الاقتصاد الفلسطيني.. تصاعد عدم اليقين السياسي.. وتراجع تدفقات المعونة

«ما لم يزداد تصاعد الأحداث، نتوقع أن يبلغ نمو إجمالي الناتج المحلي نحو 3% في الضفة الغربية وغزة»، تلك هي رسالة خبراء صندوق النقد الدولي في ختام زيارتهم الأراضي الفلسطينية المحتلة في 20 يوليو الجاري.

الأحداث المأساوية تسلط الضوء على أوجه عدم اليقين الذي يخيم على الاقتصاد وحياة المواطنين

وكان صندوق النقد الدولي أرسل بعثة، قادتها كارين أونغلي، لزيارة القدس الشرقية ورام الله في الفترة بين 11 و20 يوليو 2017، لتقييم آخر التطورات الاقتصادية في الضفة الغربية وغزة، والموقف المالي للسلطة الفلسطينية. والتقت البعثة وزير المالية، الدكتور شكري بشارة، ومحافظ سلطة النقد الفلسطينية، عزام الشوا، ولفيفًا من المسؤولين الفلسطينيين.

وفي ختام الزيارة، أصدرت أونغلي بياناً أكدت فيه أن الاقتصاد الفلسطيني يعاني تصاعد عدم اليقين السياسي، وتراجع تدفقات المعونة، وعدم كفاية الاستثمارات. ولا تزال القيود الإسرائيلية المفروضة على حركة السلع والخدمات تعوق الاستثمارات المنتجة والنمو. كذلك تواجه غزة مشقة اقتصادية واجتماعية متزايدة نتيجة لتباطؤ جهود إعادة الإعمار وتخفيضات الإنفاق الأخيرة.
وأضافت البعثة في بيانها قائلة: «إن تقديراتنا للنمو الكلي لإجمالي الناتج المحلي أنه سيتباطأ إلى نحو 3% في العام 2017، هبوطاً من 4% في العام 2016. وتأتي هذه التقديرات استنادًا إلى نمو إجمالي الناتج المحلي بمعدل 2.7% في الضفة الغربية و4.5% في غزة، بانخفاض يتجاوز 3 نقاط مئوية عن المعدل الذي بلغ 7.7% في 2016»، مشيرة إلى أن الأحداث المأساوية في الأيام القليلة الماضية تسلط الضوء على أوجه عدم اليقين الذي يخيم على الاقتصاد وحياة المواطنين.

وقالت: «ما لم يزداد تصاعد الأحداث، نتوقع أن يبلغ نمو إجمالي الناتج المحلي في الضفة الغربية وغزة نحو 3% على المدى المتوسط، وحتى هذا المعدل سيكون أقل من أن يستوعب العدد الكبير من الشباب الداخلين إلى سوق العمل في السنوات المقبلة».

قدر الخبراء أن يتباطأ النمو الكلي لإجمالي الناتج المحلي إلى نحو 3% في العام 2017، هبوطاً من 4% في العام 2016

وأضافت: «إن أي تحسن دائم ومؤثر في الآفاق المتوقعة للاقتصاد الفلسطيني يعتمد على الالتزام بعملية السلام وتحقيق إنجاز سياسي. وإذا اقترن مثل هذا الإنجاز بتخفيف القيود المفروضة على الحركة وتعزيز السيطرة على الموارد (وهو ما يشمل المنطقة جـ)، فسوف يسمح بتحقيق نمو سريع يقوده القطاع الخاص».

وأشار بيان البعثة إلى مواصلة وزارة المالية والتخطيط إدارتها الماهرة لهذه الظروف العصيبة، فقد حققت المالية العامة أداء تجاوز التوقعات في الأشهر الخمسة الأولى من 2017، بفضل الجهود القوية لتعبئة الإيرادات وكبح الإنفاق. ونتيجة لذلك، نتوقع أن يصل عجز النفقات المتكررة لـ 6.1% من إجمالي الناتج المحلي مع نهاية العام، بانخفاض قدره 1.7 نقطة مئوية عن المتوقع سابقاً. وبينما حققت السلطات تقدماً في تسوية المتأخرات المستحقة للقطاع الخاص، نجد أن المتأخرات عاودت الظهور، خاصة في القطاع الصحي، بسبب استمرار تراجع تدفقات المعونة وسداد الدين المحلي. ويسلط هذا الضوء على قيود التمويل الشديدة التي تواجه السلطة الفلسطينية حالياً.
ودعت إلى «خطوات إضافية لتحقيق تقدم أكبر في تضييق فجوة التمويل التي لا تزال تبلغ نحو 4% من إجمالي الناتج المحلي».

وفي الوقت الذي رحبت فيه بإصرار السلطات الفلسطينية على تعزيز الإيرادات المحلية من خلال تحسين الإدارة الضريبية، حثتها على تجنب منح إعفاءات ضريبية جديدة، والنظر في إجراءات جديدة يمكن أن تحقق إيرادات إضافية وتساهم في إقامة نظام ضريبي أكثر تصاعدية.

وطالبت بالتركيز على جهود تخفيض الإنفاق على احتواء فاتورة الأجور الكلية، ورفع كفاءة الإنفاق على الصحة العامة، وتعزيز استرداد تكلفة استهلاك الكهرباء والماء. ولا يزال دعم المجتمع الدولي ضرورياً لتسهيل عملية الضبط المالي دون إلحاق مزيد من الضعف بآفاق النمو. ودعت البعثة المانحين إلى التراجع عما لوحظ في السنوات الأخيرة من خفض كبير لدعم الموازنة.

المتأخرات عاودت الظهور، خاصة في القطاع الصحي، بسبب استمرار تراجع تدفقات المعونة وسداد الدين المحلي

وقال خبراء الصندوق إن الإصلاحات الداعمة لسلامة الموارد العامة ستؤدي، على المدى المتوسط، إلى المساعدة في ضمان التوافق بين جهود الضبط المالي، وتقديم خدمات اجتماعية أفضل، إذ اعتبروا استراتيجية إدارة المالية العامة التي اُستكملت مؤخراً علامة مهمة في هذا الخصوص.

ويتطلع الصندوق إلى دعم وزارة المالية والتخطيط في تنفيذها، بالتنسيق مع شركاء التنمية الآخرين.

وسيؤدي تحسين إعداد الموازنة، والمراقبة الدقيقة للإنفاق، ومراعاة أولويات التنمية المتوخاة في جدول أعمال السياسات الوطنية، إلى المساهمة في جعل بنود الإنفاق أكثر دعماً للنمو، مع خلق حيز مالي لإقامة استثمارات عامة إضافية وضمان إبقاء الدين في حدود يمكن تحملها.

«وستكون الجهود الرامية إلى حماية الاستقرار المالي وتحسين إتاحة التمويل عنصراً مكملاً لإصلاحات المالية العامة والإصلاحات الهيكلية. ومن التحديات المهمة في هذا الصدد تحقيق التوازن الصحيح بين الشمول المالي والاستقرار المالي في النظام المصرفي. ويدعو هذا إلى المراقبة الدقيقة لنمو الائتمان الذي لا يزال سريعاً، ورصد مخصصات كافية لمواجهة خسائر القروض، والحفاظ على رؤوس أموال وقائية كافية، والإبقاء على الائتمان المقدم إلى الحكومة ضمن الحدود التنظيمية المقررة».

المزيد من بوابة الوسط