الرسام البرازيلي «كانديدو بورتيناري»

جدارية الفنان بورتيناري بالامم المتحدة

الرسام البرازيلي «كانديدو بورتيناري»

أنفق «بورتيناري» الذي ولد يوم 29 ديسمبر 1903، أربعة أعوام من عمره ينفذ لوحة «الحرب والسلام»، وهي التي قدمتها البرازيل هدية إلى الأمم المتحدة، فوصفها حينها «داغ همرشولد»، الأمين العام للأمم المتحدة، سنة 1956، بأنها «أهم عمل فني ضخم تم التبرع به للأمم المتحدة». حدث ذلك من بعد أن ناشدت الأمم المتحدة الدول التابعة لها التبرع بعمل فني لمقر المنظمة الجديد.

يعد «بورتيناري» من أهم الرسامين البرازيليين الذين نفذوا لوحات بأسلوب الواقعية الجديدة، زادت على خمسة آلاف لوحة متنوعة ما بين الرسومات الصغيرة والأعمال الضخمة. ظل نشطا طوال حياته مساهما اجتماعيا وباقتدار في الثقافة البرازيلية، وكذلك الحياة السياسية.

كانت أول وأهم وظائفه هي رسم الصور الدقيقة باستخدام الدهانات ثم تكبير الصور، التي كان يبيعها بنجاح، لأن التشابه كان مذهلًا. ثم التحق بالمدرسة الوطنية للفنون الجميلة في «ريو دي جانيرو». فاز بجوائز الصالون خلال السنوات: 1923 و1925 و1927. وفي العام 1928 حصل على منحة مقدمة من الحكومة البرازيلية للدراسة في أوروبا لمدة ثلاث سنوات.

استفاد بشكل كبير من دراسته للعديد من الأعمال الفنية الأوروبية، وزار المتاحف والتقى خلال رحلاته «ماريا مارتينيلي» التي أصبحت زوجته. طوال دراسته، لم يرسم كثيرًا ولكنه درس وعاش حياة غير التي اعتادها في وطنه، ولما عاد ظل متحمسا للمساهمة في تطور وطنه، فأخذ يرسم بأسلوب واقعي للحياة في البرازيل، ملتقطا آلام وصراعات شعبه من خلال فنه، يصورها من خلال جمالها الطبيعي وواقع الحياة القاسية للسكان الأكثر فقرًا في البلاد، متابعًا اندماج تكوينه الأكاديمي مع الطليعة الحداثية. ظل على حاله ولم تغيره تجاربه وآفاقه الجديدة. ظلت جذوره مهمة بالنسبة له وسعى إلى تصوير الروح البرازيلية الحقيقية، ليرى العالم الواقع القاسي لظروف المعيشة في البرازيل والنضال من أجل البقاء، وظهرت القوة والعمل الجاد والاستقلالية والأصالة في أعماله كلها.

في العام 1939 عرض أعماله في معرض نيويورك العالمي. وفي العام التالي، عرض لأول مرة لوحة قماشية في متحف الفن الحديث. وبظهور الفاشية في أوروبا، وتفجر الحروب، وبسبب تواصله الوثيق بإشكاليات المجتمع البرازيلي، تأكد الطابع الاجتماعي في أعماله، ثم دفعته مسؤوليته وقناعته للمشاركة السياسية.

انضم إلى الحزب الشيوعي البرازيلي وسنة 1945 ترشح لمنصب نائب، ثم عضو مجلس الشيوخ سنة 1947. ولكن اضطهاد الشيوعيين خلال حكومة «يوريكو غاسبار دوترا» دفعه للفرار إلى الأوروغواي. في العام 1951 خصصت غرفة خاصة لأعماله في معرض «ساو باولو للفنون». عاد إلى البرازيل في العام التالي، بعد إعلان عفو عام من الحكومة في العام 1956.

تجاوز «بورتيناري» تكوينه الأكاديمي الأصلي مستثمرا استيعابه للتقنيات والأساليب الحداثية، فشكلت له شخصيته المتميزة في الرسم، فشملت أعماله لوحات صورت العمالة الريفية والحضرية واللاجئين الفارين من المصاعب في المناطق الريفية الشمالية الشرقية في البرازيل؛ ومن هذه الجوانب الرئيسية والمعروفة عالج الأحداث الرئيسية في تاريخ البرازيل منذ وصول البرتغاليين العام 1500، وصور الطفولة، وأفراد عائلته، وكبار المفكرين البرازيليين، ورسوما توضيحية للكتب ورسومات البلاط الذي يزين كنيسة ساو فرانسيسكو في« بامبولها» و«بيلو هوريزونتي». وانتشرت أعماله في صالات العرض في البرازيل وفي خارجها، بدءًا من كنيسة العائلة في منزل طفولته، إلى غرفة القراءة بمكتبة الكونغرس بواشنطن، بل إلى مبنى الأمم المتحدة في نيويورك.

ولأن بورتيناري جاء من عائلة فقيرة مهاجرة مكنته من البروز خلال عصر الحداثة البرازيلية بثقافته ووعيه كفنان بارز ملتزم جعلته فخرًا للعمال في ذلك الوقت، باعتبار أنه لا يختلف عن طبقتهم، فمهد له ذلك السبيل أن يرسم العمال بشخصيتهم الحقيقية التي عاشها ويعرفها تماما، فكانت أكثر صدقا وتأثيرا من تلك التي رسمت مجهولة الهوية. وهذا ما جعله، على سبيل المثال، يرسم لوحته «المستيزو» بشخصية تبدو قوية وكفؤة ونبيلة. في هذا يوضح أن العمال لم ينكسروا، وإنما كانوا فخورين ومستقلين. لقد استخدم ثقافته وخبرته في الحياة ليضيف إلى شرح ماهية البرازيل بأسلوب واقعي مميز.

وتمثل لوحات مزارع القهوة عمالها أقوياء، مبالغا بحجم أيديهم وأقدامهم لإبراز قوتهم وقدرتهم على العمل الشاق، يعملون معا للمحافظة على مزارعهم وصيرورة الحياة. تُعد لوحة القهوة التي رسمها سنة 1935 تصويرًا رائعًا «للواقعية» نظرًا للطريقة التي رسم بها شخصياتها بالأجساد القصيرة والرؤوس المستديرة والألوان البنية والحمراء للأرض، ففي سنة «1938» يصور« بورتيناري » العمال في مزارع البن، وباللوحة نشاهد امرأة وهي توازن صندوقًا على رأسها وأيضا أطفالا، والإشارة واضحة إلى أن الأطفال كانوا حاضرين أثناء هذا العمل الشاق أيضًا، لتشجيعهم على مساعدة الوالدين، وبالتالي مواصلة المسيرة من بعدهم. لقد أعطيت الأرض للعائلات مقابل عملهم في المزارع حيث كانوا يعتنون بنصيبهم. لقد ضمّن بالصورة إيحاءات عن أهمية البرازيل، ولقد قال عن هذا العمل الفني: «البرازيل تزدهر وتشتهر بجهد وصبر مزارعي القهوة».

أما لوحة الحرب والسلام «1952-1956» عبارة عن لوحة جدارية تم إنشاؤها عندما طلبت الأمم المتحدة من البرازيل التبرع بعمل فني. ابتكر بورتيناري جداريتين لإظهار الحرب والعذاب والخوف والألم، والتي أظهرت كيف عانى منه الناس وتأثرهم أثناء الحرب. خلق استخدامه للألوان الزرقاء في الحرب تباينًا بين اللون الأصفر الفاتح في السلام. كان الهدف الثاني هو التعبير عن السلام والسعادة. قيل فيما كتب عنه وعن هذه اللوحة: «إنها نوع من الرؤية البريئة للجنة».

كان يقصد، أيضا، من خلال هذه اللوحة، ربط المجموعات العرقية المختلفة وإظهار السلام بين مجموعة متنوعة من الأفراد، إذ إن البرازيل تتكون، في ذلك الوقت، من مجموعات كبيرة ومتنوعة من الأعراق. كانت لوحته تهدف إلى خلق تواصل بين الأفراد متعددي الثقافات، وكانت كأنها تقول إن الحرب شيء لا يجب أن يحدث مرة أخرى، فيأتي الزوار ليشهدوا مثالا للحرب ويغادروا مدركين أن السلام يمكن تحقيقه بالفعل. إن لوحة الحرب والسلام هي مزيج من حياة كاملة ملتزمة بالبشر. وهكذا ظلت لوحاته تتحدث عن آرائه السياسية المتشددة، ضد الظلم والعنف والبؤس في العالم.

في مكتبة الكونغرس، بالعاصمة واشنطن توجد أربع جداريات رسمها «بورتيناري» في العام 1941 تصور نضالات الأميركيين ذوي الأوصال الإسبانية. إن اكتشاف الأرض، والدخول إلى الغابة، وتعليم الهنود، واكتشاف الذهب كلها تهدف إلى تمثيل مجيء الإسبان والبرتغاليين إلى أميركا. واستغرق تنفيذها شهرين ساعده خلالهما شقيقه لويز. لقد كلفت الحكومة البرازيلية «بورتيناري» بالسفر إلى واشنطن لرسم الجداريات، بحيث تمثل بلدهم. وتذكرنا اللوحات الجدارية بالبحارة الذين أبحروا بقواربهم، واكتشاف الأرض، والدخول في الغابة وأسلوبه في تكبير أذرع وأرجل الشخصيات لإظهار قوتهم. أما في تعليم الهنود فيخلق مشهد لكاهن إسباني مع الهنود، وأبرز لون التربة البرازيلية الحمراء. وباللوحة الجدارية الأخيرة «اكتشاف الذهب» اختار الفنان رسم قارب واحد وأشخاص محددين يوحون بأنهم عثروا على الذهب.

قال بورتيناري ذات مرة: «أنا ابن الأرض الحمراء. قررت أن أرسم الواقع البرازيلي، عارٍ وخشن كما هو». لم تكن الحياة في البرازيل سهلة بالنسبة له، فهو لم يكن ثريًّا أبدًا، ولكن رغبته في إظهار دليل على هذه الحقيقة واضحة في كل أعماله الفنية، وكان هدفه إبراز أن الإسكان السيئ، والتغذية غير الكافية، وغياب التعليم، والوعي، وكذلك الرعاية الصحية أو حتى انعدامها، أدى إلى تفشي الأمراض المختلفة، وبالتالي خلق أوضاع يائسة للشعب البرازيلي الذي كافح من أجل بقائه بعيدا عن الوعي العالمي بالألم البشري هو الذي حاول تصويره في معظم لوحاته.

ولقد أثر «بورتيناري» بشكل كبير على جيل المستقبل البرازيلي من الفنانين والموسيقيين والشعراء والملحنين. بعد أن سافر إلى أوروبا كثيرًا، ودرس فنهم وتقنياتهم وأساليبهم، عاد إلى البرازيل عازما على ابتكار طريقته الشخصية وتفسير أسلوبه الخاص، مستخدما ألوان وطنه من الأحمر والبرتقالي، بدلًا من الاستمرار في تقليد المظهر الأوروبي، فرسم ما عايشه بصدق. ولقد حثت أعماله الفنانين الناشئين على اتباع أسلوبهم الفريد الخاص بحياتهم وتجاربهم وواقعهم في بلدهم.

وحذره الأطباء من مخاطر سموم الألوان الصناعية، ولكنه لم يستسلم واستمر في الرسم، فعانى من اعتلال صحته خلال العقد الأخير من حياته. وتوفي في «ريو دي جانيرو» العام يوم 6 فبراير 1962    نتيجة تسمم بالرصاص من دهاناته التي يستخدمها في رسوماته. تبرز أعماله الشعب البرازيلي وسماتهم، مؤكدا: «أنه سيرسم هؤلاء الناس بتلك الملابس وهذا اللون لهذا السبب». وقيل عنه إنه: «كتاب فني ضخم يعلم البرازيليين حب المزيد من أراضيهم».

لقد تولى ابنه «جو كانديدو Joao Candido» من سنة 1979 إحياء أعماله وإشهارها والحفاظ على تاريخها، ولم يتمكن إلا من نحو 5000 لوحة فقط، وإن كان قد وثق آلاف الرسومات والوثائق المتعلقة بحياة «بورتيناري» ورحلاته وتفاعلاته. ونُشر كتالوج لأعماله الكاملة في العام 2004. فكان عملا يغطي الأعمال الكاملة لرسام من أميركا اللاتينية. وقام أيضًا برعاية أول معرض لأعماله في العام 1997.

 

الجدارية بالامم المتحدة
الفنان وبعض لوحاته عن ارض البرازيل الحمراء والعمال الاقويا
الفنان واسرته ونموذج لعمال البرازيل الاقوياء
سيدة بزيلية وطفليها
البؤس
قوة العمال
الام وطفلتها على ضفاف النهر
لوحة العامل القوي اصبحت طابع بريد
لوحة البن الشهيرة
الببغاء
مزارع البن
الجوقة البرازيلية
مطر ومظلات
قسيس
بعد الحمام
رمز العمال الاقويا
الرقص
صورة الفنان بونتاري على العملة البرازيلية
عائلة سعيدة
اقفاص
الرقص
الرقص

المزيد من بوابة الوسط