7- من أدبيات رسائل الفاخري

السابعة: رسائل مواشير الفرح

7- مواشير الفرح بداية المرحلة الثانية

رحلة الليل والنهار في الغرفة (21)

في تقديري أن مقال الفاخري «رحلة الليل والنهار في الغرفة 21»، يعد البداية الحقيقية للمرحلة الثانية، وهو الذي كتبه من طرابلس بعد أن انتقل إلى العمل بوزارة الخارجية، تمهيدا لسفره إلى خارج البلاد. لقد تكررت زياراتي له أثناء إقامته طرابلس. كانت نفسيته رائقة، سعيدة للغاية. وفي أول زيارة له، من بعد استقراره هناك، قال لي مبتهجا: «أن رجال الاستقبال في الفندق ظرفاء، وأذكياء، ولا أدرى كيف عرفوا أنك صديقي، ولكم محل أحذية في بنغازي اسمه (21) ولذلك خصّصوا لى الغرفة رقم(21)، والعجيب أنني لم أقل لليوناني صاحب الفندق في بنغازي، أنك صديقي ومع ذلك خصص لي الغرفة (21) وزادها واحدًا تأكيدًا لكرمه، فأصبح الرقم (211)! وتصور أن أحد الأصدقاء العاملين بميناء بنغازي أهدانا ذات يوم كرتونة جعة لم أرها من قبل، كان اسمها 21 ولقد أهديتها لمانولي مدير الفندق، وما أن شاهدها في سطل الثلج حتى قال: «أتبك إليكم إزاء» وهي لمن لا يعرف جملة محرفة من مثيلها تقولها العجائز عندما يتعجبن من شيء ما : «عطبن عليكن عزاء» فكيف تفسر علاقتي بهذا الرقم! ». ولعلنا أمضينا أمسية تلك الليلة، صحبة رفيقه وجار غرفته بالفندق في بنغازي الأستاذ محمد القزيري، حول رمزية الأرقام.

عطشان يا فواخر!

أنا، في الواقع، ليس بحوزتي أية رسائل نستطيع من خلالها أن ترى الحالة النفسية المرحة العالية، التي لمستها وعايشتها معه بمجرد أن تمت إجراءات انتقاله إلى وزارة الخارجية ثم انتقاله إلى طرابلس. وإن كنت رأيت بعضا من بطاقات بريدية بعثها من طرابلس وكانت بهيجة ومضحكة. لعلها تلك التي بعثها لأخيه ونيس، وكتب فيها جملة واحدة تقول: «عطشان يا فواخر!». وأيضا رسالة ساخرة، بعث بها إلى أحد أصدقائه، منتقدا بمزحة حبه إلى الأكل، وهي مطبوعة ففي تلك المرحلة كانت الطباعة وسيلته في كتابة ما يريد كتابته. وبحوزتي أيضا رسالتان بعثهما له صديقه محمد القزيري، واحدة من بنغازي، والثانية من طرابلس، والرسالتان تعكسان تباينا على نحو ما حالة الفاخري، قبل رحيله إلى الدنمارك، وهي تشبه إلى حد كبير حالة الأستاذ محمد القزيري، وهو يتطلع إلى الرحيل إلى لندن، التي اختارها فيما بعد منفى اختياريا له حتى رحيله. سنتطرق إليهما في حلقات قادمة

الفرحة والبهجة، كانتا وكأنهما هالتان تتحركا مع«جنقي» أينما ذهب، وسريعا ما كون صداقات سواء مع موظفي الخارجية، أو أصدقاء كان يعرفهم ، أو عرفهم من بعد انتقاله هناك. ولعل صديقي رافع جعودة الذي انتقل من بنغازي، وابتدأ نشاطه التجاري في طرابلس، ما جعله يؤسس صدقات متنوعة باتساع طرابلس، خليفة الفاخري ورافع جعودة من حي واحد، ففي حين كان الفاخري يسكن في شارع لحيول، فيما كان رافع يعيش مع أسرته في شارع اللواحي، والاثنان هما في الواقع من شباب بنغازي البارزين في ذلك الوقت، وخلال رحلتي الأولى إلى طرابلس، من بعد انتقال «جنقي» إليها، أخذته إلى مكتب رافع، وكان معه أخوه عيسى، فكانت فرحة ولقاء حميميا، وظلا طويلا يلتقيان، وسريعا ما كون خليفة صدقات كثيرة في طرابلس. أما الأهم والأبرز، فهو صديقنا محمد حسين كانون، الذين يعد من أقرب أصدقائه، وجنقي هو الذي عرفني على الأستاذ محمد كانون، الذي درس وتخرج في الجامعة الليبية بكلية الاقتصاد والتجارة، ثم اشتغل بعد تخرجه، بمؤسسة الضمان الاجتماعي، ومن هناك تعرف على مفتاح الدغيلي، وسريعا ما وصل نادي التحدي، فلقد كان صهره وصديقه الحاج لامين كانون أحد لاعبي فريق التحدي، ومن النادي ارتبط بصداقة متينة مع «جنقي» تواصلت حتى رحيل جنقي، وأنا أعرف جيدا أنه أقرب أصدقائه منذ أن تعرفا واقتربا كثيرا في مطلع الستينيات، وهو الشخص الذي طلب مني أن أتصل به، هو والدكتور جمعة عتيقة عندما اشتدا به المرض.

وهكذا كانت طرابلس هي بداية خروجه من حالة الغربة التي ظلت تعصف به من بعد عودته من بريطانيا. كانت له رسائل مع محمد كانون ولكنها ضاعت، جراء انتقال الأستاذ محمد من مكتب إلى آخر، له أيضا عدد من رسائل مع بعض أصدقائه هناك، ولكنني للأسف الشديد لم أصل إليها.

أنا في الواقع، ليس لدىّ من مادة، تبرز حالة تفاؤله وهي التي حددتها في مقدمة عملي هذا بالفترة الثانية، وهي الحالة التي لمسناها في مقالته: «رحلة الليل والنهار في الغرفة 21» على الرغم من كونه استهلها بتذمر، وإن كان الوصف يحدد التحول من حال إلى حال. لقد اتخذ من مقولة (بريخت) مقدمة لمقالته، وهي التي تقول «نستبدل منفى بمنفى، مثلما نستبدل حذاء بحذاء!» ، غير أن حجم التفاؤل واضح جدا، وفي تقديري أنه البداية الحقيقية لهذه المرحلة السعيدة في حياته، ولذا نحن نحتاج لنوردها كاملة مثلما نشرها في منتصف سنة 1974:

 «الليل صديقي

فحين تخلو الطرقات من ضجيج العربات والمارة، وتُطفأ الأضواء في واجهات المحلات. على حين تظل قصاصات الورق تذرع الطرقات أمام الريح الوافدة مع عتمة المساء، فيما تتصافح أوراق الشجر في صوت خافت. حينئذ يتأبط الليل ذراعي، يأخذني من يدي ويرجع بي إلى غرفتي في الفندق. وإذ أغرقه بالضوء في الغرفة الباردة الجدران حين أدخل، يظل في وسعى أن أراه واقفا خلف زجاج النافدة متطلعا إلى بطيبة مفرطة. ثم، على نحو تلقائي، يريني سماوته الغامقة الزرقة، المرصعة بالنجوم، وقمره المتزن الفاتن، وندف السحابات الناعمة، وأشباح الأشجار البعيدة، وقطة تسرح في الطريق.

أصافح كل ذلك بعيني معا. أعانقه بحرارة. أبكي واضحك على صدره. أحكي له عن بقية أصدقائي، أفني فيه – عبر الليل-ذاتي. وأغنيه أشعارا لا أذكرها.

الليل صديقي

وحين أطفى النور، وآوي إلى سريري، يلج الليل زجاج النافدة، ويغمر الغرفة فجأة بحزن جليل دافئ. ثم بأحلام مشرعة الجفون، ملونة العتمة، وبالصور، بعيون خلوة متسامحة رأيتها كثيرا من قبل، بوجه الله المشرق في قاع قلبي. وأحرق لفافتي، رانيًا إلى السقف الذي لا أراه، وفيما أنفض رمادها، أكون قد نفضت عني كل متاعب اليوم . كل الحماقات الصغيرة وإساءات الآخرين إلىّ، كل أحقاد السنين الماضية. وخيبة العمر في كثير من الأحيان. كل ذكريات الجوع، والجري في كل الاتجاهات، والتسول من أجل كلمة طيبة، والبكاء بلا دموع على أرصفة العالم عبر الجليد! إني انفض قلبي مثل منديل أبيض مبلل، إلى أن تختفي من باحته غابة التجاعيد، وأعدم بقية لفافتي الأخيرة، وأشرع في أن أنام.

لكنما الليل صديقي

إنه يشدني من أذني برفق. ويذكرني بالوجوه العديدة التي قابلتها طيلة اليوم، وبمطر الصباح الباردة، والصداقات التي كان بإمكاني أن أعقدها، والكلمات النابضة المدفونة في بئر القلب، والقصيدة التي نسيت مطلعها في بداية المساء، وبطاقة البريد التي أزمعت كتابتها إلى أبي، واستقبال صديق قادم من الشمال غدا، وتتمة رسالة سأبعثها إلى (روز ماري) في لندن، وانحباس المطر، والقطرات المتشبثة بأوراق الأشجار عند الظهيرة مثل ندى الفجر، ثم تمزق الغيمات، وانجلاء الأفق، وانهمار أشعة الشمس المتفتقة، والدفء المتسلل! ويستغرقني النوم.

قلت لك إن الليل صديقي. لكنني أنساه على الفور، أخونه مباشرة حين يطويني النوم. وأظل أحلم بالنهار. برائحة الصباح الشذى. ومرأى الرجال المسرعين إلى أعمالهم . والحافلات الملأة بالعيون التي ما زالت تتثاءب، وعربات الأجرة المتلهفة أبدا. وأعناق الأشجار المتمايلة في وجه الريح. وتحيات الصباح الودودة، وألف شيء آخر أنساه دائما في زحمة رؤاي!

الليل صديقي..

إنني حين أهمّ بالذهاب إلى عملي في الصباح الباكر، وأودعه خلفي في الغرفة، أجده لا يزال يلاحقني على طول طريق المرفأ. إن عتمة الليل، حينذاك، لا تفتأ تنشر بقية أطيافها على الصباح، فيما يصبح في وسعي أن أرى جدائل النخيل المتموجة، وأضواء البواخر البعيدة، ولمعان الطريق المبلل، وتمثال الغزالة المحاط بست نخلات مهيبة، سامقة، والحديقة المهجورة ذات المقاعد الندية، وأن أسمع صياح النوارس المبكرة على امتداد الساحل، وأصوات الأقدام المسموعة على الرصيفين، والأمواج الرتيبة، وهدير العربات المضاءة، وتحيات الصباح الودودة!

إنني فيما أوالي مسيري، أحتضن كل ذلك شاعرًا بالصقيع، رغم هذا، يقرض عظامي. لكنما أظل أمنى النفس بأن الشمس ستشرق بعد قليل، وستوقظ عبير الأرض، وتغمر الناس – كل الناس- بالدفء والرضا.

ولقد كانت تشرق دائما، وكانت أبدا علامة جيدة على نهار يستحق الحياة. يستحق أن يعاش بكل أبعاده. قلت لك أن الليل صديقي، وأنا أقول لك أيضا أن النهار كذلك، فلتتبارك الحياة! - طرابلس 1975 -

حجم التفاؤل فيها واضح وكبير، فها هي الشمس ستشرق بعد قليل: «.. وستوقظ عبير الأرض، وتغمر الناس-كل الناس- بالدفء، والرضا. ولقد كانت تشرق دائما، وكانت أبدا علامة جيدة على نهار يستحق الحياة. يستحق أن يعاش بكل أبعاده. قلت لك إن الليل صديقي. وأنا أقول لك أيضا إن النهار كذلك . فلتتبارك الحياة ! »

 السهروردي المقتول في الغرفة 211

بتاريخ 13/7/1974 كتبت بيوميات صحيفة الجهاد مقالا عنوانه (السهروردي المقتول في الغرفة 211) ألحقته بورقتي (الأدوات الجمالية عند الفاخري). حينها لم أر الحوار الذي أجراه الأستاذ حسين مخلوف، مع خليفة الفاخري، وهو الذي نشرته مجلة الثقافة العربية، وضُم إلى كتابه (بيع الريح للمراكب) ولقد سعدت به، فمن محاوره (الزمن والمكان) ومن خلاله كان التوافق فيما كتبته وما صرح به الفاخري، الذي مثلما قلنا كان كتابتي لمقالي، مقيم، مثلما، في الفندق الكبير في الغرفة 211 . ولقد ربطت بين الغرفة، أي المكان، الذي يعد مهما في كتابات الفاخري، وهو الذي قال لي ذات مرة، أن هيمنجواي قال: «ما لم يكن لحكايتك مكان، فذلك يعني أنه ليس لديك حكاية! » ومع ذلك خالف هذا الرأي، فالمكان دائما موجود ومحدد بوضوح ومباشرة، غير أن في معظم أقاصيص موسم الحكايات تعمد طمسها، وينبغي أن نشير لعمل موسم الحكايات، لا نستطيع أن نسميه أقاصيص، ولا مقالات، ولا خواطر، فهو في الواقع عناصر مجالات النثر كافة. هذه العناصر، على الرغم من تأكيده عن المكان، والزمان هي تباشير النضج الأدبي في ما أنتجه الفاخري لاحقا مثل رائعته «النوارس» و«الوقفة بالجمعة» «طين البحر» و«ثعبان الليل» و«عناء الكلمات» و«منابت الريح»، وجميعها لا تتناول مثلما يرى البعض مساءلة شخصية للفاخري فقط، وإنما تمس جيله كاملا، فمن لم يعان من الفقر، على الرغم الثراء الذي لم يصل إليهم، ومن لم يكن يترقب، في ذلك الوقت إلى «مجيء الفرج» مثلما ورد بقصة ثعبان الليل، ومن لم يكن يتطلع إلى انعتاق، ومن لم ينتبه إلى رؤيته إلى الإنسانية ككل في «طين البحر». وينبغي أن ننتبه أن هذه المقالات كتبت خلال المرحلة الرابعة التي عادت به إلى المرحلة الثانية التي كان تحاصره، وهو يبحث عن ثغرة في جدار العيش في الخارج، وليس الهجرة بالكامل، فلقد توفرت لديه من بعد حالة

«الزحف على السفارات» ولكنه لم يقبلها! قبل هذه «المقالات» رأينا مقالات أخرى جميعها كتبت خلال المرحلة الثالثة، وهي التي كتبها بعدما استقر في كوبنهاجن، وهي التي سننتقي من زمانها بعضًا من رسائله، وسنرى البهجة والتفاؤل الكبيرين في هذه الرسائل . في الحلقات القادمة سوف نتناول بعضًا من هذه الرسائل.

 

المرحوم الأستاذ الأمين كانون
الأستاذ محمد حسين كانون
جنقي وشقيقه ونيس الفاخري
رافع جعودة سنة 1967
المرحوم رافع جعودة
البطاقة البريدية التي بعثها الفاخري إلى شقيقه ونيس الفاخري
الاستاذ محمد حسين كانون 1962
الاستاذ مفتاح الدغيلي 1962

المزيد من بوابة الوسط