Atwasat

أدب الجوائز! (13)

القاهرة - بوابة الوسط الخميس 17 أكتوبر 2024, 05:20 مساء

يذهب الكثير من الكُتّاب والنقّاد والمتابعين في أنحاء العالم إلى اعتبار أن السياسة غالباً ما تختبئ خلف جوائز «نوبل» الأدبية، وربّما كان أمر «السلام» هو القاسم المُشترك ببن الجائزتين الكبيرتين، السياسية والأدبية. وقد يكون ذلك هدفاً أساسياً تأسّست عليه الجائزة بضمير وصية العالم الكيماوي السويدي «ألفرد نوبل»، مكتشف الديناميت ومخترع القنابل، وبجائزته الثمينة يرى أنه يتبرأ من جريمته بنزع فتائل الحروب في العالم من أجل السلام الذي يبدو لن يتحقّق وإن نالت أنظمة العالم كل جوائزه، تحقيقاً لغاية الأمن والسلام والعدل الإنساني!

BCD Ad BCD Ad

يقول الكاتب والناقد المصري الدكتور «حسين حمودة» في مقارنته النقدية لقيمة الجوائز الأدبية بمعاييرها الفنية القائمة على العدل: «ليست هناك جائزة أدبية عالمية يرضى عنها الجميع كل الرضا، ويتّفق حولها الجميع كل الاتفاق، وتلقى من الجميع كل القبول. وأسباب عدم الرضا، أو عدم الاتفاق والقبول، أسباب كثيرة ومتنوِّعة، وقد تكون متباينة من هذه الجائزة إلى تلك. من هذه الأسباب ما يرتبط بحسابات «القوى الثقافية»، أو «القوى اللغوية» ـ إذا صحّ هذان التعبيران ـ إذ تفرض الثقافات المهيمنة، واللغات الأكثر انتشاراً، نوعاً من السطوة الظاهرة أو المستترة على اختيارات الأعمال الأدبية المنتمية إلى هذه الثقافة أو تلك، أو المكتوبة بهذه اللغة أو تلك. ومن هذه الأسباب ما يتعلق بالتوزيع الجغرافي، إذ يرى بعض القائمين على بعض الجوائز، أو بعض المشاركين في تحكيمها، أن هناك «عدالة جغرافية» ما يجب مراعاتها في توزيع الأعمال الأدبية الفائزة على مناطق جغرافية بعينها، أو على بلدان بعينها».

وقد يتّصل بهذا قدر من «الإجحاف» في تصوُّر تلك العدالة الجغرافية المبتغاة حينما يكون هناك تصوُّر مسبق حول أهمية بلدان دون أخرى، فتوضع حسابات أشبه بـ«موازين قوى» حول توزيع الجوائز على المناطق والبلدان، أو حينما تكمن وراء هذه الحسابات أفكار ترتبط بتصوُّر العلاقة بين «مركز» ما من جهة، و«أطراف» أو «هوامش» ما من جهة أخرى، وبالطبع ـفي هذه الحالة- قد تحابي الجوائز ما تعتبره «مركزاً» على ما تحتسبه «أطرافاً» لهذا المركز. ومن هذه الأسباب ما يتّصل بـ«تسييس» بعض الجوائز، أو إخضاعها لتوجهات سياسية بعينها.

وإلى جانب هذه الأسباب جميعاً هناك طبعاً سبب يتصل بالمعايير نفسها التي يتمُّ على أساسها اختيار هذا العمل الأدبي أو ذاك، أو صاحب هذه الأعمال الأدبية أو ذاك، فالأعمال الأدبية، فيما هو مُفترض، تقوم على أبعاد جمالية واستكشافات إبداعية، ويُفترض في كل عمل أدبي حقيقي أنه يقدِّم إضافة ما، جمالية أو إبداعية، للنوع الأدبي نفسه، وهذه الأبعاد الجمالية والإبداعية تظل دائماً نسبية، ولا يمكن الوصول إلى اتفاق كامل ونهائي حولها، فالأعمال الأدبية موصولة بالجمال الذي يصعب أو يستحيل أحياناً الاتفاق على طبيعته وحدوده، لذلك قد يختلف الكثيرون حول العمل الأدبي وقيمته، أو على الأقل قد تتعدّد أو تتباين وجهات نظرهم فيما يقدِّمه هذا العمل من إضافة.

في هذا الجانب المهم من معيار المقارنة النقدية لقيمة الجائزة والعمل الأدبي الفائق، يضيف الدكتور «حمودة»: «لهذا كله، أثيرت (ولا تزال تثار، وربما سوف تظل تثار) أسئلة كثيرة، وأحياناً اعتراضات محدودة أو واسعة، عقب إعلان نتائج أغلب الجوائز الأدبية العالمية إلّا في حالات قليلة أو نادرة، يكون فيها العمل الأدبي أو المبدع الفائز متميِّزاً إلى حدّ يصعب تجاهله أو إنكاره». 

ويستطرد: «لنأخذ نموذجاً على هذا من بعض الجوائز العالمية، وهو جائزة «نوبل» التي يمكن أن تُعدّ «مثالاً» كبيراً وواضحاً على الانتقادات والمآخذ التي يمكن التفكير فيها عندما تُطرح قضية «عدالة» أو «عدم عدالة» الجوائز الأدبية العالمية».

وجوه من غياب العدالة
الإطلالة السريعة على نتائج جائزة نوبل، منذ إطلاقها عام 1901، تستطيع أن تلتقط مشاهد عدة تنطوي على وجوه متعدِّدة من غياب العدالة، فالجنسيات التي حصل أصحابها على هذه الجائزة (التي يُفترض أنها جائزة «عالمية» تتّجه إلى «الأدب الإنساني» كله) لا تشمل جنسيات كثيرة تنتج أدباً يستحق الاهتمام به والالتفات إليه. وعلى مستوى اللغات التي فازت أعمال مكتوبة بها بالجائزة، سنلاحظ خللاً آخر، فنصيب اللغة الإنجليزية هو النصيب الأكبر، تليها اللغة الفرنسية، ثم الألمانية والإسبانية والسويدية، بينما لم يتجاوز نصيب لغات، مثل البرتغالية والتشيكية والعربية والتركية،أكثر من 1 في المائة (ضمن هذا النصيب الأخير أعمال نجيب محفوظ، الفائز الوحيد صاحب نتاج مكتوب بالعربية)، وبالطبع، بجانب هذه النسبة المُجحفة، هناك لغات كثيرة جداً لم يحصل الأدب المكتوب بها على جائزة نوبل أبداً.

تبعاً لهذه الحقائق، يمكن القول إن جائزة نوبل ليست عادلة في توزيعها على جنسيات العالم، ولا على اللغات الحيّة التي كُتب بها الأدب في هذا العالم، ويمكن استنتاج أن هذه الجائزة تخضع لنوع من «المركزية» الجغرافية والثقافية واللغوية، وربما المركزية السياسية أيضاً (لكن بمعنى مختلف عن الادعاء بأنها جائزة منحازة للصهيونية).

حول هذا التباين في توزيع هذه الجائزة الأدبية الكبيرة، أثيرت انتقادات متعدِّدة. وأيّاً كانت درجة المصداقية في هذه الانتقادات، فمن المسلّم به أن هناك بعض تساؤلات يمكن أن تثار حول بعض الفائزين بهذه الجائزة دون استحقاق واضح أو إجماع كبير، وأن هناك كُتّاباً كباراً كانوا يستحقون الفوز بها ولم يحصلوا عليها، وأغلب هؤلاء، من غير الفائزين، ينتمون إلى قارتي آسيا وأفريقيا (من بينهم أدباء عرب كثيرون)، بل ينتمي بعض المستحقين لهذه الجائزة ولم يحصلوا عليها إلى قارة أوروبا نفسها، ومن هؤلاء الأخيرين أدباء، مثل نيكوس كازنتزاكيس، وجراهام جرين، وميلان كونديرا. 

يُضاف إلى هذه الانتقادات ما أثير حول التوجهات السياسية التي أسهمت، بهذا القدر من الوضوح أو ذاك، في منح هذه الجائزة، خلال بعض دوراتها، لكُتّاب منشقّين عن بعض الأنظمة الشمولية التي يرفضها الغرب، مثل ألكسندر سولجنتسين الروسي (معارض نفي من الاتحاد السوفيتي ورجع بعد انهياره)، وجاو كسينجيان (كاتب من أصل صيني ويكتب بالصينية، وحاصل على الجنسية الفرنسية).

في المحصّلة يعتبر «حمودة» جائزة نوبل، في النهاية، مثالا واحدا كبيرا على ما يمكن أن يُثار حول الجوائز الأدبية العالمية من ملاحظات سلبية. على ذلك، فهذه الجوائز لا تخلو من انتقادات تبتعد بها عن معنى «العدالة المُطلقة». وعلى الرغم من هذا، فهذه الجوائز لا تخلو من فوائد جمّة للمبدعين، ودور النشر، والقراء وحركة الترجمة.

عاشت نوبل قرناً كاملاً من الانتقادات، منها السطحي ومنها الجوهري. كما لم تسلم من السخرية بمكانتها بين كُتّاب الشرق والغرب، وهنا يقول الكاتب التونسي «حكيم مرزوقي»: «لا يتوقف الجدل حول هذه الجائزة، التي دخلت التاريخ وأدخلت من ارتبط بها من أوسع الأبواب، حتى أن هناك جوائز بديلة قد ابتدعت، استلطفها أناس واستهجنها آخرون، مثل الجائزة التي تتخذ من استوكهولم مقرّاً لها، وكرّمت ناشطين حقوقيين من بيلاروسيا وإيران. أما أطرفها فهي جائزة نوبل للحماقة العلمية، التي تحتفل خلال حفلها السنوي بعشرة اكتشافات علمية غريبة. جوائز تمنح لعشر إنجازات علمية مُضحكة تدفع الناس إلى الضحك أولاً، ثم التفكير الجدّي في أمرها، بعد تقديم المتباري فكرته التي يشرحها ضمن المسابقة خلال دقيقة واحدة. يشارك في المسابقة علماء من مختلف دول العالم ضمن عشرة مجالات علمية مختلفة».

ولا يتوقف الجدل عن هذه الجائزة، التي ملأت الدنيا وشغلت الناس، بل أحيطت بهالة خرافية، نشأت بدورها من خرافة تقول إن البارود يمكن أن يصنع سلاماً. وبأسلوبه الساخر في تعليقه على «أكتوبر نوبل» السنوي للآداب، يقول الشاعر التونسي «منصف المزغني»: «الكل يذكر مرور كثير من الأدباء الكِبار مثل السحاب على رؤوس لجنتها الأدبية بأعضائها المتعاقبين، وطوال عمرها منذ أكثر من قرن لم تعرف جائزة نوبل للآداب قانوناً خاصاً، ولم يعرف المتابعون لنشاطها السنوي نمط تفكير».

- اقرأ الحلقات السابقة من سلسلة «أدب الجوائز»

ويضيف: «نوبل لم تتب عن اختياراتها، لتقول للقراء في العالم بكل اللغات (أنا هنا. قولوا ما شئتم، والكلمة الأخيرة لي). هذه الجائزة السمينة مالياً، بنت مخترع الديناميت ألفرد نوبل، تنسف كل توقعات الأوساط الأدبية والإعلامية، وهي تتصرّف بدلع وغنج ودلال، وتعرف أن عمرها لم يفقدها شبابها ونضارتها، وشوق الناس إلى أخبارها الأكتوبرية المنتظمة منذ ولادتها (مع احتجاب اضطراري في سنوات الحربين العالميتين في القرن الماضي)، ولكن هذه الجائزة باتت مثل جزيرة، لا نجد في أطرافها سكاناً مرموقين، مثل: تولستوي الروسي، أو طه حسين أو نزار قباني أو يوسف إدريس أو محمود درويش من العرب، أو جورجي أمادو البرازيلي، فهل لجنة جائزة نوبل سادية الطبع، وتتلذّذ كل عام بتعكير خيالات الصحافة الأدبية في العالم بالمفاجآت والمفاجعات؟!». ويختم «المزغني» ساخراً: «بعض أدبائنا العرب يحلمون بنوبل، وسوف ينالونها إذا حلمت نوبل بأسمائهم»!

لا أذكر أن أديباً واحداً من الغرب قد سعى محموماً إلى جائزة نوبل مثل ما سعى الأدباء العرب منذ أربعينيّات القرن الماضي، ومنهم من أنفق الوقت والمال، وفي النتيجة المفاجئة جاءت طائعة لنجيب محفوظ في بيته القديم بالقاهرة القديمة، ودون عناءٍ يُذكر، اللهم عناء الإبداع الذي أنتج عشرات الروايات «المصرية»، بما فيها الثلاثية الفائزة، بينما بكى على أعتاب العواصم الأوروبية كُل الذين لهثوا وراءها سراً وعلناً بالعلاقات الخاصة والعامة، والترجمات والتسريبات الإعلامية لأجل نيلها عنوة، فخسروها في زمن اغترابهم كما خسروا أخلاقهم الأدبية وهُويّاتهم الثقافية، لينام بعضهم تحت التراب بعد الفشل، ولينام بعضهم الآخر تحت كدر اللوم والخذلان والحسرة، وضياع السنين الهباء التي عاشها منتظراً منصّة الأكاديمية السويدية، وهدايا رغيد استوكهولم!

سالم الهنداوي

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
الأسطورة كلينت إيستوود يترجل عن صهوة السينما في صمت بعد سبعة عقود من الإبداع
الأسطورة كلينت إيستوود يترجل عن صهوة السينما في صمت بعد سبعة عقود...
«شمس» معرض فني يحول المهملات إلى أعمال تحمل رسائل جديدة
«شمس» معرض فني يحول المهملات إلى أعمال تحمل رسائل جديدة
تميم القلال.. بصمة ليبية صنعت حضورها في قلب صناعة الموسيقى المصرية
تميم القلال.. بصمة ليبية صنعت حضورها في قلب صناعة الموسيقى ...
بعد تصريحاتها بجامعة كولومبيا.. نجلا سعيد في قلب جدل سياسي وإعلامي
بعد تصريحاتها بجامعة كولومبيا.. نجلا سعيد في قلب جدل سياسي ...
«سيدة من فزان».. لوحة أوروبية توثق ملامح المرأة الليبية في القرن التاسع عشر
«سيدة من فزان».. لوحة أوروبية توثق ملامح المرأة الليبية في القرن ...
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم