قهوة سي عقيلة الحلقة (42) «رجل شريف لجهاز سيئ السمعة»

سعد بن عمران، شخصية معروفة في بنغازي. كانت تربطني به صداقة تعود إلى ما قبل سبتمبر 1969، كان ضابط أمن متميزاً، متعلماً ومتابعاً ومتطوراً مع ما يستجد في عالمنا. في أواخر العهد الملكي تولى إدارة المباحث العامة، التي كانت الجهاز الأمني الوحيد في البلاد. تتركز مهامه على مكافحة الجاسوسية، وبالطبع التكتلات الحزبية لأنها كانت ممنوعة في ذلك العهد. وبسبب الاهتمام بالجاسوسية، لم يغب معظم رجال تلك المرحلة من المباحث عن الفنادق وأماكن اللهو، التي كانت كثيرة في بنغازي، تزورها فرق استعراضية عالمية من أوروبا كلها. وكان هناك أيضًا عددٌ كبيرٌ من الحانات.

لقد تردد على هذه النوادي كثير من شباب تلك الحقبة، فمن بعد وصول صديق ثري، متفتح، درس زمنًا في بريطانيا، أخذنا أكثر من مرة إلى هذه النوادي. ذات يوم كان موعدنا ببهو فندق «بنغازي بالاس» الذي أسسه رجل الأعمال الأنيق أبريك غفير. هناك اقترب شخص طويل أنيق بشنة حمراء، وبدلة أنيقة، سألنا مبتسمًا بأدب وهدوء عن أسمائنا، وعندما عرف اسمى سألني: «منذ مدة لم أرَ سي عقيلة. أرجو ألا يكون مريضًا»، سؤاله كان في الواقع تنبيهًا أنه يعرفني، وبهدوء نصحنا أن هذه الأماكن لا تليق بنا. وعند مغادرته، قال لصديقي العائد من بريطانيا: «(سلم لي) على الحاج إمبارك. قل له يسلم عليك سعد بن عمران». بعد فترة احتجت إلى شهادة خلو من السوابق ، فأخذني المرحوم رافع جعودة إليه، فلقد كانت هذه الشهادات تصدر من المباحث العامة، التي صار سعد رئيسها.

ومن ذلك اللقاء صار سعد معرفة، ثم صديقًا بعدما التقيته ذات ليلة في منزل مفتاح الفرجاني، كنا نستقطب إشارات التلفزيون من (أنتينا) وهو لقب كنا نطلقه على رجال المباحث. في تلك الليلة كان الإرسال مشوشًا، وكان مفتاح يحاول تعديل الصورة بتحريك (الأنتينا)، ولكنه لم يفلح، فقال له سعد ساخرًا: «طلعني فوق السطح وسوف أمسك بالأنتينا وستشاهدون أميركا بدلاً عن إيطاليا». ومرة ثانية في لندن تعمدنا إثارته بأغنية «يا قائد ثورتنا» رددناها طوال الليل، وقال أحمد لملوم مناكفًا: «ما عندك ما تسجل إلاّ هذه الأغنية !!» فقال لنا بعدما أثرناه: «والله لو الأمر بيدي لتركت أمثالكم، لأن الذين يخشاهم القذافي رجاله، وليسوا (فروخًا) مثلكم».

صار سعد صديقًا عزيزًا. كنت في السنة الثانية بقسم اللغة الإنجليزية عندما استدعاني إلى مكتبه لترجمة رسائل مكتوبة باللغة الإنجليزية، متبادلة ما بين طبيب ليبي مسجون وزوجته الإنجليزية. وأذكر أنه قال لأحد ضباطه: «إن سبب استعانته بي، هو معرفته الوثيقة بي، وثقته في أمانتي، وإنه يعرفني جيدًا، ثم استطرد، معلقًا ساخرًا، كعادته: «وقد تكون فرصة نغريه فيركب (بصاص) معنا»، هذا الضابط صار بعد ثلاثين عامًا مديرًا لأمن بنغازي، رحل عنا وترك سمعة حسنة، فلقد ظل خدومًا مؤدبًا خلوقًا. إنه المرحوم على هويدي.

بعدها بليلتين أو ثلاث التقينا في منزل صديقي مفتاح الفرجاني، وكان في تلك الليلة شقيقه الحاج المرحوم أحمد الفرجاني موجودًا. وبينما كنا نتسامر، قلت لهم: «خوكم سعد يريد أن يوظفني معاه!»، فقال الحاج أحمد: «يعني بصاص مثله» قلت لهم إنكم تعرفون أنه يتقن اللغة الإنجليزية، وأنه درس في بريطانيا. لقد استدعاني من يومين لترجمة رسالة، وأنا أعرف أنه يريد استقطابي، وتولاه مفتاح والحاج أحمد تلك الليلة. قبل مغادرته أخبرني، بيني وبينه، أنه طلب مني الترجمة ليمنحني فرصة لأكتب إلى صاحبة الرسالة -كفاعل خير- من الجهاز، وأخبرها أن رسائلها تقرأ قبل وصولها إلى زوجها المسجون وكذلك رسائل زوجها، فتأخذ حذرها. وسألته ولماذا لا يقوم هو بالمهمة؟ أخبرني ساخرًا: «أنا حالف وأخاف ربي والترجمة مش شغلي!». ولقد علم أنني مسافر إلى إيطاليا فجاءني وأعطاني ورقة بها العنوان ورقم تليفون وطلب مني أن أتصل بالسيدة وأخبرها أن تأخذ حذرها، عندما تكتب لزوجها. وبالفعل نبهت تلك السيدة من دون أن أخبرها مَن أنا. ولا مَن كلفني مثلما طلب المرحوم سعد. ولقد ابتهج كثيرًا بعدما أخبرته بما حدث. ولقد حكيت في حلقة سابقة عن ملابسات توقيفنا بعدما تخرجنا بأمر من جلود لأننا لم نباشر وظائفنا بحسب قرارات التعيين.

من بعد مظاهرات الطلبة سنة 1976 وقبيل إعدامات سنة 1977 جاء إلى بيتي وأخبرني أن محمود شمام مطلوب القبض عليه حال وصوله إلى المطار. وقال إنهم جادون، وهناك معلومات تقول إنهم سينفذون إعدامات. كان محمود حينها رفقة والدته في ألمانيا. فطرت اليوم التالي إلى إيطاليا وحذرته من مغبة العودة وأكدت له ما قاله المرحوم سعد. واتفقنا أن يعود إلى أميركا فعودته منها كانت قريبة، فما زالت إقامته حينها قائمة. وأحالت له تذكرة السفر، طلبت من صديقي محمد إبراهيم السوسي تكفله برحلته، وبالفعل قام بذلك مشكورًا، فحينها كان لا يعرف محمود ولم يلتقه من قبل. عادت والدته رحمها الله إلى بنغازي. أما محمود فقد سافر إلى أميركا وظل غصة في حلق نظام القذافي، الذي أرسل له الكثيرين ليحيد عن موقفه، ولكنه لم يفعل على الرغم من المغريات.

خلال سنوات الرعب تلك، كان المرحوم سعد ملجأ لكل مَن طالته مصائب تلك السنوات إلى أن طالته هو شخصيًّا، فلقد كان ممن اُعتُقلوا سنة 1980 في مداهمات 7 أبريل. رفقة الرجل الوطني الرقيق عبدالرازق زغبية. وتبهدلا معًا لا لشيء إلا لأنهما عشقا ليبيا، وساعدا الناس بقدر ما استطاعا. رحم لله ابن بنغازي، صديقي سعد بن عمران، الذي كان على رأس جهاز سيئ السمعة ولكنه خرج منه بسمعة حسنة. فلا أذكر أنني ذكرت اسمه إلا وحفت به المغفرة والرحمة من المستمعين.

لا أدري كيف حدث ذلك؟ كل الذي أتذكره أن صديقي مفتاح سعد الفرجاني كان يروي طرفة من طرائفه وفجأة، وكأن جدارًا اعترض طريق عربتنا ثم غيبوبة لدقيقة أو اثنتين. وجدت نفسي جالسًا على حافة الرصيف وبجواري مفتاح، كان فمه يدمي، وتحسست جبهتي فكانت متورمة، اندفع نحونا مجموعة جنود مسلحين وعندما وقفوا أمامنا انتبهوا أنه مجرد حادث؛ قال أحدهم: «سليمة.. سليمة إن شاء الله. الحديد معوض بعون الله»، عندها التفت نحو عربتي، رأيتها ملتحمة في مدخل بوابة، الغطاء الأمامي مرتفع ومطعوج، ودخان المبرد يتصاعد والباب مشرع. «إحنا وين؟» سأل مفتاح أحد الجنود: «لا تخف.. لا تخف يا حاج» أجابه كالعادة محتدًّا ولكن بفكاهة: «أنا مش حاج، خويا أحمد حاج!! لكن إحنا وين؟» قال الجندي: «في البركة» رد مفتاح سريعًا: «عارف في البركة. وين في البركة» أجابه الجندي: «في مدخل مجلس قيادة الثورة». هب مفتاح واقفًا: «دخل.. ماذا تنتظرون؟ وين المشانق؟» فانفجرت ضاحكًا وكذلك الجنود. كانوا بحق مؤدبين ورائعين، أخذونا إلى المستشفى وجروا السيارة إلى أمام منزلي.

في اليوم الثالث أو الرابع اتصل بي أحد الضباط البارزين في ذلك الوقت باعتبار أنني صاحب السيارة، وأفهمني ضرورة ذهابنا إلى النيابة لإنهاء التحقيق في الحادثة لأنه من واجبنا أن نبعث بتقريرنا إلى رئاسة المنطقة، وهي أحالت بدورها الأمر إلى النيابة. وذهبنا إلى النيابة في الموعد، لا أذكر مَن كان حينها وكيلاً لها؟ ولكنه عرف الحادثة وملابساتها فأقترح على مفتاح مخرجًا، لأنه كان يقود السيارة، وهو أن يقول: «إنه سمع خبر توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل فلم يتمالك نفسه وانهمرت دموعه فكان الحادث». أجابه مفتاح سريعًا: «علي الطلاق ما نقولها! نسمعوا في الراديو في نص الليل، شنو يقولوا أصحابنا علينا ؟» وضحك وكيل النيابة حتى أدمع، وسوى التحقيق وخرجنا. ولحق بنا وكيل النيابة، وأخبرنا أن سعد كان يتابع حركة ملف القضية وطلبني شخصيًّا لأتولاها، ولم يخبرنا بذلك أبدًا.

كانت الوالدة رحمها الله، بعدما شاهدت السيارة، طلبت من أخي أن يذبح (شكرانة) وبعثت نصفها إلى بيت مفتاح، لأنه كان قريبًا جدًّا من قلبها. وبعدما خرجنا من النيابة، قال لي: «قولي يا معفن ماذا تقصد باللحم الذي بعثته إلى بيتي؟ يعني (سائر) عليّ بنص (مزقروا)» ضحكت وأخبرته أني لست صاحب الفكرة ولكنها الوالدة، ثم أنت مَن ينبغي أن (يسير) لأنك أنت مَن كان يقود السيارة، ولست أنا، فأجاب مستغربًا: «معقولة؟».

عدت لتاريخ توقيت اتفاقية السلام كانت يوم 23 /3 /1979. في ذلك الوقت، كان النظام قد طبق التأميم الاقتصادي، وكان القذافي استقال من العمل السياسي مهتمًا بالثورة. الثورة داخل وخارج ليبيا، فكان حشد القوات الليبية على حدود مصر في فبراير 1979 ثم حرب الأربعة أيام وقطع العلاقات مع مصر، ومع غانا، ولبنان وتشاد وأوغندا. كان قد اهتم بالخارج، ناسيًا أن الليبيين الذين أُمِّمت أرزاقهم وأخذت بيوتهم لابد أن يجدوا طريقة لاسترجاع ما أُخذ منهم، فمن أُمِّمت شركته عمل بالسبل كلها لتمكين أحد من أهله أو أصدقائه، أو معارفه، أو وجد في (الثوري) الذي كلف بها طريقًا لتوجيهه نحو مكاتبه أو وكلائه في الخارج فاسترجع ما أُخذ منه أضعاف الأضعاف وصار سلوك العمولة مبدأ معروفًا للتجار، وأيضًا لمعظم أصحاب القرار. وصارت هذه الشلل باتساع ليبيا تنتظم في حفلات ولقاءات وسهرات ورحلات إلى أوروبا للحاق بعمولاتهم واقتسامها وكانت غالبية الناس راضية بالفتات والقشور واقتناص ما يصل إلى الأسواق، إما بالزحام وإما بواسطة أقاربهم العاملين أو بإكراميات لمَن يوفرها لهم من أبواب الأسواق الخلفية. وبدأت موازين ومعايير الوطنية تتباين، تمامًا مثلما انعكس السلم الاجتماعي المعروف لسكان بنغازي رأسًا على عقب.

هل كان هناك ثوريون حقيقيون مقتنعون بما يقوله القذافي، أم لا؟ تلك إجابة من الخطأ تعميمها، فبالفعل كان هناك مَن هو مقتنع بفكر القذافي، وكان هناك مَن كان مقتنعًا بسبب ظروفه أو خوفه، أو ضرورة مجاراة الحياة. وكان هناك معارضون بحق وأنهم يرون أن معيشتهم في الخارج ستساعدهم على مقارعة القذافي والتصدي له؟ ولكن كان منهم مَن كان يبحث عن حياة رغدة، ومنهم مَن لا يمانع أبدًا أن يعمل لمصلحة القذافي ويكون عينًا له على المعارضة. بل كان هناك مَن يسعى متطوعًا للقيام بمثل هذا العمل. كان الليبيون خليطًا ليس من السهل فرزه، ولكن بمقدور المرء أن يعرف أولئك الشرفاء الوطنيين الحقيقيين سواء أكانوا في الداخل أم في الخارج. أما المتلونون فلم يكونوا خافيين على أحد. سنتابع في الحلقات التالية الحديث عن مثل هذه الشخصيات.

لقد أخذني السرد وسهوت أن أقول لكم: إن أحمد الفرجاني، رحمه الله، وطني بامتياز عاش في القاهرة أيامًا سنوات الرعب، ولم يترك إلا الصيت الطيب والمروءة والأخلاق والوطنية الصادقة، شقيقه مفتاح كان لا يختلف مطلقًا عن أخيه. لم يغادر بنغازي أبدًا، ولم يسع لوظيفة، على الرغم من إمكانياته التعليمية وخبرته، كان في كل ما تولاه من وظائف قيادية، بعضها كان تحت إمرة لصوص كنت أعرفهم، وكان يعرفهم من الداخل والخارج. لم تمتد يد مفتاح إلا لمرتبه، وكان يعرف من أين تؤكل الكتف تمامًا، ولكنه فضَّل الفتات والقشور عن كلمة تصله ويورثها لأبنائه. كان وما زال وسيظل من أشرف من قابلت في حياتي.

 

محمود عوض شمام
سعد بن عمران
محمد ابراهيم السوسي
المرحومان الحاج عوض شمام والحاجه سالمه الترهوني
عبدالرازق زغبيه
المرحوم احمد سعد الفرجاني
مفتاح سعد الفرجاني
المرحوم سعد بن عمران
زكريا العمامي ومفتاح الفرجاني

المزيد من بوابة الوسط