رويترز: النازحون من بنغازي .. اختبار لليبيا

مبنى تاريخي مدمر في بنغازي. (أرشيفية : رويترز)

«دخل شقيقاها السجن وباعت الأسرة بيتها، وضاعت أوراقها في معركة بنغازي، وأصبحت فاطمة تجد صعوبة في استئناف حياتها في الطرف الآخر من ليبيا، لكن التفكير في العودة مستحيل» بهذه العبارة استهلت وكالة «رويترز» تقريرها عن النازحين من بنغازي.

تقول «رويترز» إن فاطمة «البالغة من العمر 26 عاما واحدة من حوالي 185 ألف ليبي، سجلتهم الأمم المتحدة في قوائم النازحين عن بيوتهم، من جراء الاضطرابات التي شهدتها البلاد، وتضيف أن فاطمة «تعيش في العاصمة طرابلس ولا تستطيع العودة إلى مدينتها الواقعة في شرق البلاد، حيث السلطة لحكومة منافسة».

و«ليس سكان بنغازي السابقون وحدهم الذين أُخرجوا من بيوتهم، فقد حولت الاشتباكات البلد الذي يبلغ عدد سكانه سبعة ملايين نسمة إلى مجموعة من مناطق النفوذ المتنافسة، بعد الإطاحة بمعمر القذافي في انتفاضة 2011...لكنهم يشكلون نسبة كبيرة من النازحين ويعد مصيرهم أمرا محوريا لاستقرار ليبيا والمنطقة الأوسع مستقبلا، حيث أن تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية استغلا التهميش السياسي».

اقرأ أيضا: المشير حفتر يحذر من منع عودة النازحين إلى منازلهم في بنغازي

ويتألف النازحون من بنغازي من «إسلاميين متشددين» وآخرين أكثر اعتدالا وغيرهم من «خصوم» المشير خليفة حفتر، الذي «يسيطر على جانب كبير من شرق ليبيا ويتطلع لمد نفوذه إلى بقية البلا»د.

وقد وصفهم حفتر وأنصاره كلهم بـ«الإرهابيين» الأمر الذي عقّد المصالحة، التي تأمل الأمم المتحدة تحقيقها من خلال مساعدة ليبيا على إجراء الانتخابات في العام الحالي.

ونقلت «رويترز» عن فاطمة قولها عبر الهاتف «عائلتي كانت تعارض حفتر ولذلك أصبح الوضع في غاية الخطورة علينا»، وطلبت مثل كل من تحدثت معهم «رويترز» نشر اسمها الأول فقط خشية التعرض للانتقام.

وكان حفتر انقلب على القذافي مع مقاتلين إسلاميين وآخرين تحالفوا معه ثم أقصى حلفاءه بمجرد اختفاء القذافي، واعتبره بعضهم ارتدادا إلى حكم الرجل الواحد.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 100 ألف شخص نزحوا عن ديارهم في القتال الذي تفجر بين الحلفاء السابقين في العام 2014، ودمر أحياء بالكامل قبل أن ينتهي في يوليو الماضي بإعلان حفتر النصر.

ويقود حفتر الآن حكومة تنافس الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة القائمة في طرابلس، ويدرس إمكانية الترشح لمنصب الرئيس إذا ما أجريت الانتخابات.

هروب ليلي
فرت فاطمة في 2014 مع والديها وأشقائها بالسيارة ليلا إلى مصراتة، التي تبعد حوالي 800 كيلومتر في اتجاه الغرب والتي أيدت الإسلاميين المعارضين لحفتر، وحيث توجد جذور لبعض رجال الأعمال في بنغازي.

وألقي القبض على أحد أشقائها لأنه كان عضوا في جماعة «أنصار الشريعة الإسلامية» المتشددة، التي حاربت حفتر و تقول واشنطن إنها وراء هجوم في بنغازي الذي أسفر عن مقتل السفير الأمريكي في 2012.

وانتهى الحال بكثير من أعضاء «أنصار الشريعة» إلى الانضمام لصفوف الدولة الإسلامية، غير أن معركة بنغازي اجتذبت قوى أخرى غير إسلامية أو أقل تشددا تعارض حفتر» وتنقل رويترز عن دبلوماسيين غربيين قولهم إن هذه المجموعة ربما تعتنق الأفكار المتطرفة إذا ما حرمت من حقها في العودة. وقال دبلوماسي "إذا لم يجد نازحو بنغازي بيتا سياسيا فسيصبحون مصدر معارضة جديدة".

وتقول رويترز» إن «حفتر يصور نفسه للقوى الأجنبية كحائط صد في مواجهة الإرهاب، وله شعبية بين كثيرين في شرق ليبيا ينسبون له الفضل في إنهاء موجة صعود التشدد الإسلامي، ويتهمه خصومه بإحياء دولة الحكم الشمولي في الشرق الذي يسيطر فيه على مرافيء تصدير النفط الرئيسية في ليبيا».

وكانت أسرة فاطمة قد سارعت إلى بيع بيتها لأحد الجيران، ويقول «مجلس النازحين من بنغازي ومقره طرابلس إن أسرا أخرى تابعة لقوات مرتبطة بالجيش الوطني الليبي الذي يقوده حفتر استولت على بيوت أخرى»، حسب الوكالة، التي قالت إن مواطنا يدعى مصطفى الساقزلي، «كان يمتلك في السابق مشروعا في قطاع تكنولوجيا المعلومات وهو من منتقدي حفتر ورحل عن بنغازي في يونيو 2914، إن بيته من البيوت التي استولى عليها آخرون».

وأضاف الساقزلي هاتفيا من جنيف «فيلتي تسكنها الآن أربع عائلات». وأرسل إلى «رويترز» صور بيته السابق الفسيح، وقال إنه لم يعد إليه بسبب الخوف من الاعتقال.

وقالت حنان صلاح، الباحثة المتخصصة في الشأن الليبي في منظمة «هيومن رايتس ووتش»، إن عمليات الاستيلاء على العقارات «كبيرة فيما يبدو». وأضافت «الأسر أو الأفراد الذين يعتبرون معارضين للجيش الوطني الليبي دفعوا ثمنا غاليا وتعرضوا للمطاردة. لا يزال العشرات معتقلين أو مختفين أو تعرضوا للتعذيب بل والقتل وصودرت ممتلكاتهم».

ونفى أحمد المسماري المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي الاستيلاء على أي بيوت، وقال سكان موالون لحفتر إن بعض البيوت هجرها أصحابها، ووصفوهم بأنهم إرهابيون، وأصبحت هذه البيوت الآن سكنا للعائلات التي دُمرت بيوتها.

وقال المسماري إن تلك الأسر التي فرت من بنغازي مع أبنائها تنتمي «لجماعات إرهابية» وأضاف أن أبناء تلك الأسر «نفذوا عمليات خطف وقتل واغتيال وتفجيرات ودمروا عائلات». وأوضح أن الأسر النازحة يمكنها العودة في إطار مصالحة وطنية، بشرط تسوية أوضاعهم من منطلق قانوني يكون لأعيان المجتمع دوره فيه.

مصالحة
وهدد حفتر بعواقب وخيمة لمن يرفض إعادة بيت لأصحابه، لكن منتقديه يقولون إنه ليس باستطاعته السيطرة على قوات الجيش الوطني الليبي كلها ،المؤلفة من جنود ورجال قبائل وشبان انضموا له.

وقال مهندس نفطي يدعي محمود ينتمي لقبيلة حفتر ذاتها «ليس عندي مشكلة مع حفتر لكني أخشى العودة لأن كل من غادر بنغازي في 2014 يعتبر من داعش». ولم ينضم محمود إلى الإسلاميين لكنه رحل إلى طرابلس في 2014 عندما وصل القتال إلى الحي الذي يعيش فيه. وقال «بيتي دُمر في غارة جوية كما أن عندي شقة احتلها بعض الناس».

سلامة: خصوصيات المجتمع الليبي تسمح بمعالجة ملف النازحين

وقد بدأت الأمم المتحدة عقد لقاءات للتقريب بين الجماعات المتنافسة في أنحاء مختلفة من ليبيا، وتمهيد الطريق لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية تأمل عقدها قريبا. وقال طارق العرفي رئيس المجلس البلدي لبنغازي الذي استبدله حفتر بحاكم عسكري، إن عددا قليلا فقط من الأسر التي فرت من المدينة في 2014 عادت إليها.

وقدرت مجموعة تقودها الأمم المتحدة من وكالات المساعدات التي تشارك في حماية المدنيين في ليبيا عدد الذين لا يزالون نازحين من بنغازي داخل ليبيا بنحو 27 ألفا، لكن العرفي قال إن آخرين سافروا للخارج مثل الساقزلي وإن كثيرين منهم توجهوا إلى تركيا.

وسجل المجلس نحو 13 ألف أسرة نازحة لكن أعضاءه قالوا إن العدد أكبر، لأن أسرا كثيرة لا تريد إضافة أسمائها خشية الانتقام منها. إلا أن رويترز قابلت بعض سكان بنغازي الذين يعيشون في طرابلس ويسافرون إلى مدينتهم الأصلية دون أن يسألهم أحد شيئا.

الكاديكي: إنهاء أزمة النازحين والمشاريع المتوقفة على طاولة لجنة إعادة استقرار بنغازي

وقال العرفي إن القادمين إلى غرب ليبيا يجدون أنفسهم في ورطة قانونية، فالشرق يرفض إرسال وثائق مثل شهادات الميلاد ويستند في كثير من الأحيان إلى تحقيقات أمنية جارية ،ويرفض المسؤولون في غرب ليبيا إصدار وثائق جديدة.

وقالت فاطمة "لم أستطع الالتحاق بجامعة طرابلس. فقدت وثائقي الجامعية"، وعجز والدها عن صرف مرتبه الذي يحول من خلال حسابه القديم في بنغازي، والذي لم يعد بإمكانه الوصول إليه، إلى حسابه الجديد في طرابلس وهي مشكلة واجهها آخرون من النازحين.

وأصبحت مناطق في غرب ليبيا أقل ترحيبا بالقادمين بعد أن بدأت تفجيرات انتحارية يشنها إسلاميون في 2015، وقالت فاطمة إن شقيقها الثاني اعتقل في مصراته بعد انتشار مقطع فيديو أبدى فيه دعمه لجماعة أنصار الشريعة.

وبخلاف المشاكل القانونية تأتي صدمة الشعور بالانقطاع عن مسقط الرأس، الذي لا يبعد سوى ساعة واحدة بالطائرة عن العاصمة، وقالت صديقة لفاطمة عمرها 26 عاما أيضا "اضطررت لبدء حياتي من جديد في طرابلس من الصفر". وأضافت أنها هربت مع والدتها وشقيقاتها في 2014 بعد تدمير بيت الأسرة في غارة جوية. وأوضحت "ندبر حالنا ماليا لكني أفتقد صديقاتي في بنغازي وبيتي وفراشي. إلا أنني أخشى العودة".

المزيد من بوابة الوسط