إحاطة سلامة: رسائل تحذير إلى «معرقلي الانتخابات».. وبصيص أمل لـ«توزيع الثروة»

حدد المبعوث الأممي، غسان سلامة، الخطوط الرئيسية لمسار عمل الأمم المتحدة في ليبيا خلال المرحلة المقبلة، ووجه رسائل مهمة إلى الأطراف السياسية، والفاعلين الدوليين، تراوحت بين التحذير والتحفيز والتخويف، ولم تخلُ من بعض التفاؤل، سواء في ملفات إجراء الانتخابات أم الإطار الدستوري والمؤتمر الجامع وتوزيع الثروة.

واكتسبت الإحاطة الجديدة، التي أدلى بها أمام مجلس الأمن عبر «الفيديوكونفرنس» أهمية خاصة ليس على صعيد الرسائل التي حملتها فحسب، بل كونها جاءت بعد أسبوع من نزع فتيل أزمة «الهلال النفطي»، إذ كانت آخر إحاطة قدمها المبعوث الأممي أمام مجلس الأمن في 21 من مايو الماضي، ركز خلالها على ملف الانتخابات الليبية وأهمية وضع جدول زمني لها.

رسائل تحذير
وفي إحاطته إلى مجلس الأمن، الإثنين الماضي، حضرت رسائل التحذير في حديث المبعوث الأممي عن الانتخابات المزمع انعقادها هذا العام، وأشار بأصابع الاتهام إلى جهات لم يسمها وصفها بأنها «القلة المستفيدة من الوضع الراهن، التي لن تدخر جهداً لتعطيل سير الانتخابات»، وعبر عن أسفه على «قدرة هؤلاء الأشخاص على فعل الكثير، خصوصاً أنهم يتقلدون مناصب رسمية حيوية، غالباً ما تدر عليهم أرباحاً طائلة». ودعا أعضاء مجلس الأمن في الوقت نفسه إلى «إرسال رسائل واضحة وقوية لكل من تسول له نفسه أن يعطل الانتخابات أو يعمل على إفشالها، لن يكون بالإمكان تهيئة هذه الظروف».

وتتواءم دعوة سلامة مع تعهد أطلقته حكومات فرنسا وإيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة في 12 يوليو الحالي باستخدام «كافة الوسائل المتاحة لمحاسبة هؤلاء المسؤولين عن تقويض السلام والأمن والاستقرار في ليبيا»، في معرض رسالة ترحيب الدول الأربع باستئناف المؤسسة الوطنية للنفط العمل في الموانئ النفطية.

لكن حديث المبعوث الأممي، في إحاطته أمام مجلس الأمن، تخلى عن لهجة التحذير حين وجه كلامه إلى قيادات ليبيا، وقال في نبرة بدت أكثر ليناً: «إن الوقت حان لإعادة زمام الأمور إلى المواطنين». وأعاد التذكير باجتماع باريس في مايو الماضي، و«التزام رئيس الوزراء ورئيسي مجلس النواب الليبي والمجلس الأعلى للدولة وقائد الجيش الوطني الليبي بالمشاركة بشكل بناء في تيسير إجراء الانتخابات بحلول نهاية العام الحالي، وحث القادة الأربعة «على الإيفاء بالتزاماتهم»، وأضاف: «أدعو الآخرين للالتحاق بركبكم».

كان رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشرى، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، والقائد العام للجيش المشير خليفة حفتر، اتفقوا خلال اجتماع باريس في مايو الماضي على إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، في العاشر من ديسمبر المقبل، واتفقت الأطراف الليبية المجتمعة بالعاصمة الفرنسية على وضع قاعدة دستورية، بحلول السادس عشر من سبتمبر المقبل.

الدستور
أما فيما يخص الدستور، فقد أتت إحاطة المبعوث الأممي أمام مجلس الأمن عند نقطتين رئيسيتين، الأولى الخاصة بالدستور، والثانية تخص القانون الخاص بالاستفتاء على الدستور، وتحدث عن «مشاورات موسعة بشأن كيفية وضع دستور جديد للبلاد وتوقيته». وقال: «التقيت عديداً من كبار القضاة الليبيين والخبراء في مجال الدستور من الخارج وكذلك مواطنين ليبيين، وأجمع الخبراء والمواطنون على أن وضع إطار دستوري واضح يعد أولوية وطنية».

في المقابل رصد المبعوث الأممي خلافات ليبية بشأن الدستور، وقال: «يود الكثير منهم إجراء استفتاء على المسوَّدة الحالية للدستور. بينما يرفض آخرون هذه المسوَّدة جملة وتفصيلاً»، وأقر بأن «المسألة معقدة وخياراتها ليست سهلة»، ومن ثم أوصى سلامة المجتمع الدولي أن يتكاتف لتأييد «رؤية ليبية تجد حداً معقولاً من إجماع الآراء بين الليبيين»، محذراً في الوقت نفسه من أنه «إذا ما ارتأت ولو دولة واحدة من الدول الأعضاء أن تغرد خارج السرب، فإن هذه العملية ستدور في حلقة مفرغة».

للاطلاع على العدد 138 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

في الوقت نفسه، شغل قانون الاستفتاء على الدستور حيزاً مهماً في إحاطة سلامة، إذ أطلع مجلس الأمن على نتائج لقائه الأخير برئيس مجلس النواب عقيلة صالح، وقال:«إن رئيس النواب تعهد بإجراء التصويت على القانون الخاص بالاستفتاء على الدستور خلال الأسبوعين المقبلين، وبالتصويت بعد ذلك على قانون الانتخابات». بيد أن المبعوث الأممي ترك الباب مفتوحاً أمام سيناريوهات وفاء رئيس مجلس النواب، إذ قال بوضوح: «آمل صادقاً أن يتم الوفاء بهذا الوعد هذه المرة»، وحث «الدول الأعضاء أن تمارس الضغط على مجلس النواب للاضطلاع بمسؤوليته التاريخية وتحقيق هذا الهدف في التوقيت المناسب».

الهلال النفطي
على الصعيد العسكري، تحدث سلامة عن «تطورات عنيفة حرفت الاهتمام عن المكاسب السياسية»، ورغم التطرق إلى الاشتباكات التي شهدتها مدينة درنة، إلا أن أحداث «الهلال النفطي» احتلت حيزاً أكبر في إفادة المسؤول الأممي، إذ استعرض تطوراتها التي بدأت في يونيو الماضي، لكنه خرج بخلاصة مهمة هي أن تلك الأحداث «سلطت الضوء على الإشكاليات التي عصفت بالبلاد، التي شددت عليها مراراً أمام هذا المجلس. على وجه التحديد الإحباطات المتعلقة بتوزيع الثروات ونهب الموارد على أوسع نطاق».

كانت قوات الآمر السابق لحرس المنشآت النفطية، إبراهيم الجضران، شنت هجومًا على منطقة «الهلال النفطي»، في 14 يونيو الماضي مما اضطر المؤسسة الوطنية للنفط إلى إعلان «القوة القاهرة» في ميناءي السدرة ورأس لانوف، ثم أعلن الجيش الوطني في 26 يونيو الماضي استعادة السيطرة بشكل كامل على المرافق والموانئ النفطية في المنطقة، لكنه أعلن تسليم الموانئ النفطية للمؤسسة التابعة للحكومة الموقتة، وهو القرار الذي قوبل برفض مؤسسة النفط، وردود فعل دولية واسعة تقر بشرعية المؤسسة في طرابلس، ومن ثم كان إعلان الجيش إعادة التصدير عبر الموانئ في الحادي عشر من يوليو الماضي.

مخاوف أممية
لكن رئيس بعثة الأمم المتحدة، وفي إفادته أمام مجلس الأمن، عبر عن خشيته من عدم صمود الاتفاقات المتعلقة باستئناف إنتاج النفط ما لم يجد المجتمع الدولي حلاً سريعاً لمسائل توزيع الثروات ونهب الموارد، وتعهد في الوقت نفسه بـ«مضاعفة جهودها للدفع نحو القيام بإصلاحات اقتصادية، فاستقرار البلاد ووحدتها على المحك». بصيص أمل لاحظه المبعوث الأممي في هذه الأحداث، وهو «قبول مختلف السلطات الليبية فكرة أن عليها اتخاذ الخطوات الكفيلة بصون ثروات البلاد». في إشارة إلى «الطلب المقدم من حكومة الوفاق الوطني إلى هذا المجلس بمراجعة أعمال مصرف ليبيا المركزي والمصرف الموازي في شرق البلاد. وقال: «إذا أردنا لشوكة الاقتصاد القائم على السلب هذا أن تنكسر، فلابد من إماطة اللثام عن أساليبه، ولهذا ليبيا بأمس الحاجة للدعم».

أخيراً، كانت مشاورات المؤتمر الوطني إحدى نقاط الانطلاق الإيجابية في رؤية المبعوث الأممي، إذ اعتبرها «فرصة للتبصر بشكل ثاقب في آمال الشعب الليبي ومخاوفه ورؤيته ورغبته في المضي قدماً»، وحضر حديث المستقبل في هذا السياق حين قال: «تتمثل المرحلة التالية من المؤتمر الوطني في جمع آلاف الصفحات من التقارير في تقرير كامل ونهائي يتضمن استنتاجات وتوصيات وطنية لدعم الخطوات التالية الرامية إلى الخروج من المرحلة الانتقالية».

ووسط هذه الرسائل وخطوط السير التي حملها خطاب سلامة، يبقى من الضروري مراقبة تحركات الأمم المتحدة خلال المرحلة المقبلة، وسيناريوهات تعامل المنظمة الدولية وفاعليها الرئيسيين مع الأطراف المعرقلة للاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

اقرأ أيضا: هل سيحمل سلامة «الجزرة» وتتكفل ستيفاني بـ «العصا»؟