الدينار يفقد 50 % من قيمته أمام الدولار خلال 8 أشهر

تراجعت قيمة العملة المحلية الليبية بنسبة 50 % في مقابل العملة الأميركية في السوق السوداء خلال ثمانية أشهر، بعدما تخطى الدولار حاجز 7 دينارات مقارنة بـ3.6 دينارات نهاية مارس الماضي، فيما صعدت العملة الأميركية مقابل العملة المحلية بنسبة 38 % خلال الشهرين الأخيرين فقط.

وتباينت آراء المحللين حول من يقع على عاتقه مسؤولية هذا الارتفاع الجنوني، سواء مصرف ليبيا المركزي أو الجهات التنفيذية الأخرى ممثلة في الحكومات الثلاث في البلاد، أم الأطراف الثلاثة مجتمعة، فيما قدَّم المراقبون عدة حلول للأزمة.

وخلال الشهرين الماضيين تحرك سعر صرف الدولار من 4.5 إلى 7.30 دينارات في السوق السوداء، فيما يأتي تذبذب الأسعار وفق طبيعة التعاملات التي تخضع لضوابط العرض والطلب ومكان البيع والشراء.
في حين ذكر المصرف المركزي، في أحدث تقاريره، أن الدولار سجل 1.4282 دينار، ليبلغ فارق سعر العملة الأميركية أمام المحلية بالسوق السوداء عن السوق الرسمية 5.88 دينارات.

الواقع الاقتصادي وأزمة السيولة
ويشكل الواقع الاقتصادي وأزمة السيولة ضغطًا على سعر العملة المحلية التي تواصل التراجع أمام العملة الأميركية، في ظل محدودية الموارد التي يشكل النفط مصدرًا رئيسيًّا لها، فضلاً عن الانقسام السياسي وانسداد عملية التوافق والحرب ضد الإرهاب.

يضاف إلى ذلك حقيقة أن النفط هو المصدر الرئيسي للعملة الأميركية في البلاد، وفي ظل تطورات سياسية على وقع الخلافات الأمنية، باتت تهدد طموح المؤسسة الوطنية للنفط التي أعلنت في وقت سابق قدرتها على رفع الإنتاج إلى 600 ألف برميل يوميًا وإلى 900 ألف برميل يوميًا بحلول نهاية هذا العام من نحو 290 ألف برميل يوميًا في أعقاب استئناف الصادرات النفطية من منطقة الهلال النفطي.

للاطلاع على العدد (53) من «جريدة الوسط» اضغط هنا (ملف بصيغة pdf)

وكان رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مصطفى صنع الله توقع ارتفاع إيرادات صادرات النفط والغاز إلى 15.84 مليار دولار في العام 2017، بعدما أعلن أن إنتاج ليبيا من النفط الخام سيزيد خلال العام المقبل إلى 800 ألف برميل يوميًا، ومن الغاز إلى 2.750 مليون قدم مكعب يوميًا.

وعلى الرغم من استئناف البلاد التصدير عقب استئناف الصادرات من منطقة الهلال النفطي، لكنّ العملة الأميركية واصلت الارتفاع أمام الدينار، مما أحدث جدلاً واسعًا حول من يتحمل مسؤولية انهيار العملة المحلية، سواء سياسيات نقدية أم إجراءات اقتصادية أم خلافات سياسية، غير أن كثيرًا لا يستبعد مسؤولية الصراع الراهن الذي تشهده البلاد على هذه الأزمة.

مسؤولية الأزمة
من جانبه حمّل مؤسس سوق الأوراق المالية الليبي سليمان الشحومي الصراع في ليبيا مسؤولية الأزمة المتفاقمة للعملة الأجنبية، قائلاً: «هبوط الدينار سيستمر إذا ما استمر الصراع في ليبيا»، إلا أنه نوه بأنه «لا يمكن لأي طرف في ليبيا اتخاذ إجراءات قاسية تؤثر على المواطن ومستواه المعيشي».

وفيما وصف الشحومي في تصريحات تلفزيونية انخفاض قيمة الدينار بـ«الكارثة»، طالب الجميع بالعمل على تداركها قبل فوات الأوان، مستغربًا تبادل الاتهامات بين الجهات المعنية في الأزمة قائلاً: «المواطن يُلقي باللائمة على المصرف المركزي والمركزي يلقي باللائمة على المجلس الرئاسي والرئاسي على البرلمان»، متابعًا: «نحن ندور في دائرة مفرغة».

البعض اعتبر سياسات المصرف المركزي «غير متماشية مع الواقع»

ثاني المسؤولين عن الأزمة بحسب سليمان الشحومي هو المصرف المركزي الذي قال إن سياساته «غير متماشية مع الواقع»، إذ اتبع إجراءات «أدت إلى تعميق المشكلة»، لافتًا إلى أن المصرف فقد «وسائل استخدام الأدوات النقدية»، فضلاً عن خشيته من تلاشي الاحتياطي بشكل سريع في ظل المتطلبات الاستيرادية التي تزايدت وتيرتها خلال السنوات الأخيرة، ووصف تعامل المصرف المركزي مع الوضع بأنه أسلوب ليس اقتصاديًّا بل يميل إلى الجانب السياسي.

الصراع في ليبيا يتحمل مسؤولية الأزمة المتفاقمة

في حين أكد رئيس مصرف التجارة والتنمية، جمال عبدالمالك، في تصريحات إعلامية أن الصراع السياسي هو سبب الأزمة، معربًا عن «عدم تفاؤله» بأن يحدث أي تقدم في بداية العام 2017، حال استمر الصراع الراهن في البلاد، واصفًا انخفاض قيمة الدينار بـ«المأساة»، غير أنه حمل إدارة المصرف المركزي في طرابلس مسؤولية انخفاض قيمة الدينار.

ورأى عبدالمالك أن «فزاعة بيع النفط ليست مبررًا لهبوط الدينار»؛ مدللاً على حديثه بحالة المملكة الأردنية؛ حيث أشار إلى أنه «في الأردن لا يوجد نفط لكن احتياطي العملات 14 مليارًا ووضع العملة فيها مستقر»، معتبرًا في الوقت نفسه أن المصرف المركزي هو «المحتكر الوحيد للعملة الأجنبية والسيولة».

وحذر عبدالمالك من أن ارتفاع سعر الدولار سيؤدي إلى غلاء أسعار السلع وعدم توفرها، معتبرًا في الوقت نفسه أن «أسعار المصرف المركزي للعملات الأجنبية وهمية وليست حقيقية».

بينما قال رجل الأعمال الليبي حسني بي إن مسؤولية الأزمة لا تقع على عاتق المصرف المركزي وحده، معتبرًا أنها مسؤولية جماعية، لكنه حمل المسؤولية الأولى لـ«من يعتلي الحقول النفطية ومن يوقف الأنابيب ومن يحتل مصفاة النفط ويهرب البنزين»، رافضًا الربط بين أزمة الدينار و«نظرية المؤامرة»، لا سيما أن «ميزانية الدولة الليبية التقشفية 42 مليارًا».

ورفض رجل الأعمال اعتبار الأزمة ناجمة عن انقسام المصرف المركزي، لافتًا إلى أن تلك النقطة منافية للواقع، فالمصرف المركزي واحد لكن «لدينا مجلس إدارة منقسم»، أثر سلبًا على إدارة الأزمة الاقتصادية بكفاءة.

أسباب الأزمة
من جانبه سرد الكاتب والإعلامي عبدالرزاق الداهش جملة من الأسباب التي أدت لتلك الأزمة، تتمثل في استمرار غلق صمامات الرياينة وخسارة عائدات تقدر بنحو 400 ألف برميل خام يوميًا، وتدني أسعار النفط في السوق العالمي، وتخطي الإنفاق الحكومي فيما يتعلق ببند الرواتب ملياري دينار شهريًا، وزيادة ليست في وقتها لمعاشات بعض القطاعات، وعدم القدرة على تحقيق ربع القيمة إيرادات بالتزامن مع استمرار حالة الانسداد السياسي، وزيادة الطلب على النقد الأجنبي.

استمرار غلق صمامات الرياينة وتخطي الرواتب ملياري دينار شهريًا ومداهمة سوق الذهب في طرابلس

وأشار عبدالرزاق إلى أن مداهمة قوى أمنية سوق الذهب في طرابلس باعتبار أنه المتحكم في أسعار الدولار ترتب عليها زيادة في الدولار بسبب عنصر المخاطرة في عملية تداوله، مستنكرًا في الوقت نفسه معالجة مشكلة السيولة بطباعة المزيد من البنكنوت، وضخها في السوق وهو مما أدى إلى ارتفاع الكتلة النقدية وارتفاع معدلات التضخم.

أما الخبير المالي والمسؤول المصرفي الليبي السابق، سعيد رشوان، فقال في تصريحات صحفية: القفزة المفاجئة لسعر الدولار لا تعود لأسباب اقتصادية فقط، ملمحًا إلى وجود «دوافع وأيادٍ خفية وراء هذا الانخفاض الحاد»، مشيرًا إلى أن «هذا الارتفاع صاحب انتصار الجيش في القوارشة وقنفودة والارتفاع التدريجي في إنتاج النفط واستمرار تصديره».

الحلول السريعة
وفيما يتعلق بالحلول السريعة لمعالجة الأزمة قال جمال عبدالمالك إن ليبيا تمتلك احتياطيًا قويًا من العملة الأجنبية، كان بمقدور المصرف استخدامه للحيلولة دون تفاقم الأزمة، قائلاً: «كان على المصرف المركزي أن يتدخل ويطرح العملات لكنه لم يتدخل فتأزمت الأمور».

وطالب عبدالمالك المصرف المركزي بتدارك الموقف، واتخاذ إجراءات من شأنها وقف التدهور في قيمة الدينار، عن طريق «طرح العملة في السوق»، وقال إن الدينار «لن يتعافى إلا إذا رفع المصرف المركزي القيود» المفروضة في هذا الشأن.

لكن المحلل الاقتصادي سليمان الشحومي أضاف مدخلاً آخر لمواجهة الأزمة، بضرورة وقف تهريب البضائع عبر حدود البلاد المترامية من أجل حل الأزمة، مشيرًا إلى أن المصرف المركزي «يرى أن ليبيا تحتاج من 20-25 مليار دولار للتجارة واستيراد السلع»، وأن الاستيراد ليس لليبيا فقط بل تستورد البضائع لتونس ومصر وتشاد والنيجر ودول أخرى، في إشارة إلى تزايد معدلات تهريب البضائع عبر حدود البلاد المترامية، وهو ما اعتبره «أمرًا صعبًا إلا إذا قام المركزي بتعديل سعر الصرف».

وطالب الشحومي بتعديل سعر الصرف ورفع دخل المواطن وتحسين مستواه المعيشي، داعيًا مجلس النواب إلى ضرورة عقد جلسة علنية يدعو إليها الكبير والحبري للوقوف على الأزمة ومناقشة انقسام مجلس الإدارة، منوهًا إلى أن استمرار «التراشق من بعيد بالكلمات والادعاءات بين أعضاء المركزي لا يحل الأزمة».

وأشار رجل الأعمال الليبي حسني بي إلى أن حل الأزمة يكمن في ضرورة إقبال المركزي على تغيير سعر الصرف، وقال: «اليوم لا يمكن خلق التعادل إلا من خلال تغيير سعر الصرف أو إضافة رسوم شراء على السعر الحالي»، مقدرًا قيمة إنتاج ليبيا من النفط في الوقت الحالي بـ«8 مليارات».

فيما طرح المحلل الاقتصادي أحمد الخميسي حلاً آخر، عندما قال إن ليبيا لديها 50 مليار دولار أموال مهربة مجمدة من لجنة العقوبات بالأمم المتحدة، فلماذا لا يضخ منها 10 مليارات دولار لمعالجة الوضع الاقتصادي.

تحركات حكومية
على الصعيد الحكومي طالب المجلس الرئاسي المصرف المركزي بالعمل على تحديد جدول زمني واضح، لتنفيذ حزمة من القرارات التي تترجم نتائج اجتماع روما حول الملف الاقتصادي الليبي، متعهدًا بإيجاد حلول بالتعاون مع المصرف المركزي لدعم الدينار الليبي، وتوفير السيولة في المصارف بما يسهم في تدوير عجلة الاقتصاد.

وناقش اجتماع روما الأخير حول ليبيا قضية دعم الدينار الليبي مقابل الدولار، وحل إشكالية السيولة وإيجاد الصيغ اللازمة لرفع إنتاج النفط ومناقشة ميزانية 2017.

وفي الإطار نفسه اتفق المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني وديوان المحاسبة في طرابلس الاثنين، على إعادة تفعيل صندوق موازنة الأسعار لتوفير السلع الغذائية، في أعقاب اجتماع رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج مع رئيس ديوان المحاسبة في طرابلس خالد شكشك، لمناقشة أزمة توفير السلع الغذائية الأساسية والارتفاع القياسي في الأسعار.

واتفق السراج وشكشك في ختام اجتماعهما على «إصدار قرار بشكل عاجل هذه الأيام من شأنه تكليف صندوق موازنة الأسعار لتوفير سلة من السلع الغذائية وإيصالها للمواطن بما يتناسب ودخله الشهري، والحد من تضخم الأسعار وتخفيف الضغط المتزايد للطلب على العملة الأجنبية ومن تهريب السلع للخارج».

المزيد من بوابة الوسط