«أراهن على القصة التي تبحث في ما وراء الواقع».. «نحن نحاول أن نولد كل يوم، نجتهد كي نفعل ذلك حتى نموت».. «نحن العرب نكتب تأثرًا بغيرنا، فأنا أرى أننا نكتب قصة واحدة في قصص متعددة».
بهذه العناوين واصل الأديب القاص سالم العبار حديثه الشيق مع برنامج «يحكى أن» لقناة الوسط (WTV).
العبار أحد مؤسسي اتحاد كتاب ليبيا فرع بنغازى العام 1979، وترأّس رابطة الكتاب الليبيين، كما ترأّس تحرير مجلة الثقافة العربية ومجلة الفصول الأربعة، وأصدر جريدة «أخبار بنغازى» العام 1996 والتي ما زالت تصدر حتى الآن.
وعن بداياته يقول: «تعددت قراءاتي في الأدب وعلم النفس وعلم الاجتماع والفلسفة والتاريخ والجغرافيا وكل أنواع المعارف، رغبة في التمرد والحرية، ثم عملت في وظيفة إدارية إلى جانب العمل الصحفي، وقمت بإعداد برنامج (ما يكتبه المستمعون) الذي قام بإذاعته الشاعر والإذاعي عبدالله عبدالمحسن، رحمة الله عليه، واستمر البرنامج عشر سنوات، استطعنا خلالها أن نكتشف الكثيرين من الأدباء داخل ليبيا وخارجها».
الإسهامات الأدبية كانت تصل للبرنامج من الجزائر وتونس وغيرهما من الدول العربية، إذ تخرّج من هذا البرنامج عديد الأدباء والشعراء الكبار الآن، من بينهم أحمد بشير العيلة وناجي الحربي، ومحمد الككلي والكاتبة أم الخير الباروني وحليمة العايب، وفق العبار.
ويكمل: «استنزف البرنامج جهدي ووقتي على مدى السنوات العشر، مما دفعني للتوقف عن البرنامج، ومع ذلك استمرت علاقتي بالعمل الإذاعي ولم تنقطع، قمت بإعداد برامج عدة من بينها كلمات ومعانٍ، ومدارج الشمس، كذلك قدمت برنامجًا مرئيًا للمواهب من خلال التلفزيون الليبي، أخرجه محمود الزردومي، وبرنامج أقلام على الطريق لإذاعة بنغازي المحلية، وغيرها من البرامج الأدبية».
وعن مشواره الصحفي يقول: «ترأّست تحرير مجلة (الفصول الأربعة)، وهي مجلة فصلية تصدر عن رابطة الأدباء والكتاب الليبيين، والتي كان يرأسها الأديب أمين مازن، حيث كان يغيّر كل فترة وأخرى أسرة التحرير، وتوقفت تلك المجلة مرات وأعيد إصدارها إلى أن توقفت تمامًا في الفترة الأخيرة، نظرًا لأن الرابطة نفسها ما زالت في مخاض لم يتشكل بعد».
القصة عالم شاسع أحببته كثيرًا واستغرقني كثيرًا
ويشير العبار إلى أنه انقطع تمامًا عن كتابة البرامج الإذاعية، وتفرّغ لكتابة القصة القصيرة، التي يحبها، قائلًا عنها: «القصة ذلك العالم الشاسع والكبير الذي أحببته كثيرًا واستغرقني كثيرًا، فأنا أؤمن بأن القصة القصيرة أنثى، والأنثى بتاء التأسيسس وليست تاء التأنيث، وهي كل ما هو عميق ومؤثر، مثل البذرة والروح والذرّة، كل ما هو جميل وعميق يؤنّث».
ويضيف: «القصة القصيرة هي عبارة عن حدث وزمان ومكان وشخصيات، والإنسان في ذاته هو حدث له زمان مكان وشخصية، والقصة هي رفيق الإنسان منذ آدم وحواء، وليس الشعر. هذا العالم بناه الله بقصة قصيرة من حرفين حين قال: (كن)، فكان هذاالعالم، ثم صارت هي شخوص هذا العالم، وصار هذا الحدث يكبر ويتجدد ويتحول إلى رواية يكتبها كل العالم، حياتنا رواية بها كل المعطيات البشرية».
وعن عدم كتابته للرواية قال: «لم أكتب الرواية، لأنني أعتبر أن القصة القصيرة بمثابة رواية تناسب الظروف التي نعيشها، وإن كانوا يقولون إن الرواية هي ديوان العرب، إلا أنني أرى أنها تستغرق وقتًا كبيرًا في كتابتها وتحتاج إلى تفرغ، نحن في ليبيا ليس بإمكاننا أن نتفرغ للكتابة، تستهلكنا أشياء لا علاقة لها بالثقافة، هناك صعوبة في اجتزاء وقت لقراءة الرواية، وبالكاد تجد كاتبًا للرواية».
- سالم العبار: نعيش ثقافة القرية في مدينة لم تتشكل بعد (1 ـ 2)
- سالم العبار يروي مسيرته الكتابية في وهبي البوري
- «يحكى أنَّ»: القاص والناقد سالم علي العبار
وفيما يخص تفضيله لفن القصة، يشرح أن «القصة القصيرة تناسب الوضع الراهن الذي نعيشه، وأنا أكتبها عندما تلح عليّ فكرة وأستريح، وكأنني كتبت رواية ولكن على نحو مجتزأ، وهذه علاقتي مع القصة التي تابعت كل مخاضاتها وتحولاتها، وحاولت أن أجرب كثيرًا فاتّسمت بداياتي القصصية بالغنائية الشعرية، لكن اكتشفت أن الكلمات المموثقة إذا دخلت قصة أفسدتها».
وتابع: «كنت أراهن على القصة التي تبحث في ما وراء الواقع، الواقع ليس هو دائمًا المُعلن أمامنا لكنه في ما لا يظهر لنا، لذا أرى أن أصدق الكلمات تصدر في لحظات الهذيان، حيث ينطق الإنسان ما في عقله الباطن ويكون في أعلى درجات التجلي، والقصة القصيرة تحتاج إلى الشعر الحداثي، وتهتم بالصورة والاستبطان وما وراء الأشياء».
أواصر لا تنقطع مع الكتابة رغم المناخ المناهض.
يستطرد العبار في سرد مشواره الثري بين الصحافة والأدب بقوله: «فيما بين العامين 1979-1980 تعرّض الكثير من الأدباء للسجن، وخلت الساحة الأدبية أو كادت، حينها كنت في بداياتي، ودُعيت إلى أمسية قصصية لأول مرة، بمناسبة تأبين الشاعر المرحوم علي الرجيلي في ذكرى وفاته، ولكني لم أحضر لظروف خاصة، وجرت مداهمة المسرح الذي أقيمت فيه الأمسية وسُجن كل من كانوا هناك».
وذكر من بين هؤلاء الناقد إدريس المسماري، والقاص عبدالسلام شهاب رحمهما الله، والشاعر إدريس بن الطيب، والكاتب والقاص عمر الككلي والكاتب أحمد الفيتوري، و«غيرهم ممن كانوا يشكّلون طليعة التجديد من خلال جريدة الأسبوع الثقافي، وجرى التحقيق مع من لم يحضر وأنا منهم، ولكنني نجوت مع سالم الكبتي ومحمد المسلاتي ومحمود العرفي وعبدالله زاغوب والمرحوم القاص صالح عباس وغيرهم».
ظروف إنشاء اتحاد كتّاب بنغازي
ويشير إلى أنه «ورغم أن المناخ المناهض للثقافة، إلا أن علاقتي بالكتابة استمرت، وكنت ورفاق الدرب حريصين على أن تكون لنا رابطة أو نقابة، وكان اتحاد الكتاب في طرابلس يرأسه الناقد محمد أحمد الزوي، بينما في بنغازي لم يكن هناك فرع لاتحاد الكتاب، فاجتمعت وعبدالرازق بوخيط والمرحوم علي الفزاني وسعد عمران نافو والمرحوم محمد المحجوب ونجيب العنيزي ومحمد المسلاتي وسالم الكبتي، وكل هذا الأسماء كانت موجودة في بنغازي تلك الفترة، وبالفعل أنشأنا اتحادًا للكتاب، ولكن نشاطاته كانت محدودة مع استمراريته، حيث كنا نشارك فيما يقام في اتحاد كتاب طرابلس من فاعليات«
نشر العبار العديد من أعماله في مجلة «الثقافة العربية»، سواء مقالات أو قصصا، وتولى رئاسة تحريرها، بعد توقف لفترة طويلة، ويستدرك الحديث عن هذه الفترة بقوله: «لكنني لم أستمر فيها وتركتها وتفرغت لجريدة أخبار بنغازي، لأبدأ بها عملي الصحفي مستقلاً، وأسعى أن تمس تاريخ المدينة الاجتماعي والثقافي والرياضي، وتخاطب الناس ويكتبها الناس، كنا نناقش عديد القضايا الملحة في الشارع الليبي وبنغازي على جه الخصوص».
إبداع متواصل ومسيرة حافلة
صدرت للكاتب سالم العبار عديد الكتب، منها خديجار (قصص قصيرة)، وملامح البطل في القصة الليبية القصيرة (دراسة). ومقالات في التراث (دراسة)، ولغة الجسد (دراسات في النقد مع كتاب عرب)، وعلى هامش المتن (رؤى فلسفية).
وكذلك مجموعة قصصية بعنوان «اللعبة» التي تُرجمت إلى الفرنسية واحتفى بها النقاد في فرنسا، قائلاً «دُعيت مع القاص أحمد عقيلة، والقاص عمر الككلي، لكن الأخير لم يتمكن من الحضور، حيث جرى الاحتفاء بنصوصنا التي تُرجمت، وتناول الكثيرون القصص بالدراسات، ومنها ما يدرّس لطلاب جامعة طوروس».
وعن مجموعته القصصية «منشورات ضد الدولة»، التي ترجمها إلى الكردية الناقد نافع عقراوي، قال العبار «كان العنوان يثير التساؤلات والريبة في الثمانينات، لكني لم أكن أكتب ضد سلطة بعينها، بل ضد كل نظام ديكتاتوري، فأنا كنت أكتب تلك هذه النصوص عن الدولة التي يجب أن تكون، وكنت أنحاز دائمًا للشعب والبسطاء».
ويتحدث عن المجموعة «تجليات مهرة عربية» فيشير إلى أنها «ذات صبغة سياسية، وأشاد بها الروائي الكبير نجيب محفوظ، خلال إلقاء كلمته بعد أن نال جائزة نوبل قائلاً: هناك أسماء جديدة سيكون لها شأن في الأدب العربي».
ويؤكدّ: «يعد إنتاجي القصصي قليلا إذا ما قورن ببداياتي العام 1976 حيث أني كتبت الكثير من القصص التي نشرت في الجرائد والمجلات والبرامج الإذاعية، من بعد إصدراتي ولكنها لم تُجمع في كتاب بسبب الظروف المادية التي حالت دون طباعة المزيد من خلال دار نشر خاصة، وتوقُف شركة النشر والتوزيع التي كانت تطبع الكتب مجانا وتكافئ كتابها».
مسيرة مغايرة ورؤية نقدية للواقع الأدبي
شرح العبار مرحلته الجديدة في كتابة القصة حيث يقول عنها: «بعد ذلك اتخذت مسيرتي الأدبية اتجاهًا مختلفًا عن مجموعاتي التي سبقت، طابعه الإغراق في المحلية في محاولة لقراءة الوضع الراهن، وإعادة إنتاج ما يعنّ لي من قضايا تشغل بال الناس، طغى عليها حضور الشخوص الليبية الأدبية الصميمة، ومن صميم السرد الليبي مستخدمًا تقنيات سردية وظفتُ فيها الشخصيات التراثية والأسطورة، بعدما اكتشفت أننا نحن العرب نكتب تأثرًا بغيرنا، فأنا أرى أننا نكتب قصة واحدة في قصص متعددة، نتيجة الطوطم الاجتماعي الراهن أو الثالوث المحرم في الكتابة الأدبية العربية، في ظل الأنظمة الدكتاتورية».
ويضيف «لذا جرب الأديب العربي عديد المدارس الأدبية، بإعادة صياغة التجريب الغربي في بيئة ليست بيئته، فطمست الذات، بل أن بعض الأنظمة حددت كيف تُكتب القصة القصيرة، وما هي كلماتها وما هي مفرداتها، وحينما اتجهنا إلى الواقعية الاشتراكية، وهي نتاج رأسمالية الدولة وليست نتاج الفكر العربي، حاولنا أن نؤصل لها في التراث العربي باستدعاء الشخصيات التراثية العربية التي يمكن تسميتها بالشخصيات الثورية أو الاشتراكية مثل أبي ذر الغفاري، لنؤكد بأننا السبّاقون إلى هذه المدرسة الأدبية».
قراءة في الواقع الأدبي
ويوضح العبار رؤيته لمآلات الواقع الأدبي قائلاً «عندما جاءت السيريالية، أرجعناها إلى جذور الفكر العربي، وعدنا إلى اللغة الصوفية، وكذلك الواقعية السحرية، تلك التي أنتجتها أميركا اللاتينية وأهمها رواية مئة عام من العزلة لماركيز، حاولنا أن نقلدها على الرغم من موروثنا العربي من حكايت ألف ليلة وليلة وغيرها، مما يمكن أن يؤسس لذائقة عربية ومدرسة عربية».
ويواصل: «اكتشفت أيضا أننا سباقون إلى القصة القصيرة من خلال المقامات الأدبية العربية مثل مقامات بديع الزمان الهمزاني وغيرها، لكننا للأسف نستيقظ متأخرين، وفي الوقت الضائع، وعلى الرغم من ذلك أتيح لأدباء ليبيين فرصة أن يجدوا المكان المناسب والإمكانات المناسبة لكتابة نص أدبي جميل ومؤثر، وأن يكتبوا روايات جديرة بالقراءة مثل إبراهيم الكوني الذي هيئ له المناخ ليتفرغ للكتابة».
وفي نهاية حديثه يؤكد القاص والناقد سالم العبار أن «الكتابة تحتاج إلى التفرغ التام، وأن ينفق الكاتب كل وقته وجهده لكتابة ما ينبغي عليه أن يكتبه خلال السنوات الطويلة».
تعليقات