تحصيل الأموال أو اقتناص عقود جديدة.. «ديون وتعويضات» تحفز القوى الكبرى للضغط على ليبيا

اجتماع سابق لحكومة الوفاق مع الحكومة التركية في إسطنبول. الأحد 4 أكتوبر 2020. (حكومة الوفاق)

توفر ديون سابقة تطالب بها شركات أجنبية نفذت عدة عقود قبل العام 2011 وبعده، «حافزا» للقوى الدولية الكبرى لـ«الضغط على» السلطات الليبية بتحصيل الأموال أو استكمال المشاريع المتوقفة واقتناص عقود جديدة، وهو ما كشفته كواليس المشاورات الإيطالية والروسية، وقبلها المساعي التركية.

ولدى كل من إيطاليا وروسيا وتركيا والصين عقود بمليارات الدولارات مع النظام السابق، وفي بعض الحالات مع الحكومات الليبية بعد ثورة 2011، ولم يتجرع هؤلاء «مرارة الخسارة الكلية» لهذه العقود، لذلك أحيت الشركات الأجنبية ملف «التعويضات»، التي تطالب بها عن تلف معدات، ومواد، ونقل عمال، وفرص ضائعة، وخسائر مختلفة.

وإلى غاية 2019 سددت حكومة الوفاق 40 مليار دينار ليبي من قيمة العقود البالغة 126 مليار دينار، التي كانت تستهدف تنفيذ مشاريع تنموية، فيما لا تمثل القيمة المتبقية «دَينا» على الدولة الليبية، حسب مسؤولين بالمجلس الرئاسي، وإنما تأتي مقابل أعمال لم يجر تنفيذها بسبب حالة «القوة القاهرة»، والاضطرابات الأمنية والسياسية.

إيطاليا تفاوض «الوفاق» للاعتراف بمستحقات ما بعد 2011
وبينما ذاع خبر الإعلان عن الإفراج عن الصيادين الصقليين في بنغازي، انعقد في الوقت ذاته الاجتماع الأول للجنة الفنية الاقتصادية الإيطالية المشتركة مع حكومة الوفاق عبر تقنية الفيديو.

وأفادت بعدها وزارة الخارجية، في بيان، بأن اللجنة عقدت اللقاء لمناقشة حل الديون المستحقة على الدولة الليبية لصالح الشركات الإيطالية، دون أن تذكر تفاصيل عن النتائج التي ترتبت عنه. كما لم يرد في البيان حجم الديون موضوع النقاش. لكن كاتب الدولة لدى وزارة الشؤون الخارجية الإيطالية مانليو دي ستيفانو، الذي شارك في الاجتماع كشف عن اتفاق على دفع ديون سابقة تطالب بها شركات إيطالية نفذت عدة عقود قبل العام 2011.

وتبلغ قيمة هذه الديون نحو 323 مليون دولار سبق أن تم الاتفاق عليها مع حكومة علي زيدان، بينما سيتعين فتح مفاوضات جديدة للاعتراف بالمستحقات لما بعد العام 2011، والتي تتراوح ما بين 50 و100 مليون يورو.

أما الطريق الساحلي السريع البالغ كلفته خمسة مليارات دولار، فسينتظر حتى خريف العام المقبل ليرى الانطلاقة الفعلية لأشغال الإنجاز وفق المسؤول الإيطالي، مضيفا أن هذا الطريق السريع «قد يأخذ قيمة رمزية للغاية كنوع من الطريق السريع للسلام» لتوحيد شرق وغرب ليبيا.

وكشف دي ستيفانو عن طرح مناقصة خلال الصيف القادم للشركات الإيطالية لإنجاز 400 كيلومتر من الأشغال من مصراتة إلى رأس اجدير، بالقرب من الحدود مع تونس. ومن المتوقع أن يكون الغلاف المالي للمشروع نحو 1.5 مليار دولار، لكن بدء الأعمال مشروط بإزالة الألغام وسلامة الطريق.

وتسابق روما الزمن لـ«استعادة نفوذها الاقتصادي بمواجهة التمدد التركي والنفوذ الروسي»، خصوصا أن المبادلات التجارية مع ليبيا تراجعت من 15 مليار يورو في العام 2012 إلى ستة مليارات دولار العام 2019، حسب متابعين.

روسيا تستأنف تحصيل سبعة مليارات من «تات نفط»
ولا يقارن حاصل ما يقع من ديون الشركات الروسية على عاتق ليبيا مع الإيطاليين، وعلى مدى سنوات سعت موسكو إلى إبرام اتفاق مع الحكومات المتعاقبة لتسديد كامل الديون المتراكمة على ليبيا منذ عهد الاتحاد السوفياتي، التي تقدر بسبعة مليارات دولار، إضافة إلى إعطاء تسهيلات للشركات الروسية للتنقيب عن النفط والغاز.

وبعد أيام من إطلاق حكومة الوفاق عميلين روسيين احتجزتهما لأشهر، فتحت الخطوة الباب أمام موسكو لمحاولة استعادة موقعها في قطاع الطاقة في ليبيا، ولا سيما أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، «اشترط» على رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، الإفراج عن مواطنيه للتوصل لأي تفاهمات بين موسكو وطرابلس. وبالفعل أبدت شركة إنتاج النفط الروسية «تات نفط» اعتزامها بدء عمليات الإنتاج والتنقيب في عديد المواقع في ليبيا بعد توقف أنشطتها إثر أحداث ثورة 17 فبراير 2011.

وكشف رئيس مجلس إدارة الشركة النفطية متوسطة الحجم رستم مينيخانوف، أن ضمن المشاريع، التي تنوي الشركة بدءها، «أربع رقع استكشافية في ليبيا»، وتشير التوقعات إلى أن إجمالي الإنتاج من تلك المشاريع يبلغ نحو 50 مليون طن.

وفي العام 2005، حصلت الشركة الروسية على عقد امتياز تطوير حقل في غدامس، قبل أن تفوز بثلاثة حقول أخرى في غدامس وسرت في العام 2006، كجزء من اتفاقية مشاركة الإنتاج. ومع ذلك توقفت جميع أعمال الاستكشاف في مارس 2011؛ بسبب العمليات العسكرية في البلاد، كما تم إجلاء موظفي الشركة.

وبعد عامين، حاولت الشركة العودة إلى ليبيا لكنها اضطرت إلى المغادرة مرة أخرى في العام 2014؛ بسبب تصاعد التوترات العسكرية.

وحسب متابعين، تتطلع روسيا من وراء «محاولة مسك العصا من المنتصف» في حل النزاع الليبي، إلى الحصول على موارد الطاقة والموانئ، وهو الاتجاه، الذي يستمر في توجيه تفكير الكرملين، بعدما كلّفت الحملة بقيادة حلف «الناتو» في ليبيا العام 2011 روسيا مكانتها، وهي التي أنفقت مليارات الدولارات على عشرات العقود.

اجتماع تركي- ليبي قريبا لتقييم إتمام مشاريع غير مكتملة
وقد تكون شريكتها في «اقتسام» النفوذ داخل ليبيا، تركيا «أكثر تسرعا» في عقد تفاهمات مع حكومة الوفاق بهدف استمرارية المشاريع التركية غير المكتملة، وحل المشكلات التي واجهتها مشاريع البناء المنفذة في ليبيا التي توقفت ولم تتمكن من تحصيل مستحقاتها.
وتفيد إحصائيات رسمية في أنقرة أن القيمة الإجمالية لتلك المشاريع تبلغ 19 مليار دولار في ليبيا، في حين تبلغ الذمم المدينة غير المحصلة مليار دولار، ومبلغ الضمان 1.7 مليار دولار، وخسائر أخرى بنحو 1.3 مليار دولار.

- «رويترز»: تركيا تستعد لتوقيع اتفاق مع ليبيا بشأن تعويضات تتعلق بعهد القذافي

وقبل ثلاثة أشهر وتحديدا في 24 سبتمبر الماضي، دخلت اتفاقية اقتصادية موقعة بين حكومة الوفاق وأنقرة حيز التنفيذ، ورسمت خارطة طريق لمدة عام واحد للشركات التركية لتحصيل المستحقات غير المسددة عن طريق إتمام مشاريعها التجارية غير المكتملة، تمهيدا لمشاريع في مجالات البنى التحتية والكهرباء.

وسيجتمع مسؤولو البلدين معا قريبا لتقييم العملية، ويؤكد مسؤولون أتراك أن حجم مشروع قطاع البناء التركي وصل إلى 29 مليار دولار قبل توقف الأشغال في ليبيا، كما تعد ليبيا ثالث أكبر سوق لقطاع البناء التركي.

الصين تحاول إعادة تشكيل نهجها في ليبيا
وعلى عكس روسيا وتركيا، فإن حرص الصين باعتبارها دولة تحافظ على قدر من الحياد، وعدم الانحياز إلى أي طرف في الصراع الليبي يضعها في موقف قوي لإبرام صفقات مع أيّ حكومة تتولى زمام السلطة مستقبلا.

وأبرمت الصين عقودا قبل الحرب بما يناهز 20 مليار دولار، وانخرطت في أنشطة البنية التحتية المختلفة، وبحلول العام 2011، كان لديها 75 شركة في ليبيا، شملت أنشطتها 36 ألف عامل صيني يعملون في 50 مشروعا، بدءا من البناء السكني، والسكك الحديدية إلى الاتصالات السلكية واللاسلكية، ومشروعات الطاقة الكهرومائية.

ولتجنب فقدان مشاركتها في الاختراق الاقتصادي، تحاول الصين خلال السنوات الأخيرة إعادة تشكيل نهجها للتكيف مع الظروف المتغيرة لتعظيم مكاسبها إلى أقصى درجة، مع مراعاة النتيجة غير المعروفة للصراع.

وفي 2018 وقَّعت شركة النفط الحكومية الصينية عقدا كبيرا مع المؤسسة الوطنية الليبية للنفط بهدف مساعدة ليبيا على زيادة إنتاجها من النفط. والأهم من ذلك، كانت الشركات الصينية منخرطة بشدة في صناعة النفط الليبية، بخلاف الواردات، وفي العام 2010، كانت ليبيا توفر 3% من إمدادات النفط الخام في الصين، أي 3% من الإمداد لثاني أكبر مستهلك في العالم، الذي يشكل ما يقرب من 150 ألف برميل يوميا، أو عُشر صادرات ليبيا الخام.

المزيد من بوابة الوسط