ذاكرة ليبيا التاريخية في خطر.. القصة الكاملة لنزاع «الأوقاف» و«مركز المحفوظات»

المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية (الإنترنت)

تداولت وسائل إعلام عدة، من بينها مواقع إلكترونية وصحف وصفحات على مواقع التواصل، خبرا عن أزمة بين الهيئة العامة للأوقاف التابعة لحكومة الوفاق والمركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية «مركز جهاد الليبيين سابقا»، إذ أمهلت الهيئة المركز ثلاثة أيام لإخلاء مقره وتسليمه.

ونشر خطاب موجه للمركز، بتاريخ الرابع من يناير، يفيد بوجوب الخضوع لحكم صادر عن محكمة الاستئناف بطرابلس بشأن تبعية الأرض المقام عليها مقر المركز للأوقاف، وفق «المرصد».

وتعود الأزمة للعام 2007، حين أعلنت هيئة الأوقاف أن الأرض المقام عليها المركز تخص وقفا تابعا للهيئة كونها جزءًا من مقبرة سيدي منيذر، الواقعة في حي بالخير وسط طرابلس، وهي دعوى رفضها المركز أمام القضاء.

طالع: داخلية الوفاق: تأمين مقر مركز الدراسات التاريخية بعد تعرضه لتهجم من مجموعة

ووفقا للمعلن، فإن المركز تأسس في 1977، ويضم نحو 27 مليون وثيقة، إضافة إلى مئات من الكتب التي طبعها المركز في مجال الدراسات التاريخية والاجتماعية والتوثيقية، وأصدر قرابة خمس دورات ومجلات بحثية، كما أقام مئات الندوات والمؤتمرات الدولية التي شاركت فيها عديد الدول.

وفي سياق متصل، كشف قسم التحقيقات بمكتب النائب العام تكليف قوة تابعة لوزارة الداخلية بحماية وتأمين مقر المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية، إلى حين حل النزاع حوله بالطرق القانونية، حسب «صدى».

وتحت عنوان «الحفاظ على المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية واجب وطني مقدس»، قالت الهيئة العامة للثقافة: «كنا نأمل أن نحتفل سويا هذا العام، بالعيد الثالث والأربعين لتأسيس المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية، الذي يمثل الأرشيف الوطني للدولة الليبية، ويضم بين جدرانه أكثر من 27 مليون وثيقة مؤرشفة».

وتابع البيان المنشور على موقع الهيئة على الإنترنت: «كنا ننتظر أن يتم فتح فروع أخرى للمركز لتلتحق بفروعه في كل من بنغازي، وسبها وغدامس، أو ربما كنا ننتظر أن يتم تكريم الدكتور محمد الطاهر الجراري، ومن معه من باحثين، وموظفين، وجامعي الوثائق الشفهية، والمرئية، والمخطوطة، فقد حقق المركز بميزانيات ضئيلة ما عجزت عنه مؤسسات صرفت لها الضعف».

طالع: إنقاذ "المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية" ودعمه مسؤولية وطنية

وأصدر المركز أكثر من 1000 عنوان، وأسهم في المئات إن لم نقل الآلاف من البحوث، وهو بيت خبرة لجل المؤسسات الليبية، السياسية، والثقافية، وحتى الاقتصادية، والعلمية.

وقالت الهيئة: «اليوم تتقاذفه رياح المصالح الشخصية الضيقة، ويعامل وكأنه شركة تجارية مات ورثتها، ووجب تصفيتها والاستحواذ عليها».

واختتم البيان: «المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية، حارس الهوية الليبية، وآخر ما تبقى من أرشيف ليبيا الذي لم تطله أيدي العابثين، والسماسرة، يتعرض منذ العام 2005 للتهديد، تارة بالابتزاز، وتارة أخرى بالقفل، وقد أدخلوه في دوامة المحاكم أكثر من مرة، بسبب خطأ إداري تمثل في عدم نزع ملكية الأرض التي أقيم عليها للمنفعة العامة عند تأسيسه في العام 1978، وبسبب مطالبات فرع الهيئة العامة للأوقاف المتكررة، بإيجارات شهرية تقترب من سقف المائة ألف دينار، وهي أعلى قيمة إيجار تطلبها جهة عامة، من مؤسسة عامة أخرى، وكلتاهما جهة حكومية، وقد استندت هيئة الأوقاف في ما ذهبت إليه، كون المركز قد شيد على أنقاض مقبرة قديمة، وهي مقبرة سيدي العرضاوي، فيما تعود تبعية المقابر التاريخية لمصلحة الآثار، وليس لهيئة الأوقاف، ولكن لا أحد يعلم كيف استطاعت الأوقاف استغلال هذا الخلل الإداري، لتضع مصير 27 مليون وثيقة نادرة في مهب الريح».

وتحت عنوان «لماذا تصر هيئة الأوقاف على إزعاج التاريخ؟!»، كتب جلال عثمان في «بوابة الوسط»: «أقيم المركز على أنقاض مقبرة قديمة، وهي مقبرة سيدي العرضاوي، وبحكم قانون الآثار، فالمقابر القديمة قد صنفت مناطق أثرية، وبذلك تكون تبعيتها لمصلحة الآثار وليس لهيئة الأوقاف. والخطأ بدأ عندما تم التغاضي عن إصدار قرار بنزع ملكية الأرض للمنفعة العامة، فلم يكن المسؤول حينها قد حسب لما حدث بعد انتفاضة فبراير أي حساب».

طالع: لماذا تصر هيئة الأوقاف على إزعاج التاريخ؟!

وتابع: «السجال بين إدارة المركز لم يكن وليد فبراير، ولكنه ولد مع المركز، الذي كان الأبرز، والأكثر إنتاجًا ضمن المراكز التي تأسست معه، أو قبله، حيث بدأت المشكلة بضم الأرض كوقف، ولا أحد من الذين تواصلت معهم يعرف كيف تم ذلك. هنا دخل المركز في صراعات، وتصادمات، ونزاعات مع هيئة الأوقاف. النزاع انتهى مرحليًّا في العام 2005 بحكم قضائي ألزم المركز بدفع 2000 دينار شهريًّا مقابل إيجار قطعة الأرض التي أقيم عليها، وبعد أربع سنوات تسلم فرع الهيئة في طرابلس مبلغ أربعة ملايين دينار كقيمة إيجارات، تغطي الفترة السابقة وجزءًا من الفترة اللاحقة، وما كاد الصراع يدفن حتى عاد ليمد أطرافه على السطح بعد العام 2011، وأعيد تفعيل ماراثون السجالات، حتى تم التوصل إلى تسوية جديدة قبيل دخول حكومة الوفاق إلى طرابلس العام 2016، وتكونت لجنة سداسية من الطرفين لتسوية الخلاف، بأن يتم احتساب قيمة الإيجار وفقًا لقرار المحكمة، ذي الأربعة ملايين، إلا أن الطرف المحاور من جانب هيئة أوقاف طرابلس، كان يرنو أيضًا إلى رفع قيمة الإيجار. في 28 نوفمبر 2016 كانت البداية المرحلية للنهاية، حيث صدر حكم بالحجز على المركز، وعلى مرتبات العاملين في كامل فروعه، من بنغازي إلى غدامس، مرورًا بسبها، رغم أنه لا يجوز قانونًا الحجز على المال العام».

وقال عثمان: «بدل أن يواصل المركز بحوثه ودراساته، وتجميع الأرشيف الليبي المتناثر هنا وهناك، تفرغ لمواجهة حرب شرسة، في ساحات الادعاء، وطالب برفع الحجز، وإعادة القضية للجنة السداسية المشكلة من الطرفين، ولكن لم يحدث ذلك، بل تحولت هيئة الأوقاف إلى استخدام أسلحة جديدة، تمثلت في سلاح المحاصرة والاعتصامات، حيث شهد ديسمبر 2016 أول حصار للمركز من قبل جماعات محسوبة على هيئة الأوقاف، تطور ليصبح اقتحامًا بملابس عسكرية، من جماعة مسلحة، وأخرى مدنية، تمكنت لاحقًا من الدخول إلى مكتب الدكتور محمد الطاهر الجراري، مدير المركز، مطالبين إياه بإخلاء المبنى في الحال، أو الموافقة على توقيع رسالة إقرار تفيد بملكيته لهيئة الأوقاف، وهو الحل الذي وجده الدكتور الجراري كفيلًا بحماية المركز من الضياع».

وفي فبراير 2017، كتب عمر الككلي في «بوابة الوسط»، تحت عنوان «إنقاذ المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية ودعمه مسؤولية وطنية»: «الآن يتعرض هذا القلب النابض بالتاريخ الليبي إلى محاولة إماتته والقضاء عليه من خلال إثارة مشكلة قيمة إيجار المبنى الذي يشغله من قبل الجهة المالكة للعقار، وهي الهيئة العامة للأوقاف بطرابلس، من 2000 دينار ليبي إلى 96000! وهددت بإخلاء المركز وحجزت إداريا على حساباته بالمصارف بحيث لم يعد يتمكن من صرف رواتب العاملين به».

المزيد من بوابة الوسط