تجربة القطاع الثقافي الإسباني استثناء في زمن الوباء

المسرح الملكي في مدريد، 14 يناير 2021 (أ ف ب)

أصبحت إسبانيا أشبه بواحة ثقافية في عالم يشهد تحولات بسبب جائحة «كوفيد-19»، إذ يمكن فيها، خلافًا لما هي الحال في كثير من البلدان الأوروبية، فتح المسارح ودور السينما أو قاعات الحفلات على الرغم من تجدد ارتفاع الإصابات.

أمام جمهور المسرح الملكي في مدريد الأسبوع الماضي، عبر التينور المكسيكي خافيير كامارينا الذي لم يعتلِ خشبة المسرح منذ أشهر، عن امتنانه لإسبانيا، فقال «أن أكون هنا أمامكم نعمة، وأنا أحيي من كل روحي الجهود المبذولة في هذا البلد للدفاع عن الثقافة»، وفق «فرانس برس».

كان 1200 شخص يجلسون قبالته في مقاعد وصلوا إليها متبعين علامات إرشاد دقيقة بعد فحص حرارة أجسامهم، وكانوا يرتدون بزات أو معاطف من الفرو لكنهم كانوا يضعون كمامات.

هذا المسرح الذي غنى فيه كامارينا هو أحد المواقع الثقافية التي سمحت السلطات الإسبانية بإعادة فتحها منذ الصيف الفائت، بعد تدابير الحجر المشددة، ولكن وفق شروط صحية صارمة، ومنها مثلًا الاكتفاء بجمهور محدود، وترك مسافة بين الحضور، وإقامة نظام تهوية جديد، وإبقاء المشرب وغرفة تعليق المعاطف مغلقين، وسوى ذلك. ولا تزال هذه المواقع الثقافية تعمل على الرغم من تجدد تفشي الوباء، خلافًا لما هي الحال في فرنسا أو ألمانيا على سبيل المثال.

وترتب هذه الشروط على الصالات أكلافًا باهظة واستثمارات ضخمة في بعض الأحيان. فالمسرح الملكي الذي حضر إليه الملك والملكة في منتصف سبتمبر الفائت، أنفق «مليون يورو» لتعقيم الصالة والمقصورات وحتى الأزياء بالأشعة فوق البنفسجية.

ولم توفر الإجراءات الجديدة الفنانين، فبالإضافة إلى فواصل التباعد والحماية بينهم، تُجرى للموسيقيين فحوص منتظمة، ويضعون كمامات، باستثناء أولئك المختصين بآلات النفخ.

مساحة آمنة
وقال وزير الثقافة الإسباني خوسيه مانويل رودريغيز أوريبس «علينا إقامة هذه الأنشطة ونستطيع ذلك»، مشددًا على ضرورة «إثبات أن الثقافة مكان آمن».

إلا أن الوباء أجبر بعض الصالات على أن تقفل أبوابها مجددًا، كدار «ليسيو» للأوبرا في برشلونة في نوفمبر.

ولم تتمكن أماكن ثقافية عدة من إعادة فتح أبوابها بفعل تدابير حظر التجول وقلق الجمهور والصعوبات الاقتصادية، وهي تكافح من أجل الصمود.

وقال خافيير أولميدو، مدير جمعية «نوتشي إن فيفو» التي تضم 54 قاعة للحفلات الموسيقية في منطقة مدريد، إن «80 في المئة (من هذه الأماكن) لم تفتح منذ مارس». وأضاف «إنها لحظة يأس».

وأُطلِقَت مبادرات عدة على الشبكات الاجتماعية بهدف إعادة الجمهور إلى المسارح، مبرزة عدم تسجيل أي بؤرة إصابات فيها.

ورأت مسؤولة الثقافة في منطقة مدريد مارتا ريفيرا دي لا كروز أن «أماكن موسيقى البوب التي تقام فيها الحفلات الموسيقية الحية ستحتاج إلى اللقاح للنهوض مجددًا».

وفي الانتظار، تحرص السلطات على إجراء فحوص سريعة. ففي برشلونة، حضر 500 شخص وقوفًا حفلة موسيقية وكانوا ملتصقين بعضهم ببعض لكنهم كانوا يضعون الكمامات، وأجريت اختبارات لهم في إطار دراسة سريرية في ديسمبر. وتبين بعد ثمانية أيام من الحفلة أن أياً منهم لم يُصَب بالفيروس.

ورأى اختصاصي الأمراض المعدية بوريس ريفولو الذي أجرى هذه الدراسة أن هذه الوصفة يمكن أن تشكل «الحل الأكثر أمانًا لإحياء الأنشطة الترفيهية».

ينقص العرق
وقالت بالوما أرويو (38 عامًا) خلال حضورها فيلمًا في سينما «رونوار» بوسط مدريد «لدينا الكمامة، لا نتبادل الأحاديث». وأضافت مازحةً «قد يكون تناول بعض الأشخاص الفشار خطيرًا بعض الشيء».

وإذا كانت وسائل النقل العام تعتبر آمنة، فإن دور السينما آمنة أكثر، على ما أكد بابلو بلاسكو الذي لا يفهم «لماذا لا يكون الأمر على هذا النحو في البلدان الأخرى».

على بعد بضع مئات الأمتار، يقع «مقهى برلين» الذي أغلق أخيرًا حتى إشعار آخر. وسط أضواء زرقاء وعلى وقع الموسيقى الصاخبة، يُمنع الرقص وقوفًا، ويكتفي الحاضرون بالتمايل على كراسيهم المخملية الصغيرة المثبتة أمام منسق الأسطوانات الذي يقوم بمهمته على خشبة المسرح.

وهذه الصيغة ما هي إلا بديل لا يفي بالغرض، ففي رأي ماريا لورينز (20 عاما)، لا يحلو الرقص من دون «الجو الاحتفالي، والشعور بالناس، والالتصاق، والعرق!».

المزيد من بوابة الوسط