«هيومن رايتس»: الإفلات من العقاب يدفع ليبيا إلى الفوضى

دعت منظمة هيومن رايتس ووتش، اليوم الثلاثاء، أعضاء مجلس الأمن الدولي إلى التعبير عن رفضهم حالة الإفلات من العقاب التي تسود ليبيا، بالتزامن مع تقديم المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية استعراضًا حول التحقيق المتعلق بليبيا اليوم الثلاثاء.

وطالبت المنظمة في بيان، المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، فاتو بنسودا، بـ«استخدام التفويض الممنوح لها من قبل مجلس الأمن بالإجماع لفتح تحقيق في الجرائم المستمرة».

وقال مدير قسم العدل الدولي في هيومن رايتس ووتش، ريتشرد ديكر، إن مجلس الأمن «يراقب انزلاق ليبيا نحو الفوضى في خضم تواتر الجرائم البشعة»، داعيًا المحكمة الجنائية إلى «توسيع نطاق تحقيقها» بالنظر إلى «عجز السلطات الليبية عن وضع حد لتلك الانتهاكات»، وفق قوله.

وتابع ديكر: «بعد أن صوَّت مجلس الأمن بالإجماع على منح المحكمة الجنائية الدولية ولاية في ليبيا، أصبح يتعين عليه الإسراع في تزويد المحكمة بما تحتاجه للنظر في الانتهاكات الخطيرة الحاصلة هناك. لم يعد التركيز على مسؤولي عهد القذافي أمرًا كافيًّا».

واعتبر المسؤول بالمنظمة الدولية أن الوقت قد حان «لكي يدرك مجلس الأمن أن تحقيق العدالة في الانتهاكات الخطيرة التي تشهدها ليبيا أمر ضروري لتحقيق سلام دائم». وأشار إلى أن «صمت أعضاء مجلس الأمن تجاه حالة الإفلات من المساءلة التي تعمّ ليبيا ستتسبب في سقوط آلاف الضحايا الآخرين».

تغييب سيادة القانون
وتابعت المنظمة: «يأتي العرض الذي ستقدمه المدعية العامة، بينما تسببت النزاعات المسلحة وانهيار السلطة المركزية في تغييب أي مظهر من مظاهر سيادة القانون والنظام في عديد مناطق البلاد. وتسبب العنف الخارج عن نطاق السيطرة الناتج عن الأعمال العدائية في مقتل مئات الأشخاص منهم مدنيون، وتهجير مئات آلاف آخرين من منازلهم، وارتفاع عدد قوارب المهاجرين من ليبيا نحو أوروبا والإضرار بالمنشآت الطبية وتدمير البنية التحتية، بما في ذلك مطار طرابلس الرئيسي».

ودعت «هيومن رايتس ووتش» في أكتوبر 2014 الممثل الخاص للأمم المتحدة المكلف بالإشراف على محادثات الوساطة بين الفصائل المختلفة، برناردينو ليون، لضمان جعل المساءلة عن الجرائم الخطيرة جزءًا لا يتجزأ من الحل. وقالت هيومن رايتس ووتش إن الاتفاق النهائي حول الأزمة العسكرية والسياسية في ليبيا يجب أن يتطرق إلى ضرورة تحقيق العدالة في الانتهاكات الخطيرة حتى يكون حلاً دائمًا.

ومنذ 2011، قامت هيومن رايتس ووتش بتوثيق انتهاكات خطيرة أخرى للقانون الدولي، منها الاحتجاز التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري والقتل خارج نطاق القانون. وكانت العديد من تلك الانتهاكات منظمة ومنتشرة على نطاق واسع، مما يجعلها ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.

توسيع نطاق التحقيقات
وقالت هيومن رايتس ووتش إن السلطات الليبية أخفقت في فتح تحقيقات وملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة. بينما تعاني المؤسسات الليبية، خاصة السلطة القضائية، حالة انهيار شبه تام، حيث علقت عديد المحاكم عملها بسبب استهداف القضاة والمدعين العامين، وتدهور الوضع الأمني العام.

وذكرت المنظمة الدولية أن صمت السلطات عن الجرائم المتصاعدة تسبب في توليد ثقافة الإفلات من العقاب، وساعد على تمهيد الظروف لفوضى الميليشيات التي تشهدها ليبيا اليوم.

ودعت «هيومن رايتس ووتش» في خطاب بتاريخ 5 نوفمبر 2014 رئيسة مكتب الادعاء، فاتو بنسودا، إلى ضرورة أن تضيف إلى نطاق تحقيقاتها انتهاكات خطيرة أخرى مستمرة ترتكبها أطراف أخرى في ليبيا، عوض الاقتصار على القضايا التي تعود إلى سنة 2011 المتعلقة بمسؤولين سابقين في حكومة القذافي. ورغم أن لدى بنسودا صلاحية النظر في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وأعمال الإبادة العرقية المرتكبة في ليبيا منذ 15 فبراير 2011، لكنَّها لم تفتح أي تحقيقات إضافية، وعللت ذلك بانعدام الأمن في ليبيا وقلة الموارد التي حالت دون أن يقوم مكتبها بأعمال أكبر هناك.

مسؤولو النظام السابق
وقالت هيومن رايتس ووتش إن مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بصدد التحقيق في قضايا بثمانية بلدان، وهو يُواجه صعوبات في التعامل مع هذا الكم الهائل من العمل. بينما يتوقع من بنسودا أن تقدم عرضًا محينًا حول تحقيقاتها في ليبيا. وكانت القضية الأولى التي نظر فيها مكتب المدعي العام قد تطرقت إلى ملفات معمر القذافي، الذي تعرَّض إلى القتل ونجله سيف الإسلام، إضافة إلى مدير مخابراته عبدالله السنوسي.

مازالت ليبيا لم تسلم سيف الإسلام القذافي إلى المحكمة الجنائية الدولية، رغم صدور قرار عن مجلس الأمن يقضي بالتعاون مع المحكمة التي طالبت بتسليمه لها. وسيف الإسلام مطلوب من قبل المحكمة الجنائية الدولية بسبب ارتكاب جرائم ضد الإنسانية ولدوره المزعوم في شن هجمات على مدنيين، منهم متظاهرون سلميون، أثناء الانتفاضة التي شهدتها البلاد في 2011.

في 24 يوليو 2014، أيّد قضاة المحكمة الجنائية الدولية قرارًا سابقًا بالموافقة على اعتراض تقدمت به ليبيا من أجل محاكمة السنوسي على أراضيها. ويواجه عبدالله السنوسي، وكذلك سيف الإسلام و35 شخصًا آخر محاكمة في ليبيا بتهم عديدة، منها محاولة إخماد انتفاضة 2011.

وفي يناير 2014، خلص تحقيق أجرته هيومن رايتس ووتش إلى أن ليبيا أخفقت في احترام الحقوق الأساسية لعبدالله السنوسي وسيف الإسلام ومتهمين آخرين فيما يتعلق بسلامة الإجراءات. وفي فبراير 2015، ذكر تقرير للأمم المتحدة بشأن حقوق الإنسان وجود مخاوف من أن تخفق المحاكمة في احترام المعايير الدولية الأساسية.