معهد أميركي: بايدن بحاجة إلى التنصل من إرث سياسة أوباما في حالة ليبيا

الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن. (أرشيفية: الإنترنت)

أوصى معهد «كاتو» الأميركي في تقرير له إدارة جو بايدن المقرر أن تتسلم مهامها بعد أيام بضرورة رفض الآراء الداعية إلى إعادة الانخراط في مستنقع ليبيا، حتى تتجنب تكرار سياسة سابقه باراك أوباما، داعيا الرئيس المنتخب إلى الضغط على الدول الأخرى خصوصا تركيا لممارسة ضبط النفس في البلاد.

وقال المعهد الأميركي وهو مركز أبحاث ليبرالي مقره في واشنطن، الثلاثاء، إن الرئيس جو بايدن عليه إنتاج سجل بناء في السياسة الخارجية، من خلال نبذ الكثير من إرث إدارتي أوباما وترامب السابقتين. معتبرا التدخلات العسكرية لواشنطن وحروب تغيير النظام لم تفعل شيئًا سوى إحداث الفوضى من البوسنة وكوسوفو إلى العراق وسورية واليمن متسببة في معاناة إنسانية هائلة، وتعد ليبيا مثالا بارزا على ذلك.

ويشير المركز الأميركي إلى نموذج حكم «ديكتاتور البلاد» معمر القذافي حسب وصفها، الذي امتاز بتفشي الفساد والقمع كسمات من حكمه. ومع ذلك، كان القذافي قادرًا على الحفاظ على قدر ضئيل من الاستقرار والنظام، وكانت ليبيا مجتمعًا حديثًا مع تنعمه بقدر من الازدهار.

ليبيا مثل العديد من المستعمرات الأوروبية السابقة
ومع ذلك يرى «كاتو» أن ليبيا مثلها مثل العديد من المستعمرات السابقة للقوى الأوروبية كانت كيانًا هشًّا مع بعض الانقسامات المجتمعية والسياسية الرئيسية. إذ تقاتلت القبائل المتنافسة في الأجزاء الغربية والشرقية من البلاد بشكل متكرر.

وعندما اندلعت حركات تمرد دورية أخرى في أوائل العام 2011، قررت إدارة باراك أوباما جنبًا إلى جنب مع العديد من الأعضاء الأوروبيين في «الناتو»، مساعدة المتمردين بشرق البلاد في تمردهم. على الرغم من أنه تم إخفاؤه كجهد إنساني بحت لحماية المدنيين، إلا أن التدخل العسكري سرعان ما أصبح حربًا صارخة لتغيير النظام، ونجح على المدى القصير، حيث أطاح المتمردون القذافي وقتلوه.

وأعرب المسؤولون الأميركيون عن ارتياحهم الكبير لإنجازات الناتو لكن باختصار، خلقت إدارة أوباما فوضى سياسية هائلة ومأساة إنسانية في ليبيا، وفق تعليق مركز «كاتو».

أما أوباما فقد كان أكثر حدة في تعليقاته، لكن تقييمه لحملة تغيير النظام كان إيجابيا وكان ينضح بالتفاؤل بشأن مستقبل ليبيا. وعشية انتصار «الثوار»، قال الرئيس الأميركي إن «طرابلس تنزلق من قبضة طاغية، ويُظهر شعب ليبيا أن السعي العالمي لتحقيق الكرامة والحرية أقوى بكثير من القبضة الحديدية لديكتاتور». وبعد وفاة القذافي، أكد أوباما أن «الظل المظلم للطغيان قد أزيل من ليبيا».

لتكون العواقب الفعلية مختلفة بشكل مرعب بعدما انزلقت ليبيا في فوضى دامية، حيث تنافست العديد من الميليشيات -بعضها ذو توجهات إسلامية مؤكدة- على السلطة. وتلقت بعدها إدارة أوباما في سبتمبر 2012 ضربة قاسية بمهاجمة إحدى تلك الميليشيات القنصلية الأميركية في بنغازي، مما أسفر عن مقتل السفير كريستوفر ستيفنز وثلاثة أميركيين آخرين. كما أصبح مئات الآلاف من الليبيين لاجئين، حيث حاول الكثير منهم يائسًا الوصول إلى ملاذ في أوروبا عن طريق تحدي مياه البحر الأبيض المتوسط في قوارب مكتظة وماتوا خلال المحاولة.

ليبيا الصومال الجديد
ويضيف التقرير الأميركي أنه بدلا من بلد مستقر، وإن كان قمعيا، أصبحت ليبيا الصومال الجديد على عتبة البحر الأبيض المتوسط.

وبعد سنوات اندمج القتال في صراع على السلطة بين كيانين متنافسين، حكومة الوفاق الوطني والجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر. فيما ليبيا أصبحت بشكل متزايد اللعبة الجيوسياسية للقوى الخارجية بين مصر وروسيا وتركيا.

وذكر مركز «كاتو» أنه من باب الإنصاف، عارض جو بايدن بدء التدخل العسكري. ففي مذكراتهما، أكد كل من وزير دفاع أوباما، روبرت جيتس، ونائبه مستشار الأمن القومي، بن رودس، هذه النقطة. ويتذكر الأخير اجتماعا مهما للرئيس أوباما وفريق سياسته الخارجية، «قال بايدن إن التدخل كان، في الأساس، جنونًا - فلماذا يجب أن نتورط في حرب أخرى في دولة ذات أغلبية مسلمة؟»، إذ يجب على الرئيس الجديد أن يلتزم بشدة بممارسة هذا الحذر الحكيم عندما يتولى منصبه.

على بايدن رفض إعادة الانخراط في ليبيا
وبشكل عام لم تأخذ إدارة دونالد ترامب على الأقل الطعم من مجموعة من المتدخلين ذوي النوايا الحسنة والتدخل الأميركي العميق. ومن بين هذه النصائح التي تلقاها ترامب «والتي سيتلقاها بايدن بالتأكيد» تعليقات كاتب عمود في جريدة «واشنطن بوست» جوش روجين الذي يقول إنه «بغض النظر عن رأيك في قرار الرئيس باراك أوباما بالتدخل عسكريا في ليبيا في العام 2011، فإن الحقيقة هي أن الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية التأكد من أن هذا البلد لديه أفضل فرصة ممكنة لتحقيق الاستقرار والديمقراطية، ويظل شريكنا في مكافحة الإرهاب، لكن إدارة ترامب مفقودة في العمل على ذلك».

وتعليقا على ذلك يدعو «كاتو» إلى ضرورة رفض بايدن مثل هذه الآراء. إذ آخر شيء تحتاجه أميركا هو إعادة الانخراط في مستنقع ليبيا. مؤكدا تسبب المسؤولين الأميركيين بالفعل في الكثير من المعاناة لليبيين. بل أفضل ما يمكن أن تفعله واشنطن الآن هو عدم جعل الأمور أسوأ، وحث الدول الأخرى، خصوصا تركيا حليفة «الناتو»، على ممارسة ضبط نفس مماثل.

وأخيرًا ينصح التقرير الأميركي بإقرار بايدن صراحةً مدى الضرر الذي ألحقته إدارة أوباما وأن يوضح أنه لن يكون هناك تكرار لمثل هذه الحماقة في ليبيا أو في أي مكان آخر.

المزيد من بوابة الوسط