رسالة على الهاتف تدعو حامله إلى «فنجان قهوة»، دعوة ما هي إلا رسالة مشفرة تدعو من يستلمها إلى لقاء بين الأنقاض كي يتسلم مبلغا من المال!
هكذا تواصل حماس دفع رواتب موظفيها في غزة على الرغم من مرور سنتين من الحرب، في عملية «محفوفة بالموت»، وفق وكالة «فرانس برس».
ضربات قاسية لحركة «حماس» وحكومتها ومؤسساتها
منذ 7 أكتوبر من العام 2023، شنت قوات الاحتلال حرب إبادة استهدفت قطاع غزة، ووجهت ضربات قاسية لحركة «حماس» وحكومتها ومؤسساتها، ما أدى إلى إضعاف الحركة التي تحكم القطاع منذ العام 2007، ونقص السيولة لديها وتراجع إمكاناتها.
لكن شهادات جمعتها وكالة «فرانس برس» من موظفين حكوميين، استخدموا أسماء مستعارة، تؤكد أنهم لا يزالون يتلقّون رواتب، أو جزءا منها، من الحركة.
عملية محفوفة بالموت
يروي موظف في وزارة الأشغال العامة التابعة لحكومة حماس اختار لنفسه اسم كريم، أنه تلقّى في يوليو الماضي، رسالة على هاتفه النقال جاء فيها: «أدعوك لشرب فنجان قهوة»، مع تحديد الزمان والمكان الموجود قرب مدرسة تحولت إلى مكان لإيواء النازحين في منطقة رفض تحديدها أيضا.
ويتابع: «إنها عملية محفوفة بالمخاطر، ذهبتُ إلى المكان المحدّد، كنت خائفا جدا من غارة إسرائيلية، وهناك كان ينتظرني موظّف أعرفه من قبل، حيث سلّمني 1000 شيكل (298 دولارا)، وهي دفعة من راتبي الشهري الذي كان يبلغ 2900 شيكل قبل الحرب».
ويقول سكان في قطاع غزة إنهم يخشون التواجد قرب أشخاص محسوبين على حركة «حماس»، أو يعملون معها، أو يقاتلون في صفوفها؛ إذ إن سلطات الاحتلال قادرة على رصد وجود الكثير من هؤلاء، وغالبا ما تستهدفهم بغارات جوية أو بمسيّرات، ما يتسبّب بمقتل أشخاص محيطين بهم.
النجاة من الموت
من جهتها، تقول معلمة في مدرسة حكومية ومتزوجة ولديها خمسة أطفال: «آخر راتب تسلمته كان في شهر يونيو الماضي، تلقيت يومها رسالة نصية على هاتفي تطلب مني التوجه إلى مدرسة نازحين في شمال القطاع».
وتضيف السيدة الثلاثينية التي اختارت لنفسها اسم آلاء: «تعرضت المدرسة لقصف إسرائيلي، وهرب الموظّف الذي يسلّم الرواتب، والحمد لله أنني تأخرت، لقد نجوت من الموت قبل أن أعود إلى المكان ذاته لتسلُّم راتبي».
رسوم جمركية وضرائب
لطالما اعتمدت حركة «حماس» في إعداد موازنة حكومتها قبل الحرب، على مداخيل من رسوم جمركية وضرائب تشمل كل قطاعات الحياة مثل ضرائب الدخل، ورسوم على التجارة والخدمات البلدية والمعاملات الحكومية، وغيرها.
ومنذ العام 2021، اعتادت قطر إرسال مبالغ شهرية إلى قطاع غزة بلغت حتى ما قبل 7 أكتوبر 2023، ما قيمته 360 مليون دولار سنويا، بموجب اتفاقات تهدئة رعتها بين «حماس» وقوات الاحتلال لتجنب التصعيد بينهما، ولتأمين رواتب الموظفين ولمساعدة الفقراء في القطاع الفلسطيني.
كما اعتادت «حماس» الحصول على دعم مالي من جهات عدة غير معلنة، فيما تفيد تقارير أن الحركة تتلقّى دعما ماليا وعسكريا من إيران.
- «حماس» تطالب بإنهاء «مقابر الأرقام» وإعادة جثامين الشهداء
- ألبانيزي: «حماس» حركة سياسية وليسوا قتلة كما يصورهم البعض
- حماس تتهم نتنياهو باختلاق «جملة من الأكاذيب» بشأن غزة
لكن إيران تؤكد دعمها السياسي للحركة «حماس» من دون أن تؤكد مسألة مدّها بالسلاح والمال.
وذكر مسؤول فلسطيني مطلع في قطاع غزة أن «حماس كانت تحصل على الأموال عبر طرق معقّدة وسرية، من بينها تهريب عبر أنفاق حدودية، أو عبر البحر»، وفق وكالة «فرانس برس».
تخزين الأموال قضية أمن قومي
من جهته، يرجع عضو بارز في الحركة تكتم حماس على مصادر أموالها وآلية توفيرها إلى اعتبار ذلك الأمر «قضية أمن قومي، وجزء من المقاومة».
لكن محاسبا في مؤسسة حكومية في غزة اختار لنفسه اسم كريم يقول: إن «حماس خزّنت مئات ملايين الدولارات سواء في أنفاق أو أماكن آمنة للأوقات العصيبة مثل الحرب»، من دون مزيد التفاصيل.
ويضيف: «قصفت قوات الاحتلال بنوكا تابعة لحماس، وعدة أماكن فيها مخازن للأموال، واغتالت عددا من المسؤولين في النظام المالي أحدهم مسؤول كبير يدعى إسماعيل برهوم والذي اغتالته قتله في مارس الماضي، لكن هذا لم يوقف المسيرة».
ودمّرت قوات الاحتلال كل مؤسسات الحركة في القطاع، ومنها فروع مصرفين جرى إنشاؤهما بعد سيطرة «حماس» على القطاع في العام 2007، وهما بنك الإنتاج، والبنك الوطني الإسلامي.
استهداف نقاط تسليم الأموال
استهدفت سلطات الاحتلال نقاطا لتسليم الرواتب في القطاع لعشرات المرات، تسبب بعضها بوقوع قتلى، وفق شهادات جمعتها وكالة «فرانس برس».
ويتلقّى بعض كبار الموظفين الراتب سرّا في أماكن إقامتهم في مخيمات النازحين أو مدارس الإيواء «حتى لا يتعرّضوا لضربات جيش الاحتلال»، بحسب مصدر في حماس.
يقول جميل (اسم مستعار): إن «عملية دفع الرواتب معقّدة جدا، وخطة الدفع تتغيّر باستمرار حسب الظرف الأمني، لكن الحكومة حريصة على دفع جزء من الرواتب كلما توافرت الأموال».
وبحسب مسؤول في حماس في الدوحة، فإن الحركة «لا تدخّر جهدا لتوفير الرواتب، ومزاعم الاحتلال بأنها قضت على حماس مجرد وهم».
40 ألف موظف ينتظرون مصيرا مجهولا
يبلغ عدد الموظفين الحكوميين في قطاع غزة 40 ألفا، ولا يعرف إن كان جميعهم يتقاضون رواتبهم بانتظام أم لا، حيث يشكو البعض من أن «المحسوبين على حماس يحصلون على المال والمساعدات، بينما غيرهم لا يحصل على شيء».
ويقول عدد من الذين لا يزالون يتقاضون رواتب أو جزءا من رواتب، إنها لا تكفي في ظل الأوضاع المتردية في القطاع حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية بشكل كبير، وهناك نقص في كل الأساسيات.
الراتب يوفر بالكاد بعض الطحين
ويشير كريم الذي يعيل زوجته وأطفاله الستة: «أشعر بقهر، والراتب لا يكفي لتوفير دقيق لأسبوع، هناك مجاعة وأسعار خيالية في الأسواق».
ويقول مسعود إنه تلقّى أخيرا رسالة نصية على هاتف زوجته تدعوه ليشرب الشاي، فدهشت زوجته للرسالة، لكنه ضحك وقال لها: «هذه بشرى خير، الراتب وصل».
ويوضح مسعود الذي يعمل ضابطا في شرطة «حماس» أن «الراتب يوفر بالكاد بعض الطحين، ونتسلّم جزءا منه كل شهرين أو ثلاثة».
ويضيف: «نحن مع المقاومة، لكن كان الأجدر بحماس أن تتجهّز لهذه اللحظات الجحيمية».
ويتابع: كيف تطلب من الناس الصمود بدون أكل ولا مياه؟، لا أريد راتبا ولا وظيفة، أريد أن تنتهي الحرب وأعيش حياة البشر».
تعليقات