قهوة سي عقيلة الحلقة (41) «21 للأحذية » وعمارة الجبل الأخضر

   كان محلي، الذي اسميته «21 للأحذية » في عمارة الجبل الأخضر بميدان «9 أغسطس»، او ( البكاديلي) مثلما اسماه شباب الثمانيات، الذين كانوا يتحلقون حول كشك مقهى رجب القوارشه، الانيق، بمثابة نقطة لقاء الرفاق،هو ايضا يقوم بمهام مكتبي الخاص. وبالعمارة مكاتب مقاولات لعدد من الأصدقاء، منهم عبد الله السوسي، الذي شاركني في المحل، وهو مَن عرَّفني إليه صديقي عبد المجيد الدرسي، عرفني، أيضًا، على اثنين مازالت صداقتنا ومودتنا قائمة ومستمرة وهما مصطفى الكرامي ومحمد إبراهيم السوسي، فكانت علاقة وثيقة محورية في حياتي، عرفني أيضًا على رجل الصناعة محمد عبارة. وبالعمارة نفسها تعرفت على مجموعة من رجال أعمال مازالت علاقتي بهم متواصلة، منهم مَن رحل عنا مثل: مجيد الجهيمي وإبراهيم الصور وراضي الكيلاني، ومنهم مَن أبتهل أن يمتعهم الله بطول بالصحة وطول العمر، منهم محمد ونيس بوزعيك، وفتحي إحنيش ومصطفى الكيلاني والحاج مسعود السعيطي وسالم خليفة الشيباني، وسعيد افطيس، وعبد الله هويدي، وعثمان العنيزي ومحمد البوري، وأحمد الشريف، أيضًا الأستاذ الدكتور مصباح عريبي الذي كنت أعرف أنه عميد كلية التجارة، بل الواقع أعرفه منذ أن كان لاعبًا متميزًا بنادي «الهلال»، ولكن لم أقترب كثيرًا منه إلاّ بمكتب صهره عبد الله السوسي، وانتبهت كم كان سريع البديهية، فاول ليلة أذاع فيها رفيقنا عبد المجيد الدرسي نشرة الأخبار، من بعد أن اصبج مذيعا، استهل النشره قائلا : " ... يقراؤها عليكم عبد المجيد رمضان على " . نضر إلىّ وعقب  في الحال : "  (هضا) أسم عسكري وليس مذيعا " حينها كان النظام قرر ألاّ يضاف أسم القبيلة للأسم !. وتعرفت أيضا على عبد الكريم بن عثمان، وأبو بكر العنيزي.   

    في صالة العرض المجاورة لمحل الأحذية كانت شركة (لامكم) المملوكة للأخوة عبد العزيز وأحمد وحامد ورافع لملوم. عبر تلك المكاتب التقيت العديد، توثقت علاقتي بكثيرين منهم. غاب كثيرون في الزحام. كان المحرك اليومي الذي يجمعهم هو «البيزنس» صباحاً، ومن بعد غروب الشمس السهرات البريئة وغير البريئة، التقيت خلالها العديد من رجال الأعمال الشرفاء الوطنيين والعديد من رجال دولة ذلك العهد الشرفاء الخيرين، منهم الغث ومنهم السمين ومنهم الجيد ومنهم الذي حاول أن يكون جيداً.

      تشرفت بالدكتورعبد العاطي العبيدي، وإن كنت أعرفه منذ أن كان من رفقاء جاري عصمان خلفي، من شلته التي ما زلت أذكر منها عاشور قرقوم ومحمد بوزعيك، وعوض بن موسى، وسليمان تربل. وعرفت سعد بن عمران، وعبد الرازق زغبية،. الذي تواصلت علاقتي به حتى الآن. وعرفني صديقي العزيز مصطفى عمر الكرامي على المرحوم يوسف الشيباني، هذه الشخصية الوطنية المحبة لبنغازي، التي برزت منذ أن التحق بشبيبة جمعية عمر المختار، فكان من أوائل المتطوعين للتدريس التطوعي بمدرسة مسائية أنشأتها الجمعية بميدان سوق الحوت، ثم التحق للتدريس بمدرسة العمال الليلية. كان من شلة معروفة بانتمائها للوطن منهم أستاذي في المرحلة الابتداية نصري إبراهيم، الذي أراه الآن في شخصية (بن خيه) نبيل، والمؤرخ الأستاذ مفتاح عبد السيد الشريف، مفتاح بلها، محمد زغبية، مفتاح شرمدو، ورجل الأعمال البارز المرحوم محمد بوشناف نبوس، أما شقيقه الأصغر إبراهيم فقد كان جيلي ومن سكان شارع نبوس. كان مصطفى الكرامي ممن تتلمذوا على أيدي هذه الشلة، وصار واحدًا منهم. المرحوم يوسف الذي لم يتوانَ عن توجيهي ومساعدتي طوال معرفتي به التي اختتمتها بزيارة له رفقة الكرامي ببيته بشارع مصدق، سنة 2015 قبيل رحيله بقليل.

     نماذج كثيرة دخلت وخرجت من عمارة الجبل الأخضر، منها النقي الشريف، ومنها تاجر الخمور ومنها المقامر والمغامر. فتلك السنوات التي امتدت حتى 1976م كانت صاخبة خصبة للمتربصين، فلقد كان كل شيء في متناول المرء، وهي التي صهرت رجال تلك المرحلة.

     كانت أحداث ليبيا في تلك الفترة تصهر الشباب، تصنع منهم الوطنيين الشرفاء ووطنيين «نص كم» وتجارًا ومغامرين ومقامرين وثوريين حقيقيين وآخرين مزيفين وبالطبع السياسيين، منهم مَن سُجِن مبكرًا، ومنهم اختار الغربة والشتات. منهم مَن ظل صلبًا مناضلاً حقيقيًّا حتى ثورة 17 فبراير، ومنهم مَن لم يكن كذلك.

      في تلك الفترة توالت أحداث غريبة على مجتمعنا، لعل أبرزها إقحام الجيش، وطلبة التجنيد الإجباري في مغامرات لا شأن لليبيا بها كإرسالهم إلى أوغندا لحماية عيدي أمين، وكإنشاء المحاكم الثورية بتاريخ 20/8/1975، وتأسيس اللجان الثورية في 17/9/1976، بعد أحداث انتفاضة الطلبة في يناير 1976 لتصل قسوة النظام لتأكيد إحكام قبضته ذروتها، التي وصلت حد الإعدامات العلنية في الشوارع والمدن، منها إعدامات يوم 7/4/1977، أصبح من بعدها يوم ( 7 أبريل) يومًا مخيفًا للرعب، ظل الناس لسنوات ينتظرونه كيوم للقرارات المرعبة. نفِّذت إعدامات ذلك بعد وفاة (الحاح) سي عقيلة بثلاثة عشر يومًا، وقدوم عقيلة ابني الثالث يوم 12/9/1977 بعد خمسة وخمسين يومًا. منذ تلك الفترة بدأت هجرة الليبيين الفعلية، وبدأت تتشكل معارضة النظام حتى سقوطه.

      كانت أماكن اللهو والسهر، قبل سبتمبر 69 محصورة في ملاهٍـ ونوادٍ ليلية معروفة ولما أقفلت بقانون، افتتحت أماكن أكثر لهوًا ولكنها بعيدة عن أعين «الحكومة» وإن كان بعض أصدقائي من رجال مباحث وأمن بنغازي يعرفونها جيدًا، وكثيرًا ما حذرني منها صديقي سعد بن عمران.

      لقد كانت وطأة هذه الطفرة شديدة، لم يعد الناس بسطاء مثلما كانوا، فلقد كثرت المشاريع وكثر الإنفاق، واستطاع الحذاق، ومديرو مكاتبهم من الأخوة المغتربين ابتكار طرق ووسائل مداهنة لمَن كان في أيديهم عقود لمشاريع ضخمة خصوصًا في مجالات الأشغال العسكرية، ناهيك عن مشاريع التطوير العمراني التي فتحت البنوك على مصراعيها لمَن يمتلك قطعة أرض ويود تشييدها. وما كان لأحد يخطر بباله أنه يشيد هذه المساكن بجهده وعرقة، وقرض من البنك، ثم تصبح خاضعة لقانون سوف يصدر يؤكد أن البيت لساكنه، وليس لمالكه. كانت بعض السلع رسميًّا ممنوعة، كالخمرـ ولكنها أصبحت موجودة وبكثرة لم نعتدها من قبل. لم يكن الحشيش شائعًا، فاصبح أكثر انتشارًا. أحد الرفاق كان كثيرًا ما يتنهد بحسرة، قائلاً: «آه لو تشرق الشمس في الليل!».

     تكررت رحلاتي إلى إيطاليا بمشاريع تحتاج إلى مجيء مع مستنداتها لترجمتها إلى الشركة الإيطالية التي باشرت تمثيلها في بنغازي، وفي رحلة من تلك الرحلات، وفيما كنت رفقة مهندسها لفحص معدات كان من بينها غسالات ضخمة للمستشفى، انتقيت منها معدات لمشروع خاص، فقد كنت قد تعاقدت على تنفيذ غسل ملابس طلبة القسم الداخلي بالجامعة، فلقد كان طلبة الجامعة حتى قيام ثورة سبتمبر مرفهين بمنح شهرية وبقيامة متميزة، ناهيك عن رعاية طبية وصحية وصلت حد غسل ملابس طلبة القسم الداخلي. وتأسست مغسلة (هيثم البخارية) وبعد سنة رزقت بابنة ثانية، ولما علم خليفة الفاخري بقدومها سألني عن اسمها فقلت له: «هيفاء» فأجابني متسائلا، ساخرًا: «وهل افتتحت لها مغسلة؟».

       وفي رحلة عمل أخرى، تعرفت على تاجر أحذية صديق الإيطالي الذي كنت أعمل معه، ودعاني إلى مخازنه، ورأيت كمًّا هائلا من هذه الأحذية، فلقد كان تاجرًا متخصصًا في اصطياد الكميات الكبيرة التي تعرض لأسباب عديدة، فابتعت كمية كنت أنوي بيعها جملة بسوق بنغازي، ولما عدت كان القذافي قد أقفل المراكز الثقافية الأجنبية، وكان الأميركي، بميدان الجامعة بعمارة الجبل الأخضر من بينها، فاتفقت مع مالكه عبد الله السوسي على المشاركة فيه، فكان مشروع محل (21 للأحذية) الذي ابتدأت به حالة استقرار مادي، فلقد نال شهرة واسعة واستفدت منه كثيرًا، بل واصبح مركزًا لتجمع شلة لم تكن تحت أية مراقبة أمنية، لأن عناصرها اهتموا بالشغل والكسب واللهو. انسحب عبد المجيد الدرسي لمباشرته عملاً قياديًّا في مجال الإعلام، وأنضم إلينا رفاق لهم الاهتمامات نفسها. وبلغت اهتمامتهم حتى أنها أخذتهم إلى (لاس فيغاس)!.

      لا أدعي أنني كنتُ مأخوذًا بالقذافي. ولا أدعي، أيضًا، أنني عارضته أو حاربته. كان هو في حاله وكنت في حالي. لم يفدني ولم يضرني شخصيًّا. قد أكون حَملت عليه بإعدامات الكثير من الرجال، الذين كنت أعرف الكثير منهم شخصيًّا، كالمرحوم صالح القلوص، وحامد القندوز، وناجي بوحوية، وعمر دبوب، ومحمد بن سعود، وعمر الورفلي (المخزومي) وسعد -أو ناصر- الترهوني. والأستاذ محمد حمي. ولقد حزنت لدرجة القهر على جميع مَن طالتهم قسوة القذافي، وما زلت أتألم لما حدث للكثيرين من الشباب الذين أفنوا أروع سنوات أعمارهم في سجونه، دونما سبب مقنع.

      حزنت كثيرًا لسجن عبد القادر البعباع، بالذات لأنني أعلم أن شخصيته لم تخلق لتسجن، كان شعلة من النشاط، متحركًا على الدوام، ضحوكًا، خدومًا،؛ ممتلئًا بالحيوية، فكيف يصبر طوال تلك السنوات على البقاء بين أربعة جدران؟ حزنت لرضا بن موسى لأنني أعرف كم كان ناشطًا ولامعًا ومجتهدًا، وحزنت لجمعة عتيقه لأنني أعرف مرارة حياته بعيدًا عمن يحب، وعن إبعاده عن مشاركة حقيقية في بناء ليبيا. كثيرون غيرهم لا أعرفهم، وإن أحزننا ما أصابهم، وحزنت على الدكتور محمد المفتي، الذي كان شباب تلك الفترة يرون فيه نموذجًا يحتذى به.

       كانت حياتي مستمرة، وكأن القذافي يحكم دولة مجاورة ولا شأن لي به، فهو بالنسبة لي مجرد حاكم مثله مثل عبد الله السلال أو عبد الكريم قاسم أو الملك سعود، لا شأن لي به. يصدر قانونًا ما فلا أفكر في أحكامه بقدر ما أفكر كيف التف على هذا القانون. لأن حمل أسرتي ووضعها الاجتماعي كان كبيرًا. بدأ التجنيد الإجباري، وفيما كان الرفاق يلتجئون إلى هذا وذاك طلبًا للإعفاء، ذهبت بصمت إلى المحكمة بناء على نصيحة قاضٍ، ورفعت دعوة وعدلت تاريخ ميلادي من بعد أن فتح لي صندوق حليب كارنيشن الطريقَ إلى عيادة الطبيب الباكستاني المكلف بهذا الفحص، فكانت نتيجة فحصه لكتفي تقول إنني من مواليد 1943وليس مثلما يقول تعداد 1954للسكان إني من مواليد 1946. ظهر مشروع تجييش المدن. انطلقتُ نحو كتائب المجاهدين. كثرة مشاكل تأشيرة الخروج عرفت مسارب حلولها. ظل القذافي وقوانينه ورجاله في حالهم وأنا في حالي. حتى بعدما بدأ في برامج التأميم دائمًا أبحث عن حل سريعًا لمشكلتي. أمم تجارة الأحذية، اتجهت للمواد الغذائية، تأممت هي الأخرى اتجهت إلى المقاولات تأممت، انتقلنا لشغلها بالباطن. أقفل البر الليبي كله، اتجهت إلى البحر.

      لم يمنحني النظام فرصة للإثراء الباذخ، ولكنه لم يتركني مفلسًا أبدًا. عندما بدأت مداهمات 7 أبريل للتجار والمقاولين، وبدأت اللجان الثورية تصول وتجول وتقبض على هذا وذاك، وكان معظمهم أصدقائي ورفاقي لم يقلقني أحد لأنني كنت حذرًا من الاقتراب كثيرًا ممن يسهلون لك الأعمال ويتقاسمون أرباحها معك. كنت دائمًا أشقى كثيرأا للحصول على عمل ولكنني أتعب كثيرًا في الحد من طمعي. لم أحلم أبدًا بالثراء الفاحش ولا تقاعست حتى يعقرني الفقر. كان الحال يضيق ولكن الله سبحانه وتعالى يسخر لي أولاد حلال، شرفاء وأنقياء يحيلون الضيق إلى فرج.

      في تلك الفترة كثرت الفانلات الشبابية الممهر صدرها بأسماء جامعات عالمية. خطر لي أن أطبع مثل هذه الفانلات ممهرة بالجامعة الليبية - بنغازي. وطبعت في إيطاليا عشرة آلاف من هذه الفانلات دفعت فيها مبلغًا كبيرًا في ذلك الوقت، خصوصًا أنني كنت شرعت في بناء بيتي. وظللت أترقب وصول طلبيتي. غير أن للقذاقي رأيًّا آخر، فلقد أعلن في خطاب في الجامعة الليبية تغيير اسمها إلى جامعة قاريونس. وهكذا كان وصول الشحنة بعد الخطاب يعني مؤامرة! فشباب بنغازي سوف يرتدونها وكأنهم يتظاهرون ضد قراره، وصوف يصلون لمَن حرض باستيراد هذه الفانلات.. ناهيك عن أن الجمرك قد لا يسمح بدخولها فيصير هذا (البيزنس) كارثة قد تفقدني رقبتي.

     واحترت لأيام إلى أن قررت الالتجاء إلى قيادات الجامعة في تلك الأيام. فاتجهت مباشرة إلى الدكتور هادي بولقمة، ووضحت له الأمر. اتفق معي فعلاً على مغبة وصولها في هذا الوقت، وطلب مني أن أمهله يومًا أو اثنين. ولكنه جاءني في الليلة نفسها وطلب مني أن أوافيه بعرض بتاريخ رجعي إلى ما قبل خطاب القذافي وصورة لشعار الجامعة، واستحلفني ألاّ أضيف دينارًا واحدًا أعلى مما أنفقت، فوعدته بذلك. ذهبت له بما طلب، ولم يمّر يوم حتى وافاني برسالة بتوقيعه بالموافقة وأمر بالتوريد. وأحال الفانلات إلى قسم الرياضة ، ووزعت على الطلبة كملابس للرياضة. وهكذا أخرجني من أزمة حقيقية، ولا أعتقد أن غيره كان يقوم بهذه الخدمة من دون فائدة تصله. أشهد الله أنه قام بذلك كله بنبل واقتناع أنهى بها بالفعل مشكلة كانت حينها كبيرة جدا بالنسبة لي .

يوسف الشيباني وابراهيم بوشناف نبوس
عبد المجيد رمضان الدرسي
مصطفى سعد الكيلاني
راضي سعد الكيلاني
من اليمين سعيد محمد فطيس وفتحي حنيش ومصطفى الكرامي ومحمد عقيلة العمامي والجالس عبد الله هويدي
الاستاذ عبد العاطي العبيدي
سعد بن عمران
من اليمين وقوفا محمد بلها، مصطفى الزياني، يوسف النجار، مصطفى زوبي. جلوسا: الصالحين زواوه، حسين بادي وبالنور ارويص
فتحي على حنيش
الدكتور مصباح عريبي
من اليمين عبد الرازق الفراويوصالح القلوص وأمامه عبد القادر البعباع
الاستاذ عبد الرحيم جبر والاستاذ احمد الفيتوري ومفتاح شرمدو
عبد الرازق زغبيه
سعد الفيتوري وماموس بدوسا( من يهود بنغازي) وسليمان بيده مصطفى البدين والتهامي مخلوف ورجب القوارشه
الشهيد صالح القلوص
من اليمين حكم كرة القدم محمد العقوري، الاساتذه نصري ابراهيم، توفيق كويري،..، الاستاذ محمد شمبش

المزيد من بوابة الوسط