العالم في زمن «كورونا».. قراءة أولية بعيون ليبية

كاريكاتير عن فيروس كورونا للفنان الليبي حليم (بوابة الوسط)

قدم الأدب عبر مسيرته أوجها عدة للأوبئة والجوائح، وجسد رعب الموت في نسق يربط بين الثواب والعقاب أو التنوير والجهل، أو الصمود والفشل، وتوظيف ذلك أيضا في إسقاطات لا تبدو بعيدة عن قضايا سياسية واجتماعية تعالج واقعها المعيش، كما مثلت مادة خصبة للمخيلة السردية، وهي تنفتح على بعد إنساني يتجاوز الجغرافيا ليتجاور مع الآخر.

كما رسم سيناريوهات محتملة لكوارث ستجتاح العالم، يوما ما، وتجعل الكائن البشري ضائعا بين خيارات محددة.

ولكن وفق أي رؤية يمكننا النظر إلى «كورونا» المستجد، هل هناك قراءة أولية كمحاولة تستشف الأبعاد القادمة، وما الدلالات التي أمكن تثبتها في هذا الإطار؟ شعراء وكتاب ليبيون عبروا عن ذلك على النحو التالي:

الشاعرة حواء القمودي.. الحياة أو الموت
إذا دخلنا هذه الدائرة التي أطبقت على العالم كله، وبين الموت والحياة ثمة نحن، نحاول اختيار الحياة أو العيش، لأن هذا ما تحصل عليه أغلبنا، العيش بمعناه القريب العادي والبسيط، أن نظل في مأمن ونواصل استهلاك ذرات الأكسجين والتعالي على مواجعنا وعدم الاعتراف بفقرنا المدقع وعجزنا الكامل عن اجتراح معجزة اسمها (الحياة).

الفنان الممثل جمال زايد.. كلنا أوديب
«كورونا».. نقطة تحول في حياتنا، لأنه حقيقة، وهي نفسها الحقيقة التي كانت نقطة تحول في حياة أوديب. ليس الوباء هو القاسم المشترك بيننا وبين ذلك الأوديب، بل المصير.. ومن قبله الخيارات، حياة أو موت، هكذا وجد أوديب ونحن أنفسنا أمام هذه المحدودية الضيقة. هل نحيا وقد فقأنا أعيننا حتى لا نرى إرثنا المعبد بأنهار من دم، لن تجف ما حيينا؟
وهل نحيا هائمين متوكئين على أبنائنا والأجيال التي من بعدنا، خلفنا نجر عارنا، وزادنا ذنوبنا وآثامنا؟ هل نحيا لنلجأ إلى الله متضرعين إليه بالدعاء -وقد كنا تقربنا إليه بأمهاتنا وآبائنا وإخواننا- لكي يرفع غضبه ومقته وسخطه عنا؟ أم نموت، وشواهد قبورنا.. جرائمنا؟

أوديب (وقد فقأ عينيه): «واحسرتاه واحسرتاه.. لقد استبان كل شيء.. أيها الضوء.. لعلي أراك الآن للمرة الأخيرة.. لقد أصبح الناس جميعا يعلمون... وقد قتلتُ من لم يكن لي أن أقتُله».

الشاعر رامز النويصري.. أثقلتنا الحوادث
المناسبات الدولية، اليوم العالمي للشعر أو المسرح، ليست مجرد أيام لغاية الاحتفال أو الاحتفاء، إنما الغاية أن تأصيل الشعر والمسرح وتأكيد دورهما كرافدين ثقافيين، وتأثيرهما في المجتمع.

وللأسف بلادنا في السنوات الأخيرة أثقلتها الحوادث ولم تعد هذه المناسبات ضمن أولويات المثقف الذي كمواطن انشغل في همومه. وتأتي هذه الجائحة لتأكد وتجبرنا على الاحتفال من بيوتنا.

وهنا أتوقف عند مسألتين؛ المسألة الأولى هو أهمية دور المثقف التوعوي. وثانياً الاستفادة من هذا الحدث، وتوظيفه في أعمال أدبية وإبداعية تخدم أكثر من مستوى؛ سواء التأريخ، ونقل التجربة، وتحريك الخيال.

الفنان التشكيلي عدنان معيتيق.. جانب توثقي
الوباء عالمي بكل تأكيد، هلع واضح في الشارع والحي والمدينة والوطن بأسره والبلدان المجاورة والعالم كما هو واضح في الأخبار والبرامج ومواقع التواصل الاجتماعي، وبخصوص مدى تأثر الفنان في أعماله بهذا الوباء أعتقد أن الكثير من الفنانين ومن يتصفون بـ«فناني الحدث»، ومن أبرزهم فنان الكاريكاتير هم من تصدروا هذا الخطاب في الصحف والمجلات وصفحاتهم الشخصية، أما بالنسبة للباقي فأساليب الرسم أعتقد أنها ستأخذ وقتا أطول في التفاعل مع الحدث، لأن فن الرسم في جانبه التوثيقي والجوانب الأخرى من المدارس الفنية المعروفة لا ترسم الحدث أثناء وقوعه بل بعد مضي وقت كاف عليه، حتى يتيح الفنان لأن يستوعب كل جوانبه ونتائجه ومدى تأثيره في المجتمع، فالتجربة الفنية تولد بعد حضانة كافية لحدث ما تتبلور تفاصيله في داخل كل فنان وتكتب قصصه على أسطح لوحاته ولو بعد حين.

الكاتب خيري جبودة.. تعريف الإنسان
هذا الوباء في نظري يعيد ترتيب علاقة الإنسان بالطبيعة. ويدفع إلى ابتكار علاقات جديدة مع العوالم التي يحفل بها كوكبنا، ويدفع الإنسان إلى النظر بندية مع الكائنات الأخرى كشريك في هذه الأرض، وبالتالي أعتقد أن هذا الوباء الجبار سوف يعيد تعريف «الإنسان» بعد أن أجبره على البقاء سجينا في منزله، وأدى إلى تغيير ميزان القوى بين الطبيعة والإنسان لصالح الطبيعة.

ومن جهة أخرى أنا أنظر إلى هذا الوباء كلحظة تاريخية فريدة تعطل فيها المسرح الذي تتحرك فيه الإنسانية، وهو مسرح الاقتصاد الرأسمالي الغربي الحاكم للعالم، لحظة تعطل تظهر عيوب هذا الاقتصاد الحاكم للعالم وتدميره للكوكب وللحياة الإنسانية عبر استنزافه للطبيعة وحفاظه على التفاوت الحاد في مستويات التقدم في العالم، وبالتالي من المحتمل أن يدعم هذا الوباء الأصوات والقوى الدولية المقاومة للاحتكار الغربي الرأسمالي للعالم، وأن يؤدي إلى اصطفاف هذه الأطياف المقاومة في تيار فكري سياسي يعيد صياغة البنية الثقافية في الحياة المعاصرة.

الشاعرة حواء القمودي (بوابة الوسط)
الفنان الممثل جمال زايد (بوابة الوسط)
التشكيلي عدنان معيتيق (بوابة الوسط)
خيري جبورة (بوابة الوسط)
الشاعر رامز النويصري (بوابة الوسط)

المزيد من بوابة الوسط