تبقى العلاقة بين الشاعر والقصيدة مشحونة بوثبات مؤجلة تروم لمغادرة منفتحة على احتمالات عدة، وهي بقدر ما تتشوف لذاك التفجر تشدها خيوط اللحظة الفاصلة الرابضة في خانة ما تستجلي الحجب، وتناظر مكنون قلق تلوح ثمار اختماراته المتوالدة كطائر الفينيق من رماد لهب أبدي.
ذلك وجه من تفاسير عدة تحاول فهم كنه تلك العلاقة وترصد طيفا من شواغلها وهي تجوب مدارات السؤال، إلا أن اقترابا قد يمنحنا فرصة سبر آخر يستنطق ألغاز تلك الحكايا عبر مصدرها، لذا كان حوارنا مع الشاعرة أم الخير الباروني، كنافذة رمز تضعنا عند شكل من أشكال الإجابة.
* مضى على تساؤلاتك في لحاف الضوء ثلاثة عقود، أين وصلت بك نهاياتها؟
يأخذك السؤال دائما إلى مسارات ودروب أخرى تفضي إلى تساؤلات أعمق، فخلال ثلاثين عاماً يطل السؤال بشكل أكثر إلحاحا وأشد وطأة من مجرد تساؤل في المطلق،
أتسأل عن لون العتمة.
عن لون الأمل المتعلق بأذيال الظلمة.
ليصبح شائكا وعالقا باليومي والمعيش، فلون العتمة لأحلام يافعة وفتية، اصطبغ بزيف العلاقات وغربة المشاعر وغرابة التواصل، ويوما عن يوم صار يبحث عن عتمة الفرص الضائعة والحقوق المسلوبة، وكرامة الإنسان بين التكافؤ والمساواة، ولماذا يمتاز شعب عن شعب بحريته الفكرية والشخصية ورفاهية العيش رغم محدودية الإمكانات أو توافرها؟ لماذا يضيع حق ما؟ رغم ثبوتية مرده ومآله وأحقّية مالكه؟ لماذا ترتفع معايير الضباب رغم سطوع الشمس؟ ليلقي السؤال بظله ويترك خدشا ظاهرا أو ندبا عميقاً تلمحه جليا خلف الأمل وذيل الظلمة.
غالبا قد لا يكون لانحراف الدرب شأن باعوجاج الخطى! ولكن لمن ستكون الحظوة أو السطوة وقوة التأثير، التي ستزيد من قتامة أو شفافية العتمة، حيث إنها قائمة ومستمرة بشكل أو بآخر في صعوبة الوصول، في عدم توافر الحاجة اليومية، في غياب الأمن، في اختلاف المنظور للقيم والعادات والمبادئ بين الصالح والأصح والمعتاد.
التساؤل ينسحب على لغة الحوار بين الأجيال وبين الأنداد والأضداد.. الطفرة المعلوماتية صنعت لغة مختلفة ليس السؤال عن مدى سهولتها أو صعوبتها؟ وإنما في قتامة مفرداتها في ظل التهجير والنزوح والتعصب لجذور أينعت في الهواء، وتنكرت لجذور أصيلة وراسخة، تنتمي لدمنا وفكرنا وهويتنا الجامعة!
* ما روافدك في النص الشعري؟
الفكرة الأساسية للنص تأتي نتاجا لاختزال موقف أو حدث أو بؤرة عصف، تسهم بشكل مباشر في ميلاد النص الذي يتغذى من روافد تتعلق بالشعور، ومؤثرات تتصل بالبيئة، وتفاصيل تختص بشخصية الشاعر، متمرد أو مسالم أو مفكر أو مقلد أو ثائر أو متعادل، وكلها قد تؤجج النص وترفع السقف في الطرح، تحافظ على اتزانه أو تخرج به إلى فضاءات أخرى، ترتقي بالجوهر على حساب المظهر أو العكس. كذلك الخلفية العلمية والعملية، ممارسة الحياة وعراكها، التحليق في الواقع أو الخيال، عيش العذابات الشخصية أو عذابات الآخرين، وأجد أن كل نص من نصوصي لديه هذه البصمة:
والتاريخ حصاة تشهد!
أن الظلم هو الإنسان!أحب زيارة الأماكن التاريخية وكلما وجلت إلى زمن تلك الصروح والقلاع والأسوار العالية يداهمني السؤال كيف شيدت؟ كم من الحب والعذابات والدماء سالت لنقف الآن تتملكنا هذه الدهشة؟
غافية!
سليلة المدن القديمة!
أليس من المحزن أن تكون إحدى غادات المدن القديمة غائبة عن واقعهن وآفلة من دربهن، قد يكون غريبا أن أخبرتك بأن أكثر الأماكن توازنا عندي هو مقعد الطائرة هناك بين السماء والأرض بعيداً عن صلابة الأرض التي تمنح القوة والثبات، ومجردة من سطوة القدرة والفعل فالتحليق ديدني اليومي ورفيق أيامي ولكن عند الطيران فأنا فعلا لا أملك أجنحة، قادمة من رجاء ومنتهية إلى حلم، فكم من الممكن أن يتكرر هذا الرجاء وكيف لك أن تنشد ذاك الحلم.
فـ رائحة السفر..
دوار للذاكرة..
* في نصك «أهزوجة الإعياء » تبرز نظرة سوداوية.. كيف نفهم مآلات هذه الإشارات؟
قد يكون حدسا مبكرا مبنيا على استقراء الواقع، وإن كان الزمن بعيداً جداً بين الحدس والمآلات، إذ قد ينطبق هذا السؤال على نص «أرقام الزمن النائم»، ولكن عذابات الآخر كانت ستؤدي يوما ما إلى نتائج مريرة وقاتمة وكذلك نص «بصيص قمر» في مطلع العام 2010، طالعتني بداية النص ذات صباح في طريقي إلى العمل بمصنع الماية، المكان طريق المطار مدخل السريع متجهة غربا والزمان في الصباح الباكر، السماء تتناثر فيها الغيوم تعلوها سماء ناصعة الزرقة واستقر بصري على السحاب فجاءت:
أحمر لون الدم..
أبيض لون السحاب..
وانتهى عند بضعة أسطر شاركت بها في الأمسية الشعرية على هامش اجتماع المكتب الدائم لاتحاد الكتاب العرب في أكتوبر2010 ببنغازي.
أما نص «أهزوجة الإعياء» فهو مرتبط بسنوات الدراسة ومعاناة التجارب الفكرية التي مررنا بها بخط مواز لجودة التعلم والتعليم على مستوى العطاء الأكاديمي، وتوافر الإمكانات باعتبار أن كلية الصيدلة كان افتتاحها بقدوم دفعتنا وكانت عروس الكليات بحدائقها وعمرانها وتجهيزاتها، ولكن عاصرنا جمهرة الجامعة والإدارة الطلابية وتوقف الدراسة لسنة دراسية كاملة دونا عن سائر الكليات وكان من المفترض أن تكون سنة التخرج... هذا الحدث الظاهر لميلاد النص وما وراء الحدث، هو الجلوس في اليوم التالي لوفاة زميلنا في الدراسة، ولأربع سنوات متوالية في ذات المدرج الذي احترق فيه صباح الجمعة وتوفي دون أن نعرف كيف ولماذا ومن كان معه؟ يكفي أن يعلق بصرك بالخشب المحترق يسار السبورة من منتصف الجدار حتى السقف، ويملؤك السؤال كم كان علو صراخه وهل تردد إلى أبعد من هذه الجدران وهل أنجدوه أم أحرقوه؟ مات ومعه سره ولا مجال للاستفسار أو التفسير! عن هذا الموضوع وغيره من المواضيع، فأحداث سبعة أبريل التي سبقتنا بسنوات عديدة، يستعد لها باحتفالات مهيبة وتذكر تفاصيلها بشكل خجول ومبهم، سدنتها أو عرابوها، معارضوها أو مريدوها، لا مجال للتفكير في أن تطرح حيزا ولو صغيرا للنقاش أو السؤال، وبين الهتافات المستبشرة والامتعاضات المستنكرة ترتدي الحكاية حجب الستر... إعلان «مطبوعة داخل الكلية تريد نصوصا أدبية للنشر».. أتقدم بنص يحمل عنوان «حلم الزمن المقبل».
- ممنوع من النشر؟ ولكن لماذا؟ بعيدا عن المشاكل، ألا يعجبك هذا الزمن لتبحثي عن زمن آخر؟
* «مطر بلا غيوم» يأتي بعد ثماني سنوات من «الأهزوجة» بذات القالب والأسلوب، تحاولين فيه رؤية وجهك، هل تمكنت من ذلك؟
الوجه الذي يظهر قلبا مثخنا بجراح الإنسانية، قد يكون بشعا لدى البعض وربما كان جليلا عند البعض الآخر، ولكنه يظل صورة بعيدة عن الواقع، إذ لا بد أن تمثل ذاتك وتقفز بها بعيدا عن دائرة المعاناة وتتفاعل معها دون أن تنصهر فيها أو تتشكل فيك لكي يتاح لك بأن تؤثر مثلما تتأثر، ولكن بوعيك وقرارك المطلق بمعزل عن الضغوط الخارجية وزغللة الرؤية.
ثماني سنوات مررنا فيها بالحظر الجوي وعرفناه اصطلاحا بالحصار، إطلالتي على العالم خلال هذه السنوات من 1993 وحتى 1998 برا إلى تونس، وبحرا إلى مالطا وجوا إلى ألمانيا فالصين للمشاركة في المؤتمر الرابع للمرأة ضمن وفد المنظمات غير الحكومية تحت مظلة الحكومة، هل هي الصدفة أم الحظ أو كلاهما وأذكر إن لم تجنح بي الذاكرة، أن المرشحين من منظمات المجتمع المدني إلى اللجنة الشعبية العامة لاعتماد قرار سفرهم للمشاركة في المؤتمر قد بلغ مئتين وخمسين مشاركا تقلص إلى أقل من عشرين، هذا باب يفضي إلى مسارب أخرى، في كل خطوة تحمل شيئا من ترابك علق بعلمك وحلمك وكثير من أساك، ومتعة اكتشاف دهشة الزمن المتمدد من خلال تسع ساعات طيران والوقت هو الوقت، والزمن المطوي حين تكون ساعة المغادرة هي ساعة الوصول.
* في قصائدك مفردات «القمر، البحر، الغيوم، الحلم»، هناك رغبة ملحة للسفر؟
رغبة دائمة بحثا عن لحظة التوازن العليا على جناح غيمة، أعيش لحظة سفر دائمة قلقة وخوفا من تأخر الوقت أو إقلاع مبكر، وطبيعة عملي أتاحت لي أن أرتحل وأتنقل بين عواصم ومدن عديدة، غير أن ترحالي بين الحروف وإبحاري بين ضفاف المفردات ومرافئ الخيال منذ نعومة أظافري، سفريات العائلة ولحظات الوداع والانتظار والترقب والرسائل التي تردنا بالصور والتذكارات ومن ثم العودة، غرست شوقا للسفر والترحال إلى ذاك المكان، حيث يعود الغائب محملا بالهدايا الجميلة والحكايات الأجمل عن لندن، روما، مصر، باريس، بون وغيرها، كنت أراها نوافذ مشرعة عن ماهية ذاك الترحال، أمي رحمها الله غدت حب المعرفة بشراء القصص والسلاسل العلمية ومجلات الأطفال، أما أبي رحمه الله فيندر أن أره لا يقرأ، وفي وقت مبكر كان للكتاب متكئ ومهاد مع خالي الأصغر، خبرت متعة الرحلات عبر البر بالسيارة والحافلة لأغلب المدن الليبية، وكنت عينين ترصدان التركيبة المجتمعية وطبيعة التواصل والترابط وعمق المحبة والألفة والود، السماء الشاسعة والليل البديع، أصوات الظلام وألوان النهار واللباس الجميل، تشكيلات كثيرة بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، صداقات ومعارف وأقارب، أضف إلى ذلك الرحلات الداخلية بالطائرة سواء كان لمؤتمرات علمية بين كل من طرابلس وسبها وبنغازي أو أنشطة ومهرجانات ثقافية، وفي مرحلة أخرى عبر المراسلة في حرف مطوي داخل ظرف يحمل أحلاما وأشواقا وبطاقات أسافر مع أعيادها ومواعيدها.
والسفر مع الكتاب شأن آخر من كتب التاريخ والروايات إلى كتب العلوم والمعادلات والأرقام إلى السباحة في الفلك، ولذلك أشعر أنني أمضيت أغلب مراحل عمري أمارس عشقي للسفر، الأمر الذي أتاح لي أن أمسك بالخيط الفاصل بين الحلم والواقع، فأعيش الحلم إلى أبعد أعماقه فأسعد وأتفوق وأتوّج وأحكم العالم وأحط فوق مظلة الواقع دون أن أنزلق أو أهوى في قرار المرارة لأنني مدركة كونه حلما. وأتكيف مع الواقع بكل تفاصيله مزركشا بطيف الحلم الجميل كذرور من السكر فوق مشهد طفل غادر مقعده الدراسي، ليقف عند الشارة ليستجدي العطاء أو لبيع المناديل الورقية، أو على رتل يجتازك صباحا من شباب يافع يرتدي ثيابا مموهة وأقنعة سوداء ويحمل بنادق فوهاتها موجهة إليك أو لنا نحن البشر في السيارات التي خلفهم، أو ربما على زوج يبتدئ به صباحك يريد علاج الأورام لزوجته وفتاة لأختها وشاب لأبيه وأم لابنتها أو طفلة تستجديك باكية، أعاني من مرض نادر أرجوك وفّري لي الدواء لا أريد أن أموت أريد أن أعيش. وغيرها من المشاهد التي تعودت أن أقفز منها على غلالة الحلم والسفر من خلالها إلى مجاهل أقل قسوة.
* متى يقرر الشاعر التوقف عن الكتابة؟
ليس بيده وإلا يكون كمن يطلق على رأسه رصاصة الرحمة، فيبتلي بأتون العذاب، ليس من الهين أو اليسير أن تتخذ مثل هذا القرار، أذكر عندما كنا نلتقي بفناء فندق الصفوة بهيئته القديمة تتوسطه النافورة وتحوطه الأشجار وتتوزع بين الجلاس، كنا نقصده تلبية لنداء الحرف والكلمة، ورواد الجلسة يأتون من الزاوية والعجيلات وزلطن وغريان ومصراتة وزلة، أعني بهذا الحضور المنتظم والمداوم شبه اليومي ممن في طرابلس وأسبوعي أو على فترات متقاربة لمن هم من خارجها، ناهيك بزوار تلكم الجلسات التي تزينت بعميد الجلسة لطفي عبداللطيف وعبدالرزاق الماعزي ويوسف بالريش والصيد الرقيعي وسالم العالم ومحمد الدنقلي وربيع شرير وصلاح عجينة وحليمة الصادق وسعد الغاتي وعبدالحفيظ العابد وخالد درويش ومفيد البلداوي ومحمد الزيات ومفتاح سويسي ومفتاح قناو ومحمد طرنيش مع حفظ المقامات والألقاب، وأسأل الله الرحمة والمغفرة لمن توفاه الأجل. لا أتخيل أن من يملك هذا الحس والهاجس تكون له القدرة على اتخاذ مثل هذا الفعل.
* ما الذي يمثله لك الحلم كإنسانة وشاعرة؟
بعض البشر صيغ من الحلم وأعتبر نفسي منهم، يحوطني السكون ويلفني الهدوء رغم الصخب الداخلي، كل لحظة أمر فيها بعوالم من السؤال والدهشة أي لقطة عابرة، أي صورة تتخذ في خيالي، إطار أسود أو وردي أو مذهب، صوت محرك السيارة أصنع منه قصة، هديل حمامة أو ريشة هدهد، شكل غيمة في السماء أو حجرة تستند إلى أخرى في الطريق، الكلمة التي تخترق مسامعي عبر المذياع أو أحد المارة لتختم حوارا داخلي أو تنهي جدلاً، كل المشاهد اليومية والعابرة دروب تحملني إلى روابي الحلم ومنها أستقي نبض يومي ونصي، والواقع غالبا ما أراه ترجمة لأحلامي، إذ يحدث أن تباغتني مشاهد كثيفة ومركزة تتفسر مع الأيام في مواقف وأحداث تدهشني بشكل كبير، كما أن بعض الأحداث من الماضي والأماكن تزورني مرارا بنفس الكيفية بعضها مضى عليه ما يقارب الخمسين عاما، فبيت جدتي بشارع الزاوية طريق السور أمضيت فيه فترة الطفولة، وسنوات ما قبل الدراسة ما زال يزورني بنفس الهيئة، الحوش العربي بوسطه المشمس وجدرانه سماوية اللون والنوافذ التي تفتح عليه من كل الغرف والسلم الخشبي، وتفاصيل أخرى عن المسدة والسطح وإحاطته كالسوار وكأنه كلما اشتاق لي باغتني حلما، وأحلاماً أخرى تراودني عن بيت عمتي بمنطقة الظهرة شارع دنون، أراني أعبر المقطع بالحفر والكثبان الرملية، ذاك الاتساع الذي ينتهي إلى زقاق ترابي بمسرب الماء النحيل وهو يشق الدرب الذي يتسع «للكاراطون» أو«الكروسة» في السابق وسيارة صغيرة واحدة فيما بعد، بالبيوت العربية القديمة إلى يساري بجدارها الأبيض الذي طاله الاصفرار مع الزمن والبيوت المقابلة لها بذات الترتيب، حوش عربي بيتين من دورين يليهم بيت عمتي «حوش جدي مفتاح» إلى اليمين الشبابيك بالخشب الأبيض «عين الزرزور» السقيفة الطويلة واستطالتها بالعرض أجد الباب مفتوحا ويقابلني الجدار، أسير يميناً والمقصورة تقابلني نهاية الممر وإلى يساري المدخل إلى فسحة البيت، ويراودني الصحو قبل أن أدخل.
«الكورنيش» علاقتي به قديمة جدا، في عمرِ بين السنتين والثلاث سنوات عندما كان أبي يحملني على كتفه ويقف بي أمامه ليلا أو نهارا وأرى البحر يصافح حده والأسماك الصغيرة تتراقص في المياه الصافية، تتداخل معه مشاهد أخرى في مراحل عمرية مختلفة، مثل جزيرة الغزالة أو مدخل السراي ومحطة الركاب والحافلة البرتقالية، وصدى المنبه المتردد في ذاك الحيز الضيق والمظلم، يشاكسه شعاع الشمس من الجهتين.. مصافحات بصرية تنعش يومي عندما تزورني حلما حتى يومي هذا.
* حاضرة في الأمسيات لكن مقلة في الإصدارات.. كيف نفهم هذه المعادلة؟
ربما لأنني أنشد الكمال الذي لا يدرك وإن حرصنا، نصوصي هي ذاتي أحبها في مظهر لائق ومناسب وبعيد عن النقائص، فعندما أعتلي المنبر، أعطي النص من روحي وألقيه على مسامع الحضور ككائن متكامل، وبالمثل هذا ما أرغب فيه عندما يكون لي إصدار يبقى بعد رحيلي وأرفض أن يكون سيئ الإخراج أو به أخطاء إملائية أو مطبعية، ابتعدت عن النشر في الصحف لهذا السبب وإصداري الأول «لحاف الضوء» فيه خطأ أعتبره جسيما، حيث إن المقدمة ذيلت بتاريخ يصادف شهرين بعد وفاة الشاعر لطفي عبداللطيف رحمه الله، في حين أنه كتبها قبل وفاته بخمس سنوات وما زلت محتفظة بها بخط يده، إضافة إلى أن نصوصا حذفت منها بعض السطور ناهيك بأخطاء إملائية عملت على تغيير المعنى كليا وهذا شيء يزعجني، وبالتالي صرت أكتب وأحتفظ بقصائدي التي قد ترى النور يوما أو تظل حبيسة الذاكرة الرقمية.
* من الشعراء الذين حاولت محاكاة تجربتهم في بداياتك.. كذلك الأسماء التي تتجه لها ذائقتك سواء من القدامى أو المحدثين؟
البدايات كانت قديمة حيث إن محاولاتي لكتابة القصة كانت قرين قراءتي النهمة في عمر غض وبعدها كتبت الخاطرة وبعض النصوص.. هذا حتى نهاية المرحلة الإعدادية، في المرحلة الثانوية صار النص أكثر نضجا حيث بدأت بمراسلة برنامج ما يكتبه المستمعون إعداد الأستاذ سالم العبار تقديم المرحوم أ. عبدالله عبدالمحسن، وبفضل قراءته وتقييمه للنصوص وتأكيده أني أكتب نصا يشبه نفسه لا أقلد فيه أحدا ولا أحاكي تجارب أخرى. في القدامي أحببت شعر العباس ابن الأحنف وأبي فراس الحمداني، وأعجبت بنتاج شعرائنا الفزاني والشلطامي وطريبشان والطويبي والعماري والزايدي والمحجوب، بعضهم عرفته مبكرا والبعض الآخر لاحقاً، وهذا على سبيل الذكر لا الحصر والشاعرات عائشة المغربي وفوزية شلابي وفاطمة محمود، والقائمة تطول، إذ إن سلسلة كتاب الشعب -إن لم تخني الذاكرة- الصادرة عن المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، ذات الإصدارات صغيرة الحجم كبيرة المعنى والمضمون، جعلتني أقتني وأثري مكتبتي بهم، وجلستي وأنا أدرس محاطة بالكثير من رؤاهم ومشاعرهم وأخيلتهم، ذلك وأنا أتلمس خطواتي الأولى نحو الجامعة فتعرفت على أدبنا وكتابنا بسعر رمزي من مكتبة المعارف «بشارع امحمد المقريف سابقا للحاج رجب الوحيشي أطال الله في عمره وأبقاه»، وفي مرحلة لاحقة تأتي حليمة الصادق وفريال الدالي وحنان محفوظ وحواء القمودي وحاليا مبروكة القارح وهناء المريض وأحمد الفاخري، ولربما غابت عن ذهني أسماء لطالما أحببت أن أقرأها وأتابعها بشغف.
* إذا كان هناك مساءلة ذاتية.. فهل يحدث أن تسائلي نفسك شعريا على الفكرة أو الصياغة أو الصورة؟
أعترف أن لا سلطة لي على النص، وغالبا أحتفظ بالدفقة والزخم، وإذا ما توجست ضياع الفكرة أدونها وأتركها لحين، وإذا تيح لي أكررها كي أتمكن من حفظها غيباً، وعندما أكتب النص أجدني أغير فيه مفردة أو اثنتين أو ربما أحذف منه عدة سطور أدرك أن حذفها لا يضر بنسق ومضمون النص، أحب أن يكون نصي وحدة متكاملة وخاليا من الحشو أو مفردة تظهر خللا واضحا فيه، وللأسف أخيرا مع كثرة المشاغل لم يعد نصي مدللاً بحزم، أحيانا أكتبه مباشرة على جداري في حسابي على فيسبوك.
تعليقات