الكاريكاتير والجوائح.. الفن في مواجهة مفتوحة

عمل للفنان محمد قجوم (بوابة الوسط)

يظهر الفن في انعطافات كل مرحلة من مراحل الفوران البشري، نسخا وصورا وأشكالا لملامح تلك العواصف بكل أبعادها، وهي تجرف بزحفها المرعب كل مظاهر الإبداع الإنساني.

ويبدو الرسم هنا معنيا بتوثيق زمنية لحظة التحول قبل مضيها منفلتة في سرداب الذاكرة، بدأ بجداريات ما قبل التاريخ وحتى آخر إمضاء لوني لصيحات ما بعد الحداثة.

الكاريكاتير كفن حديث يعنى بملاحقة المتغير اليومي ويمضي لصيقا بالأحداث حال الإرهاصة وبعدها بحكم اقترانه بالصحافة، لذا يندفع في هذه المسيرة ناقدا ومستفسرا عن ردود أفعال الحياة المدنية ومؤسساتها إزاء ضربات النوازل، وكذا متطلبات المواقف عند الاتجاه إلى خيارات معينة والتنبيه إلى سلبياتها إن وجدت، وهنا تتباين خطورة المواجهة في توثيق يوميات خط النار بحسب المكان والظرف الحاكم، في حرب مفتوحة ضد الفساد والحرب والوباء.

عربيا ومع تعالي موجات الإصابة بفيروس «كورونا» تسعى السلطة الرابعة عبر الكاريكاتير إلى إبراز وجهات نظرها فيما خص تداعيات انتشاره، فنرى رسما ساخرا بصحيفة «الرؤية» الإماراتية يتناول مسألة فرض الغرامات المالية ضد من يخالف تعليمات التعامل عن بعد بألمانيا، وعرضت صحيفة «الغد» الأردنية ما يشير إلى تبني الجانب الاحترازي لتفادي الإصابة بالفيروس، وتنتقد صحيفة «الوطن» العمانية دور الأمم المتحدة بتصويرها كخيال مأتم، في حين تسلط صحيفة «الجريدة» الكويتية الضوء على الانعكاسات السلبية التي طرأت على حركة الاقتصاد العالمي، وتتناول «الشروق» التونسية الضرورة اللازمة للحجر المنزلي.

طالع: العالم في زمن «كورونا».. قراءة أولية بعيون ليبية

وقد يوظف «كورونا» لصالح بعض المناسبات، فترى صحيفة «الشرق الأوسط» أن جلب الكمامات للأمهات هي أفضل هدية لهن في عيد الأم.

ولا يبدو المشهد الليبي كاريكاتيريا بعيدا عن هذه الأفكار، مع وضع اعتبار الإشارة الفنية للخصوصية الليبية، فينبه الفنان محمد قجوم في رسوماته إلى ضرورة إيقاف الحرب ومحاربة الوباء باعتباره الخطر الرئيس، ويتجه في لوحة أخرى إلى مخاطر الاستهتار بالحجر المنزلي، كما يسعى في بعض الأعمال إلى مزج الجانب الإرشادي بالشخوص بغية تمرير المعلومة الطبية فنيا.

كما تتركز أفكار الفنان التيجاني بن زكري إلى التناوب بين نقد الجهل المجتمعي بالصحة البيئية، وصورة موازية لاستغلال تجار الأزمات لظرف الجائحة.

رسومات الفنان العجيلي العبيدي كانت حاضرة في فضاء الجائحة، وفي سؤالنا للفنان فيما إذا كان اعتماده على رؤية يومية أم أسبوعية للنشر الصحفي، يجيب بالقول: (الموضوع يوازي بين الرؤيتين، فتوقيعتك اليومية تحددها تحديثات أولية لتطورات جائحة كورونا وهي تفرض نفسها بقوة على مستوى البيت والشارع والمعلومة الدوائية، كما أن الرؤية الأسبوعية مثلا أو الشهرية تبقى كإطار عام ينظم قواعد اشتباكك مع الفواصل اليومية ويحدد مسار الفكرة وطريقة التناول.

وفي إجابته عن أسلوبه الذي يتبنى المباشرة، التي قد يراها البعض تتجه إلى المبالغة، يقول العبيدي إن ذلك يتأسس على فكرة الوضوح التام أو إدماج المتلقي في دائرة المسؤولية الجماعية، لأن خطورة الفيروس لا تسمح بأقل من ذلك، خصوصا أن البعض لا يريد استيعاب جدية الموقف.

والمشهد أيضا لا ينبغي أن يساق بكامله إلى الرهاب النفسي، هكذا يعلق العجيلي حول سؤال كيفية المواءمة بين الترفيه والجد، مضيفا أن الكاريكاتير ينحو إلى تخفيف حجم الضغط الحاصل بلمحات تختزل البساطة والفكاهة والمضمون.

وفيما إذا كان هناك أي تباين فني في طرق وشكل ومنحى التناول بين الرؤية الأوروبية والعربية أو المحلية حول الجائحة، يجيب أن العولمة الرقمية قلصت كثيرا هذا الفارق، فالأفكار جد متقاربة ويبقى الفيصل في الأسلوب الذي يعطي لكل فنان خصوصيته.

تنتهي الوقفة مع العجيلي لأدون ملاحظتي المتواضعة، التي ربما أكون مخطئا بخصوصها، وهي غياب النقد المؤسساتي أو الوزاري أو الحكومي كاريكاتيريا، لا على الصعيد المحلي فقط وإنما العربي أيضا، وإذا كان المواطن لا يدرك حجم الخطورة أو لم يرتق إلى سلم الإحساس بالمسؤولية، فالتقصير والإهمال والفساد الحكومي أمر فاق المتخيل ولا يمكن تجاهله، الفن لا يزال يسير على احتشام في مواجهة السلطة، نكتفي هنا بالإشارة، إذ لا يمكننا أيضا دفعه إلى مستوى احتدامي، تبقى تقديرات ولوجه خاضعة أولا وأخيرا إلى الفنان نفسه.

الفنان العجيلي العبيدي (بوابة الوسط)
عمل للفنان التيجاني زكري (بوابة الوسط)
عمل للفنان العجيلي العبيدي (بوابة الوسط)
عمل للفنان العجيلي العبيدي (بوابة الوسط)