جريدة «الوسط»: تحديات تنتظر حكومة الدبيبة.. الخدمات و«كورونا» والانتخابات

رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح عقب نيل الحكومة الثقة، 10 مارس 2021. (الإنترنت)

أخيراً أصبح لليبيا حكومة واحدة، تحت مسمى «حكومة الوحدة الوطنية»، بعد انعقاد لم يألفه مجلس النواب الليبي منذ ست سنوات تقريباً بفعل الانقسامات التي آلت إليها الحالة الليبية، وانعقدت جلسة منح الثقة للحكومة الجديدة التي أنتجها الحوار السياسي الليبي، بدءاً من لقاء تونس قبل ثلاثة أشهر إلى اختيار الحكومة بجنيف في السادس من فبراير الماضي، ثم جلسة البرلمان التي انعقدت لأول مرة طوال فترة الانقسام مكتملة النصاب، بحضور أكثر من 130 نائباً، سبقها جدل واسع وتكهنات كثيرة بشأن إمكانية انعقادها بهذا العدد، خصوصاً فيما يتعلق بمكان انعقادها، وهو مدينة سرت.

أما المطب الذي واجه الجلسة، إلى درجة التهديد بنسفها ونسف الحكومة، فهو ما جرى تسريبه حول تقرير لجنة الخبراء التابعة للجنة العقوبات بالأمم المتحدة بشأن التحقيق في مزاعم رشاوى جرى الإبلاغ عنها تتعلق بأعضاء لجنة الحوار خلال اجتماع تونس، ما فسره البعض بأنه يحمل إشارات نحو اتهام رئيس الحكومة الجديدة، عبدالحميد الدبيبة، رغم أن ما سرب من التقرير لم يشر إلى أسماء بعينها، ومن المقرر أن يصدر التقرير رسمياً يوم 15 مارس الجاري، ما دفع البعض إلى المطالبة بأن تؤجل جلسة منح الثقة إلى ما بعد صدور التقرير لإظهار الحقيقة، لكن يبدو أن تدخلات من رعاة الحوار ضغطت باتجاه وجوب فصل المسار السياسي وتحديد جلسة منح الثقة عن موضوع التقرير، وهو ما حدث، وانعقدت الجلسة ومنح النواب حكومة الدبيبة الثقة في وقت سريع لم يكن يتوقعه أكثر المتابعين للشأن الليبي تفاؤلاً.

وبين تشكيلة وزارية حملت أسماء جدلية وعدداً موسعاً للحقائب، فتح رئيس الحكومة المكلف عبدالحميد الدبيبة باب التدخل أمام النواب في تشكيل حكومته أكثر مما يجب، وبدا كأنه فتح النار على نفسه حين خاطب 132 نائباً من أصل 188، كاشفاً أنه لم يختر في تشكيلته سوى وزير واحد، أما باقي الوزراء فقد تم اختيارهم بناء على تزكيات من النواب ليعطي بذلك للهيئة التشريعية سلطة أكبر من حجمها، ما قد يسمح لأعضائها بالتحكم، حيث جوبه بانتقادات الكثيرين على اعتبار أن أمر تشكيل الحكومة من اختصاصه وحده، وأنه بتصرفه هذا فتح الباب واسعاً أيضاً أمام المحاصصة؛ ما تسبب في توسيع الحكومة لتصل إلى 27 وزيراً وستة وزراء دولة في البداية، لتنتهي بـ29 وزيراً وستة وزراء دولة، لكن اتضح فيما بعد أن ما فعله الدبيبة كان تكتيكاً ناجحاً، إذ رمى الكرة في ملعب النواب وظهروا خلال النقاش كأنهم المسؤولون عن التوسع في عدد الحقائب الوزارية الذي جاء نتاجاً للمحاصصة.

اضغط هنا للاطلاع على العدد 277 من جريدة «الوسط»

الدبيبة يتبع نهج «ترضية» أعضاء البرلمان
متابعون للشأن الليبي أرجعوا أيضاً اتباع عبدالحميد الدبيبة نهج ترضية أعضاء البرلمان حرصاً منه على الحصول على ثقتهم، مع أنه كانت في يده ورقة ضغط أخرى تتمثل في ملتقى الحوار السياسي في حال فشل في نيل الشرعية من النواب، خصوصاً أنه اعترف بـ«الصعوبات والضغوطات التي اعترضته خلال فترة تشكيل الحكومة»، مشيراً إلى أن المحاصصة والتوازنات فرضت نفسها.

واختار الدبيبة حلاً وسطاً للأزمة التي واجهته في تسمية حقيبة وزارة الدفاع بسبب الانقسام الذي عليه مؤسسة الجيش الليبي، فاحتفظ بالمنصب لنفسه بشكل موقت.

وتنتظر الحكومة الجديدة ثلاثة تحديات رئيسة، هي حل أزمة الخدمات، وعلى رأسها أزمة الكهرباء ونقص السيولة النقدية، والتمهيد للاستحقاق الانتخابي المحدد له 24 ديسمبر من العام الجاري، ثم مواجهة جائحة «كورونا» وتحديداً بتوفير اللقاح للمواطنين، إلى جانب ملفي المرتزقة في ليبيا، والمصالحة الوطنية وتوحيد المؤسسة العسكرية.

وأثير جدل مواز مع مناقشات تعديل الحكومة، بعدما طلب مجلس النواب من اللجنة التشريعية تقديم مقترح بشأن تضمين الخريطة السياسية المنبثقة عن ملتقى الحوار السياسي في الإعلان الدستوري أو الدستور الموقت لليبيا. وأرسل المجلس الأعلى للدولة رسالة إلى رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، دعاه خلالها للتشاور معه قبل إدخال أي تعديل على الاتفاق السياسي، وذلك «تفادياً للطعون الدستورية التي قد تلحق التعديلات المنفردة المزمع إجراؤها» وفق الرسالة.

وبرزت خلال مناقشات مجلس النواب مع رئيس الحكومة الجديد مسألة وجود القوات الأجنبية (المرتزقة) في ليبيا، وموقف هذه الحكومة مستقبلاً من هذا الملف، الذي أشار الناطق باسم الدبيبة إلى أنه ملف يتطلب التعامل معه بروية جراء تشعبه داخلياً وخارجياً، وقدرت المبعوثة الأممية السابقة بالإنابة، ستيفاني وليامز، عدد تلك القوات بنحو 20 ألفاً، مع وجود عشر قواعد عسكرية، في مختلف أنحاء البلاد.

تصور أوروبي لمشروع مصالحة في ليبيا
في هذه الأثناء لم يتوقف تواصل الأطراف الدولية مع الحالة الليبية، خصوصاً الأوروبية منها، إذ بادر الاتحاد الأوروبي بطرح تصور يتضمن مشروع مصالحة مستقبلياً في ليبيا أعلنته وزارة الخارجية في حكومة الوفاق الوطني، الثلاثاء، موضحة أن الوزير محمد الطاهر سيالة استقبل في مكتبه بديوان الوزارة، رامون بليكوا، بصفته مبعوث الاتحاد الأوروبي إلى ليبيا ومبعوث وزيرة الخارجية الإسبانية لشؤون حوار الثقافات، والسفير الإسباني لدى ليبيا خافيير غارثيا لاراتشي، ونائبه خورخي أبيلا ليثيرنثو.

اضغط هنا للاطلاع على العدد 277 من جريدة «الوسط»
وأوضحت الوزارة أن المبعوث الأوروبي استعرض الخطوط العريضة لتصور المشروع، وأنه يركز على «الربط بين التنمية والأمن، ومنع نشوب النزاعات بين الأطراف الليبية لتعزيز نظام ديمقراطي وشامل».

بدورهما اتفق وزيرا خارجية روسيا سيرغي لافروف، ومصر سامح شكري، خلال محادثات هاتفية يوم الثلاثاء على الحاجة إلى تكثيف الجهود الدولية تحت رعاية الأمم المتحدة لتعزيز تطبيع الوضع في ليبيا في أقرب وقت ممكن، وتشكيل سلطات ليبية دائمة وفق بيان للخارجية الروسية. وفي الوقت نفسه، تم الإعراب عن الأمل في أن تتمكن القيادة الليبية الانتقالية من توحيد هياكل الدولة والمؤسسات المالية والاقتصادية على أساس مبادئ ضمان وحدة أراضي ليبيا وسيادتها في وقت قصير.

واعتبر وزير الدفاع الإيطالي، لورنزو جويريني، خلال جلسة استماع لدى لجنتي الدفاع بمجلسي الشيوخ والنواب مساء الثلاثاء أن تحقيق الاستقرار في ليبيا ما زال يمثل «أولوية استراتيجية» لبلاده.

ما ينتظره الليبيون الآن ومعهم المتابعون للشأن الليبي هو أن ينتهي الفصل الأخير من إنجاز الحكومة الواحدة، وهو مشهد التسليم والتسلم بين المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق والمجلس الرئاسي الجديد، وبين كل من رئيس حكومة الوفاق، فائز السراج، ورئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبدالحميد الدبيبة، كدلالة رمزية مهمة على التداول السلمي للسلطة، هذا المشهد الذي غاب منذ تسليم رئيس الحكومة الانتقالية الأسبق، الراحل عبدالرحيم الكيب السلطة إلى خلفه علي زيدان، فيما ينتظر أن يؤدي رئيس وأعضاء الحكومة الجديدة اليمين الإثنين المقبل.

المزيد من بوابة الوسط