مذكرة التفاهم تؤجج السجال التركي اليوناني وتلوح بالسيناريو السوري في ليبيا

مازالت مذكرة التفاهم بين حكومة الوفاق وتركيا تثير الجدل والتجاذب السياسي، لتشعل سجالًا سياسيًّا في المواقف والتحركات بين أنقرة وأثينا، تحمل شعار «لا تراجع ولا استسلام»، بما يؤشر - وفق مراقبين - نحو مزيد من تعقيد المشهد الليبي، الذي بلغ مداه باستدعاء الحديث عن سورية في خضم التطور الأخير بالمشهد الليبي.

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أعاد التأكيد، الأحد، على تمسك بلاده بالمضي قدمًا في تفعيل مذكرتي التفاهم، قاطعًا خط الرجعة على أية محاولات لإثناء بلاده عن خطواتها في «شرق المتوسط» بالحديث عن أن التخلي عن الإجراءات التي بدأها مع قبرص التركية وليبيا يعني أن اليونان وداعميها لن يتركوا للأتراك أي ساحل يدخلون منه البحر.

بعد عسكري
وخلال إطلاق غواصة بحرية بمدينة كولجك التركية، أشار إردوغان إلى أن بلاده «لن تتراجع عن مذكرة التفاهم التي أبرمتها مع حكومة الوفاق»، مضيفًا أنه «لا يوجد أي تعارض لهذه المذكرة مع القانون الدولي»، ملوحًا مجددًا بالخيار العسكري قائلًا: «إن تركيا ستقيم كافة الإمكانات التي من شأنها تعزيز البعد العسكري للمساعدات إلى ليبيا في البر والبحر والجو»، بل وتحدث عن وجود «مليون تركي يعيشون في ليبيا»، دون أن يحدد مصدر هذا الرقم.

وفي المناسبة نفسها، ربط وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، وعلى نحو واضح، بين الملفين الليبي والسوري، إذ قال إن أنقرة «ستواصل الوقوف إلى جانب أشقائها في ليبيا، حتى تحقيق السلام والطمأنينة والأمن، كما فعلت في سورية». وشدد على أن أنقرة ستواصل العمل مع ليبيا في إطار التعاون الأمني والعسكري.

في المقابل، كانت بنغازي محطة مهمة لجولة قام بها وزير الخارجية اليوناني نيكوس دندياس في المنطقة، حيث التقى في المحطة الليبية القائد العام للجيش المشير خليفة حفتر ورئيس الحكومة الموقتة عبدالله الثني. ولم يتطرق بيان القيادة العامة إلى مذكرة التفاهم، لكن محللين يرجحون أن يكون هذا الملف على رأس أجندة المباحثات التي جرت في الرجمة.

اقرأ أيضا: وزير الدفاع التركي: «سنقف بجوار أشقائنا في ليبيا كما فعلنا في سوريا»

لكن زيارة الوزير اليوناني لم تمر دون مواقف في هذا الشأن، فخلال لقائه الثني هاجم دندياس رئيس المجلس الرئاسي قائلًا: «لا يملك حق التوقيع على مثل هذه الاتفاقات. إننا نقف ضدها بحزم مع شركائنا بالاتحاد الأوروبي». ولفت إلى أن ما يهم اليونان هو الشق الأمني والعسكري فيها؛ لأنه «يشكل خطرًا على ليبيا ووحدتها والمنطقة بالكامل».

وارتفعت وتيرة الجدل منذ توقيع حكومة الوفاق والحكومة التركية في 17 نوفمبر الماضي مذكرتي التفاهم، تتعلق الأولى بالصلاحيات البحرية، وتتعلق الثانية بالتعاون الأمني والعسكري، ما آثار ردود فعل واسعة النطاق على كافة المستويات المحلية والإقليمية والدولية.

وتعتزم تركيا القيام بأنشطة مشتركة للتنقيب عن مصادر الطاقة في «شرق المتوسط» بموجب مذكرة التفاهم بشأن الصلاحيات البحرية مع حكومة الوفاق، لكن هذا الاتفاق تعارضه اليونان التي تتنازع مع أنقرة على تلك الموارد، وتقول إن الخطوة تنتهك القانون الدولي. وهو ما ترفضه تركيا وتقول إن الاتفاق يهدف لحماية حقوقها، بحسب «رويترز».

الأطراف الداخلية
وكان بديهيًّا أن ينعكس هذا السباق على مواقف الأطراف الداخلية الليبية، إذ قال رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، الأحد، إن مذكرة التفاهم الموقَّعة مع تركيا «تندرج في إطار حق ليبيا في الدفاع عن نفسها»، وذلك بعد نحو أقل من شهر من توقيع المذكرة مع الجانب التركي في أنقرة.

السراج أردف قائلًا: «خاطبنا دولًا بشأن المذكرة وهي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وإيطاليا والجزائر، وبعض هذه الدول كانت لها تجربة معنا في تحرير سرت»، وذلك حسب تصريحات تلفزيونية أدلى بها لقناة «تي آر تي» التركية.

في المقابل، اعتبر الثني خلال لقائه وزير الخارجية اليوناني في بنغازي أن «الشعب الليبي يرفض الاتفاق» مشيرًا إلى أن ليبيا لا تجمعها أية حدود بحرية مع تركيا، ودعا المجتمع الدولي لسحب اعترافه بحكومة الوفاق، بعدما باتت «تشكل خطرًا على الليبين وعلى دول الجوار، بمحاولتها إشعال فتيل الفتنة بين دول المنطقة بأكملها».

اقرأ أيضا: محلل إيطالي: نأي روما بنفسها عن الملف الليبي أتاح لأنقرة تقاربًا أكبر مع «الوفاق»

لكن وزير الخارجية بحكومة الوفاق، الطاهر سيالة، قال إن زيارة نظيره اليوناني بنغازي تعتبر «خرقًا واضحًا» لقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمنظمات الإقليمية التي تقر بأن «حكومة الوفاق الوطني هي الحكومة الشرعية الوحيدة التي ينبغي التعامل معها». واعتبر سيالة في بيان لوزارة الخارجية أن التواصل مع «الحكومة الموازية (الحكومة الموقتة) يعتبر تواصلًا غير مشروع.

ويفاقم التصعيد المتبادل في المواقف من التوتر الذي تعيشه البلاد جراء حرب العاصمة طرابلس، ويتساءل محللون حول ما إذا كان استمرار التصعيد التركي - اليوناني سيدفع بالمنطقة إلى حرب أوسع تمضي على نحو ما حدث في سورية، أم أن أطرافًا كبرى تتدخل من تحت الطاولة لنزع فتيل هذا التصعيد الناشئ؟!

المزيد من بوابة الوسط