات الفائزة بـ«البوكر العربية» على سبيل المثال، بجودتها وأساليبها، وهي إشكالية معروف سببها ربما.
تزداد أعداد الجوائز الأدبية بأعداد المكتبات ودور النشر، غير أنها لن تصمد طويلاً في تعيير جودة الكِتاب، وسيبقى العمل الأدبي الجيّد هو مقصد القارئ والناقد معاً، وبه تحتفي المنتديات الثقافية بالمُنجز الأدبي الجادّ، بعيداً عن رقعة رهانات الجوائز المملوكة لأصحابها برأس المال المشبوه، فلا قيمة إبداعية لأدب تصنعه لجان تحكيم الجوائز، فيبقى رخيصاً ويموتُ عارياً منبوذاً في عالمٍ معرفي يمتلكه تحكيم القارئ دون سواه.
سالم الهنداوي
تعليقات