سميرة البوزيدي: المشهد الليبي بائس والنقد ميت ولا رجاء فيه

سميرة البوزيدي (بوابة الوسط)

للشعر صرخته الوجودية الخاصة، يبني فيها الشاعر رؤيته ويحدد خلالها علاقته بالعالم، ولكن يبقى هذا الفضاء في النهاية متماديا في ديمومة الهدم والبناء، المشاكسة لصور وتجليات أحلامه الشعرية المتمردة.

وإذا ما كان هذا القلق يعايشه الشاعر كصديق لذوذ، ما هي انعكاساته الحسية وسط واقع يفور بالحرب والعزلة والدمار، تمثل ليبيا إحدى نماذجه، كيف تبدو وجهة نظره نحو ذاته وما تترجمه بصيرته الداخلية عبر نتاجه وكذا تقييميه لمشهده الثقافي، والأسس التي يبني عليها صياغته الفلسفية لاستجلاء مكامن هذا العنف، وذلك في حوار أجرته «بوابة الوسط» مع الشاعرة سميرة البوزيدي حول ما دونته مؤخرا من نصوص تحاكي فيها هذا الواقع وتسائله.

من سبق الآخر إلى فضاء الشعر، القصيدة أم سميرة البوزيدي؟
طبعا النص موجود كحالة تعبير وجودي قبلي وقبل غيري، يأتي الشعر كحالة اندماج خاصة بيني وبين ما أكتبه، وكيف يمكن أن أجعل ما أكتبه يكون حقيقيا وليس مجرد لغو شعري، وبالتالي فإن هذا الاندماج لابد أن يأخذ شكله النهائي عبر تكريس نمطي الشعري الخاص، وأيضا تطوير هذا النمط بشكل دائم.

في (سيرة الأيام الماضية ) تقولين (أعيش دائما في الكتابة) وفي رؤيا أخرى (الشعر مجرد تابع أحمق)، وقوفك بين القداسة والهامش، هل يمثل تفسيرا لحالة طارئة أم نظرة دائمة؟
أنت تعرف أن كل شاعر يحمل تطرفا معينا، وبقدر ما يغدي هذا التطرف الحالة الشعرية فإنه يشكل ثقلا رهيبا على روح الشاعر، وتطرفي يتعلق بهذا الشغف الحاد بالشعر وبين كراهية تصل إلى حد التبرؤ منه، هي حالة غريبة وربما مستهجنة وصعبة على التفسير، من ناحيتي توقفت عن البحث عن تفسير لهذا، أكتب بطريقتي البسيطة وهذا ليس تواضعا، طبعا حاولت التوقف كثيرا عن الكتابة وما زلت أحاول، وهذه الحالة في مجملها ليست حالة طارئة بل هي دائمة ومردها إلى كون الشعر يفتح الوعي على الحياة بشكل أجده مؤلما وصعب التعايش معه.

هذا يقودنا للسؤال عن الكتابة، هل ترينها حالة سجنية ثابتة أم صيرورة من التحرر المتواصل؟
بالطبع هي حالة تحرر لا يستنفذ نفسه، الكلام عن هذا يمكن ألا يتوقف.

إشارتك أحيانا للتخلص من إرثك الشعري، هل المقصود القطيعة مع الأفكار، الأسلوب، اللغة، أم ظرفية الزمان؟
ربما هي استمرار لحالة التبرؤ لدي، وهي ايضا في جوهرها حالة تخلي عن نمط الكتابة السابقة.

أنا فظيعة في هذه المسألة، أكتب كل يوم ويفتنني النص وأنشره ولكنني في الغالب أرتد على معظم نصوصي حتى الأخيرة منها بالمحو والحذف، لست أدري ولكن لابد أن يكون وعي الشاعر بنصه حاضرا، لأن ما نكتبه في الغالب يأسرنا وطبعا ليست كل النصوص في مستوى واحد، لهذا لابد من الفرز في نهاية الأمر والتخلص من الكثير من الثقل الفائض.

نص «الأيام الغريبة» يستحضر السؤال ويتركه معلقا؟ استفزازك الإجابة ألا يعني انتفاء سببية النص؟
في الغالب هو سؤال لا يحتاج إجابة، هو تعبير عن الحيرة والألم أكثر منه سؤال، أقصد هي مجرد حالة شعورية لحظة الكتابة، أنا أكتب في الغالب دون تفكير، تقودني اللحظة إلى روح النص وبالتالي لا يمكنني تفسير نص ما.

نعثر على ما يشبه جلدا للذات في قصيدة «أنا من قبيلة الوهم» هل هي مساءلة فلسفية للواقع، أم لروح الشاعر؟
ينبغي للشاعر أن يتحرر من ذاته ويواجهها وأيضا يواجه واقعه، والذي هو مزرٍ وفي غاية البؤس ومواجهة للشعر أيضا كونه مفتاح الوعي.

ليست حالة جلد ذات ولكنها نوع من الاحتجاج على أن تكون شاعرا يحمل كل هذه الحساسية في بيئة لا تعترف بالشاعر وترى كلامه ضرب من التهاويم ونتاج الفراغ والرومانسية الزائدة.

في الحقيقة أنا وصلت لمرحلة أنه لا يهمني من يقرأ أو لا يقرأ وهذا ليس تعاليا بقدر ما هو محاولة الكتابة دون التقيد برأي الآخر.

تحاولين في قصيدة (خمس رسائل للنسيان) إيجاد طريقة خيالية لإزاحة القبح، لكن إلى أي مدى يمكن تجيير الواقع لصالح القصيدة؟
بداية يجب أن أشير إلى مسألة دور الشعر، ليس له دور هنا بالمرة، لم تترك له ظروف الحياة اليومية عبر أحداث الحرب والقتل والخطف وقمع الأصوات الحرة أي دور، كيف يمكن أن يحيا الشعر في هكذا حال، ولكن يظل للشاعر دائرته الصغيرة.

هذا الهامش الذاتي وهو الخيال بكل ما يحمله من عبث، يحلق الشاعر ويواصل التحليق حتى يسقط لاهثا في الفراغ.

في الحقيقة لا أحب أن يتحول الأمر برمته لمعالجات خيالية ورومانسيات مريضة، الشعر أكبر من هذا الدور، ويمكن الإشارة هنا إلى المشهد الشعري الذي يمثل الفيس منصة له.
فبنظرة واحدة يمكن نرى ذلك الكم الهائل من النصوص دون أن يكون هناك شعر حقيقي، المشهد الليبي في غاية البؤس، أصوات قليلة جدا التى تواصل نحت نصها وتجربتها الخاصة، أيضا أنا متشائمة جدا فيما يخص النقد الذي هو ميت تماما ولا رجاء فيه.

تقولين «أنا آخر الحالمات»، ما الذي يمثله الحلم لسميرة البوزيدي؟
ربما قلتها في معرض السخرية من نفسي، بالنسبة للحلم لست أدري ما جدوى ذلك هنا، الحلم قرين الوهم وبقدر تعاملي مع الشعر بشكل دائم لكنني واقعية جدا.

الحرب والعزلة لها إسقاطاتها على النصوص، هل قادتك تأويلاتها إلى إعادة تقييمك للقيم أو لبعض الثوابت؟
ليست محاولة للتفسير، أنا أحكي وأواصل الحكي في نصي، توقفت عن محاولة إيجاد تفسير أي شيء، أكتب بغضب وحزن هذا كل ما أفعله.

تعبيرك «هكذا أنا بلا رتوش»، هل يعني رسالة لمجتمع عجز عن الفهم؟ أم استنطاق داخلي للذات؟
نصوصي في معظمها حوار عن الذات بكل تقلباتها الذات المتأثرة بما يحيطها من أحوال الحرب والتخلف والموت اليومي، ولهذا نصي في الغالب يخلو من الجماليات الزائدة والحالمة، أكتب بواقعية بقدر مقدار الشعرية في النص، أنا لا أؤمن أن للشعر رسالة.

يتبدى الآخر في قصائدك ضبابي المعالم، هل مرد ذلك الرغبة في إبقائه عند تلك الصورة؟
نصي في الغالب مفتوح على الآخر رغم أنه ينطلق من حالة ذاتية خالصة، الآخر موجود من خلال يوميات الحرب والوباء والنزوح، أيضا الآخر كمرادف نفسي وعاطفي.

أحيانا يبدو صوت الناقد والشاعر يتصارعان في نصونصك.. الناقد الذي يقيس بالمسطرة والفرجار والشاعر الذي يعشق نسف الأشياء.. فماذا عن ذلك؟
أنتقد نفسي بشدة وأحاسبها لأن الشعر لا يحتمل التعامل معه باستهانة، أنا جادة جدا إزاء تجربتي وإزاء تجارب الآخرين لا أجامل أحد على حساب النص، وفيما يتعلق بالنسف فهو لنسف الجامد والتقليدي لأن أكثر ما يقتل الشعر قولبته ضمن نمط يفتقر للخيال والصياغات المغايرة.

رؤيتك الشعرية تتجه إلى نقد المرأة (المثقفة) في صورة أجبرت على إظهارها ضد مجتمع ذكوري مستبد، هل تعتقدين أن هذه الصورة رجعت بأثر سلبي وأكدت على مسألة الفصل بدل مقاومته؟
في الغالب هي كذلك الحالة، أنا أمقت النسوية والتجنيس في الأدب والفن والحياة بشكل عام ومسألة الصراع الحقوقي بين المرأة والرجل اتخذ أوجها هي ركيكة في الغالب وضد المرأة لأن الأداة خاطئة وتقليدية وأيضا محدودة الرؤية.

تشيرين للوهم كعامل مساعد، في رأيك ما هي المسافة الفاصلة بين الوهم والإبداع أو بشكل مباشر بين الوهم والشعر؟
عندما أكون غاضبة وناقمة أرى أن الشعر في جوهره وهم شديد ساهم كل شاعر في تكريسه، ولكن لا يمكن معرفة الحدود الفاصلة بين الوهم والشعر كيف يمكن للشعر أن يكون حقيقيا ووهميا، سلك رفيع لا يمكن تفسيره وربما كل الكتابة هي محاولة لتفسير هذا التناقض الغريب.

(أرشيفية: الإنترنت)
(أرشيفية: الإنترنت)

المزيد من بوابة الوسط