دعا المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية صُنَّاع السياسة الأوروبيين للنظر إلى الاحتجاجات الحالية في ليبيا كفرصة نادرة للضغط من أجل إحداث التغيير في بيئة سياسية راكدة منذ فترة طويلة، معتبرًا أن الاحتجاجات التي انطلقت الجمعة الماضية مبشرة على أن التغيير قادم في ليبيا لا محالة. كما دعا المجلس في الوقت ذاته إلى اختيار دولة محايدة للإشراف على وضع قانوني وأساس دستوري للانتخابات.
وبعد أيام فقط من انتهاء الجدول الزمني لخارطة الطريق الموضوعة بإشراف الأمم المتحدة والممتدة لـ18 شهرًا دون إجراء الانتخابات كان من المفترض أن يقوم الليبيون بتشكيل حكومة جديدة. وبدلا من ذلك احترق مساء الأول من يوليو مبنى مجلس النواب، بينما كان البعض يرقصون احتفالًا حوله، حسبما يقول المحلل والباحث طارق المجريسي من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.
وأضاف المجريسي أن الاحتجاجات تجري الآن في جميع أنحاء البلاد وستستمر في التصاعد؛ بل هناك خطر كبير لحدوث صراع آخر، وتزايد نسبة انهيار الدولة، مع الإغلاق المطول لحقول النفط الليبية، واحتمال تدخل روسي أعمق إذا عادت ليبيا إلى الفوضى. ولفت إلى أن الليبيين «يطالبون باستبدال الطبقة السياسية بأكملها بحكومة تكون فاعلة، كما أن اعتقادهم في قدرة الأمم المتحدة على مساعدتهم من أجل تحقيق ذلك تلاشى».
فرصة نادرة
ويعتقد تقرير المجلس الأوروبي أن الأزمة تتكشف على أعتاب الاتحاد الأوروبي الذي يظل منشغلًا بشكل مفهوم بحرب روسيا على أوكرانيا، لكنه حث صانعي السياسة الأوروبيين على التعامل مع هذا الوضع باعتباره فرصة نادرة للضغط من أجل التغيير في بيئة سياسية راكدة لفترة طويلة.
وتابع المجلس: «وإذا كان بإمكان الأوروبيين المساعدة في إحداث التغيير الذي يطالب به الليبيون، فيمكنهم إضعاف مصالح روسيا، وتحقيق الاستقرار في طريق رئيسي للطاقة بين شمال أفريقيا وأوروبا، وتحويل مصدر عدم الاستقرار إلى شريك مهم».
ومع ذلك، وفي حين أن المتظاهرين لديهم قضية مشتركة، إلا أنهم «لا يشكلون حركة تنظيم جيدة ومتماسكة قادرة على إحداث التغيير بأنفسهم»، حسبما يقول المجريسي، مضيفًا أنهم يمثلون خليطًا من المجتمع الليبي وتعبيرًا عن انفجار جماعي وحالة من السخط على أوضاع بلدهم.
رفض وليامز
واستحضر المجريسي العلامة الرمزية المتداولة خلال حرق مبنى البرلمان التي تصور المستشارة الأممية ستيفاني وليامز بعلامة «إكس» حمراء، قائلًا إن هذه الصورة حملها أيضًا متظاهرون في طرابلس جنبًا إلى جنب مع صور مماثلة للنخب السياسية الليبية، معتبرًا أن ذلك يؤكد عدم الثقة في ممثلي الأمم المتحدة.
ويرى المجلس الأوروبي أن معظم الليبيين بات ينظر إلى أن «الوسيط التقليدي لخلافاتهم، أي الأمم المتحدة، ساعد في هندسة الكارثة التي يواجهونها، كما فقدوا الثقة في كل شخصية ومؤسسة سيادية رئيسية».
للاطلاع على العدد المزدوج «346 ـ347» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
- تقرير فرنسي: الليبيون يعيشون مفارقات أغنى دولة وارتفاع مستوى الفقر
- تنسيقية الأحزاب والتكتلات تطالب بحماية المتظاهرين والاستماع إلى «الإرادة الشعبية»
وأشار إلى آمال البعض بأن يتمكن المجلس الرئاسي من حل الأوضاع، مضيفًا «لكنه غالبًا ما يتعرض للتهميش من الناحية العملية، مع دعوة البعض إلى أن يسن هذا المجلس قانون الانتخابات ويضع المسار الدستوري للانتخابات؛ لكن سرعان ما تلاشت هذه الفكرة، فيما يخطط المتظاهرون للانخراط في عصيان مدني ومزيد الاحتجاجات لجعل أصواتهم مسموعة».
ردود كوميدية
في غضون ذلك، تعاملت النخب السياسية بطريقة كوميدية لكنها كانت متوقعة؛ إذ إن كل فاعل رئيسي مثل رئيس حكومة الوحدة الوطنية الموقتة ورئيس مجلس النواب والناطق باسم الجيش الليبي تنصلوا من مسؤوليتهم عن الوضع، وحاولوا استمالة حركة الاحتجاج، وتعزيز قبضتهم على السلطة من خلال القول بأن لديهم الحل للأزمة.
ومع تصادم القوة المتزايدة للغضب العام مع الجشع الذي يبدو ثابتًا للنخب الليبية، أكد الباحث المجريسي أن أي حل سيتطلب بعض الدعم الدولي، ونظرًا لانهيار مصداقية الأمم المتحدة، فإن الدول التي لها وجود بالفعل في ليبيا - مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة - ستحتاج إلى القيام بدور مباشر أكثر في إدارة التغييرات المقبلة.
وواصل: «يمكن أن تكون الاحتجاجات «نعمة مقنّعة للأوربيين إذ لطالما كان انهيار ليبيا مشكلة بالنسبة لأوروبا، مما أدى إلى سلسلة من الأزمات الأمنية، وزعزعة استقرار الدول المجاورة، وخلق فرص للمنافسين الجيوسياسيين لزيادة نفوذهم في أفريقيا والبحر الأبيض المتوسط»، مشيرًا إلى إصابة العديد من صانعي السياسة الأوروبيين بالإحباط بسبب عناد القادة السياسيين الليبيين.
قانوني انتخابي وأساس دستوري
وزيادة على ذلك، لفت المجلس الأوروبي إلى أن ليبيا تحتاج إلى قانون انتخابي وأساس دستوري لمجموعة جديدة من المؤسسات التي يمكنها إكمال الانتقال السياسي المتعثر، إضافة إلى «برنامج أمني موثوق به لتوفير فرص عمل مربحة للميليشيات وبالتالي ثنيهم عن خدمة الشخصيات السياسية الفاسدة، وكذلك آلية مالية يمكن أن تمنع الفساد بين النخب الليبية من تخريب مشاريع إعادة الإعمار الحيوية، مثل مشروع شبكة الكهرباء».
وعلى الصعيد الاقتصادي، قال المجلس إن الليبيين يمكنهم الاستفادة من آلية «مستفيد» التي طرحتها الولايات المتحدة لإدارة الإيرادات النفطية، وتسيير ميزانية البلاد.
وأخيرًا، دعا المجلس إلى ضرورة تحديد دولة محايدة يمكنها استضافة ومساعدة لجنة قانونية ليبية للإشراف على صياغة القانون الانتخابي المطلوب والأساس الدستوري، حيث ستساعد هذه الدولة أيضا اللجنة في التشاور مع الدوائر الليبية ذات الصلة، مع التركيز على ضرورة أن يكون هناك إحساس بأن العملية الانتخابية المقبلة ستكون ملكًا لليبيين وحدهم. كما يرى المجلس أن «التغيير قادم بسرعة في ليبيا، ففي حين أن مبنى البرلمان المحترق قد يبدو علامة تنذر بالسوء، إلا أنه قد يرمز إلى نهاية النخب الطفيلية».
تعليقات