برنامج الإصلاح الاقتصادي يدخل النفق المظلم

دخل برنامج الإصلاح الاقتصادي نفقاً مظلماً على وقع التوترات الأمنية التي شهدتها العاصمة طرابلس خلال الأسبوع الماضي، وذلك عقب أسبوع من المشاورات والمداولات التي أجلت الإطار التنفيذي للبرنامج الذي كان مقرراً له الأيام الجارية، غير أن مهتمين بالشأن الاقتصادي سردوا عدة مؤشرات على صعوبة تنفيذ البرنامج الذي يحتاج إلى توحيد للمؤسسات الاقتصادية، فضلاً عن الاستقرار السياسي والأمني.

وسيطر الترقب على الاقتصاديين ورجال الأعمال خلال الأسبوعين الماضيين مع تصريحات بقرب إطلاق الخطوات التنفيذية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي الذي يتضمن معالجة سعر صرف الدينار، والدعم على المحروقات، وزيادة مخصصات الأسر السنوية من الصرف الأجنبي، وغيرها من الإجراءات التي تستهدف تصحيح تشوهات الاقتصاد الليبي، وفق ما أعلن نائب رئيس المجلس الرئاسي فتحي المجبري وقتها.

ثلاجة حفظ المقترحات
غير أن التطورات الأمنية التي تلاشى إزاءها الحديث عن البرنامج، بالإضافة إلى غموض يحيط بمحاولات توحيد المؤسسات الاقتصادية، دفع مهتمين بالشأن الاقتصادي في ليبيا إلى حصر عدة أسباب من شأنها أن تدخل البرنامج ثلاجة حفظ المقترحات.

أول تلك الأسباب وفق محافظ المصرف المركزي الأسبق، رجب المسلاتي، تتمثل في صعوبة تنفيذ الإصلاح الاقتصادي قبل أن تستقر الأوضاع في البلاد مع وجود حكومة واحدة ومؤسسات اقتصادية ومالية ومصرفية موحدة، لكنه ذهب إلى أبعد من ذلك حين اعتبر أن هذا البرنامج ما هو إلا «محاولات الوصول إلى حل خلاف بين المجلس الرئاسي والمصرف المركزي بشأن تسعيرة الدينار».

ومنذ الخامس من يونيو الماضي وحتى الآن لم يشهد برنامج الإصلاح الاقتصادي خطوة تنفيذية واحدة، وذلك بعد أن اتفق المشاركون في اجتماع تونس على حزمة من الإصلاحات الاقتصادية، تتضمن زيادة مخصصات الأسر السنوية من الصرف الأجنبي من 500 دولار إلى ألف دولار، وإعادة تفعيل قرار دفع علاوة الأسرة والأبناء، ورفع الدعم عن المحروقات، وتغيير سعر الصرف الأجنبي المتاح للاستيراد والعلاج، الذي سيكون متاحاً للجميع.

لكن محافظ «المركزي» تساءل: «أي اقتصاد نتكلم عن إصلاحه في ظل تجاوز معدل التضخم نسبة 300%، وانهيار قيمة الدينار وأزمة السيولة وعجز الجهاز المصرفي وتهريب الثروة الحيوانية وسرقة الثروة السمكية، واختفاء الأراضي الزراعية تحت طبقات من الإسمنت المسلح».

وبعدما تحدثت الأطراف المعنية عن قرب تطبيق الإطار التنفيذي، تدخل المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق بوضع شرطين رئيسيين لإتمام البرنامج، هما توافر الأطر القانونية للإصلاحات الاقتصادية تفادياً لأية إشكالات أو طعون قانونية تعيق تنفيذها، وعدم تحميل المواطن أعباء إضافية نتيجة هذه الإجراءات، وهو بدوره أجل الخطوات النهائية إلى حين الاتفاق على صيغ توافقية.

نقطة الصفر
في السياق نفسه رفع الاقتصادي ورجل الأعمال حسني بي من مؤشر التشاؤم بشأن إمكانية تنفيذ البرنامج، عندما قال إن الإصلاح الاقتصادي الذي تقدم به المصرف المركزي منذ نحو عام لم يتحرك من نقطة الصفر، مشيراً إلى أن «كرة الإصلاحات أصبحت في ملعب المصرف المركزي وأنه لا علاقة للسلطات التشريعية بها».

وأوضح في تصريحات خاصة إلى «الوسط»، أن «برنامج الإصلاح جرى طرحه خلال عدة ورش ولقاءات متلفزة وغير معلنة أخضعت الإصلاح لقرار مجلس إدارة المركزي خلال شهر نوفمبر 2017، على أن يطرح على مجلس النواب خلال ديسمبر 2017».

لكنه أشار إلى أن «الإصلاحات النقدية من جوهر اختصاص المصرف المركزي، واستبدال الدعم من اختصاص وزارة المالية والرئاسي»، مضيفاً: «لا علاقة للسلطات التشريعية بأي إصلاح لأن جميع ما طرح من سياسات لم تكن بحاجة أساساً لأي تقنين، والقوانين النافذة كفيلة وكافية».

وحول موقف المجلس الرئاسي من الإصلاحات، أوضح بي: «للأسف السراج قَبِل التدخل في الشؤون النقدية للمركزي، وفشل في فرض اجتماع مجلس إدارة المصرف المركزي لإقرار السياسات النقدية الواجبة».

واعتبر أن انقسام إدارة المصرف المركزي سيعقد الموقف قائلاً: «إن مجلس إدارة (المركزي) لم يجتمع منذ مطلع العام 2014، ولم يقرر إلا سياسات طرح مزيد من النقد وطباعته شرقاً وغرباً، مسبباً نمو التضخم والعرض النقدي، بدلاً عن إقرار تغيير سعر صرف وتحقيق توازن نقدي ومالي واقتصادي».

قرار قابل للطعن
لكن رجل الأعمال يقول: «إن السراج قبل إقرار رسوم على سعر الصرف، لكنه اكتشف أنه وافق على ما لا اختصاص له به، وأن إقرار الرسم على بيع وشراء النقد الأجنبي تشوبه مشكلات، بل قد لا يكون قانونياً وقد يطعن فيه».

واعتبر أن «الكرة الآن عادت إلى مصرف ليبيا المركزي»، داعياً «محافظ المركزي الصديق الكبير، أو ثلاثة من الأعضاء، إلى طلب عقد اجتماع مجلس الإدارة وإقرار السياسات النقدية الواجبة بناء على قانون المركزي».

وحذر من «تعمق الأزمة مع استمرار هذه الأوضاع»، وقال: «الشعب يفقر، والمجرمون أُثروا من خلال الغنائم بسبب فارق سعر الصرف 400% وفارق سعر النقد مقابل الصكوك 40% ومن خلال تهريب كل ما هو ممول ومدعوم ليحقق المهربون 2000% مكاسب من التهريب».

اللافت أن الأسبوع المنقضي لم يشهد أي حراك على صعيد المشاورات أو الاستعدادات للإطار التنفيذي للبرنامج الإصلاحي لأسباب فنية وأخرى أمنية وسياسية، على خلاف الأسبوع الذي سبقه، إذ لم يغب عن أجندة المسؤولين الدوليين، وهو ما يطرح تساؤلاً: هل دخل البرنامج ثلاجة الحفظ الموقت بسبب التوتر الأمني أم أن التعقيدات الفنية الأخيرة قضت على الفكرة من الأساس؟!