«قهوة سي عقيلة» الحلقة (30) العصيدة

صديقي، مفتاح بومعيز المغربي، بسبب علاقته بعائلة سي عوض شمام كان بمثابة أخ كبير لنا منذ الصغر. قبل قيام ثورة سبتمبر كان أحد ضباط الجيش الليبي. بعد أيام من قيام تلك الثورة، اُعتُقل معظم الضباط، سُجن منهم من سجن، ورُفع شأن مَن رفع، وعُوقب منهم مَن عوقب. أما السيد مفتاح، فقد تركه مجرد موظف بسيط من بعد أن سجنه فترة قصيرة. ولقد حكى لي في مناسبة اجتماعية ، تفاصيل واقعة تؤكد قوة ذاكرة القذافي وتذكره لأبسط الأمور، قال:

-: «كانت كتيبتنا في رحلة ربيعية بمنطقة الباكور.. وفيما كنا نحن الضباط نحتسي شاي الصباح. قال أحد الرفاق متشهيًا: يا سلام لو فيه عصيدة بالعسل أو رب التمر؟ " قلت له:

- «بسيطة.. فلنعصد!» في تلك الأثناء مر (الفقي)، كما كنا نسمى الملازم معمر القذافي. استدعيته وأخبرته برغبة ضباطه في العصيدة، تبسم ودق قدمه في الأرض مقدما التحية العسكرية، وأعد العصيدة، وبالفعل فطرنا جميعًا منها. بعد أكثر من عامين، ربما ثالث أو رابع يوم من شهر سبتمبر 1969 قامت حافلة عسكرية ولمت الضباط العاملين في بنغازي من منازلهم وجاءت بهم إلى الفندق الكبير بشارع عبد المنعم رياض، عند بابها كان الفقي واقفًا، يوزع على النازلين من الحافلة بطانية جديدة ومخدة، وهم في طريقهم نحو غرفهم، أو بمعنى آخر مكان توقيفهم تمهيدًا لسجنهم. عندما نزلت تبسم لي وقال لي ساخر: (ها قد نضجت العصيدة، يا حاج مفتاح، العصيدة التي أفنيت أعوامًا أعصدها لكم!). بسبب تلك العصيدة سجنت، وبسببها تجاهلني تمامًا طوال سنوات تسلطه!».

قد لا يعرف الكثيرون أن صديقنا الأستاذ مهدي القاجيجي، كان من رفاق سنوات دراسة القذافي الابتدائية بفزان، ولقد أخبر اللواء يوسف الدبري قائده معمر القذافي أن مهدي عاد إلى طرابلس، بعد غربة استمرت أكثر من ثلاثين سنة، فطلب منه أن يأتي به إليه في مقر إقامته بقصر بوهادي.

قال لي المهدي: «اتصل بي خونا يوسف الدبري، وأخبرني أنه سيمر علي لننطلق إلى سرت لنقابل (القائد).. «ولقد وصف الرحلة من بدايتها بأسلوب بديع، لا يعرفه إلاّ مَن عرف هذا الرجل النبيل، الذي أنا أعرف أن لديه الكثير ليقال عن ذكرياته قبل أن ينزح من طرابلس في السبعينات، وأيضًا من بعد أن عاد إليها في مطلع هذا القرن. لقد قضى ليلة كاملة يتحدث هو والقذافي عن ذكرياتهما عن دراستهما معًا بمدرسة سبها، وعن أمور بسيطة كانا قد عاشاها معًا عندما كانوا مجرد طلبة. كان بعض من رجال (القائد) حاضرين، على رأسهم أحمد قذاف الدم، الذي اكد لي الواقعة.

قال المهدي إنه لم ينس أحدًا ممن كانوا يدرسون معنا، وكان يحدثني بتفاصيل عجيبة عن أحداث لا أذكرها على الإطلاق، وقد يخطر على باله أو بالي أحد رفاق مدرسة سبها، فيسأل عنه وأخبره إن كنت أعرف أين انتهى به المطاف، ومن خلفة سكرتير يسجل دقائق الأمور.

قال لي المهدي: «استمرت السهرة حتى أذان الفجر، وأخبرني أنه سعيد بعودتي، وإن كنت أحتاج شيئًا فشكرته، وغادرنا، وعلمت فيما بعد أنه بحث واتصل بمَن خطر على بالنا..».

والحقيقة أن هناك أشياء وتفاصيل تناولاها، ولا أرى أنه من المناسب التطرق إليها، مع العلم بأنني على يقين أن صديقنا مهدي يعلم أنها معلومات منها ما يتعين أن يعرفه الناس، وأنه لو تناولها بأسلوبه الشائق ستثرى من دون شك من يريد توثيق تلك المرحلة، ناهيك عن طرافتها عندما يتناولها قلم كقلم صديقي مهدي قاجيجي خصوصًا وهو راوية لتفاصيل لا يعرفها الكثير من الناس عن شخصية شقيقه وأخي وصديقي السيد بشير، الذي لم أدخل معه مكانًا في مصر كلها، إلا وغادره بمعرفة صديق أو أكثرـ أنا لم أرَ في حياتي كلها إنسانًا له القدرة على كسب الصداقات في سويعات مثل بشير القاجيجي.

هذا التكوين، الذي حدثنا خونا مهدي القاجيجي، جعل القذافي متابعًا لكل ما يحدث.. وهو الذي استثمره في بداية الثورة بدهاء عجيب في حواراته مع مختلف شرائح المجتمع الليبي، خصوصًا العسكريين وطلبة الجامعة.. كان يفتح أبواب النقاش ويتركهم يتحدثون ويشجعهم على طرح وجهات نظرهم ونقد مختلف التوجهات والقرارات، ولم يطل الأمر حتى اكتشف الناس أن تلك لم تكن ديمقراطية، بقدر ما كانت وسيلة لتفريغ ما يخبئه محاوروه في عقولهم؛ فكان يقرب منهم مَن يقرب ويبعد مَن يبعد، وينتقي منهم أدواته التي يرى فيها المواصفات المثالية التي يريدها وتخدم مشروعه. ولم يخطئ، سوى مرات قليلة في انتقاء أدواته. الدكتور محمد المفتي كان من أوائل الذين قربهم، وكان من أوائل الذين سجنهم. نور الدين الماقني أوصلته حواراته لزعامة الطلبة، وانتهى به الأمر سجينا محكومًا بالإعدام، على جرم لا أساس له من الصحة.. والأمثلة لا تحصى ولا تعد. كان لا يغفر، ولا يسامح، ولا ينسى أبدًا.

علمت من أحد أقربائه أن والد أحد أفراد قبيلته، كان قد أعد شايًّا، وطاف بأكوابه على المتحلقين في تلك المناسبة..التي ضمت أبناء عمومته في سبها، وتخطى والد القذافي، قد يكون سهوًا، أو لسبب آخر، ويبدو أن والده اشتكاه مما حدث، فحزت تلك الحادثة في نفسه منذ أن كان طالبًا، وما أن استتب له الحكم حتى صار ابن ذلك الذي تخطى والده، يعد الشاي، له ولضيوفه، كل يوم، رغم رتبته العسكرية الكبيرة، وفي حضور جنود صغار! لم يغفر لأحد أساء إليه من دون عقاب قاسٍ.

أنا لا هدف لي من سرد مثل هذه الأمثلة إلا سرد ومضات قبل 1969 وبعدها عن فكرة اللقاءات والحوارات شبه اليومية، التي كان يقوم بها لتقريب أو أبعاد من يحاور. لقد كانت له مع زملائي رفاق الجامعة حوارات، التي لم أكن طرفًا فيها، ولعل ذلك اللقاء، كان الوحيد الذي حضرته وحاور فيه علي الريشي، والمرحوم فرج المذبل، ومحمود شمام، وفتح الله أنديشه، وكثيرين لم تسعفني الذاكرة بأسمائهم، أملاً وبرجاء أن يفيدني مَن يتذكر أسماء سقطت من ذاكرتي، التي لم تعد طوعي مثلما كانت من سبعة عقود مضت.

لقاءات القذافي المبكرة، التي جرت في جامعة بنغازي، مهمة للغاية فنتائجها أثرت في كل مناحي الحياة في ليبيا، السياسية، والأدبية، والأخلاقية والديمغرافية، والعودة إلى تفاصيلها في تقديري مهمة للغاية. كنت أعرف أن صديقي الطالب في أواخر ستينات القرن الماضي جمعة عتيقة، كان يسكن مع السيد مفتاح كعيبة عندما كان مسجلاً لكلية الأداب، بشقة في ميدان البلدية وكان القذافي مواظبًا على زيارة كعيبة وحدثني أن فكره عن أسلوبه وطبيعة مناقشاته.

سنة 1969 اعتلى سدة حكم ليبيا شباب قومي وحدوي متحمس ومندفع، لم يتجاوز أكبرهم عقده الثالث، من دون معرفة حقيقية أي كنز كانوا تسلموا مفاتيحه كافة. من النوادر التي سمعتها في حينها أن وفدًا من الجامعة قابل محمد المقريف، عضو مجلس قيادة الثورة، موضحين له الحاجة إلى موازنة سريعة لإتمام سور الجامعة الجديدة - جامعة قاريونس فيما بعد- فسألهم عن المبلغ المطوب فأخبروه أنه في حدود 250 ألف جنيه ليبي فصاح بانفعال رجل صادق من بعد أن صدر صوتًا من بين شفتيه وقال: «ما عندناش...» كان حينها صادقًا لأنه لم يكن يعرف حجم ليبيا الاقتصادي.

في سنة 1970 تسلم النظام مدينة طرابلس الرياضية، التي بدأ العهد الملكي في تشييدها سنة 1967م، واكتملت مدينة المرج الجديدة، واحتفلوا باستلامها غافلين أن الليبيين يعرفون فزعة العهد الملكي لمصاب مدينة المرج يوم 21/2/ 1969م، إذ لم يمض عام واحد حتى بدأت الشركات في تشييد مدينة المرج الجديدة.

وفي سنة 1969م برزت خلالها فضاضة الملازمين عمر المحيشي، وبشير هوادي تجاه المتهمين العزل الأبرياء، فمَن لا يعرف - على سبيل المثال - نظافة وذمة ووطنية المرحومين: حسين مازق، والمبروك البسيوني؟.. ومَن لا يعرف صراحة وصدق أستاذ درسنا في خمسينات القرن الماضي، في الفترة الصباحية، وأيضًا المتطوع في الفترة المسائية واسمه عبد القادر طه الطويل؟ لقد سخر منه وتطاول عليه، ولكنه ذاق منه فيما بعد الأمرين! عبد القادر طه الطويل هو مَن قال في تلك السنة: «تحاسبون البراغيث وتتركون الفيلة» وقال السيد المبروك البسيوني كلمته الشهيرة عن بنغازي: «رباية الذايح».

كانت الأمور في السنوات الثلاث الأولى تبدو وكأنها بالفعل ثورة حقيقية، ولكن لم يطل الأمر حتى بدأ وجه مغاير يتضح للناس الذين لم ينتبهوا أن حواراته مع طلبة الجامعة كان هدفها تصنيفهم ومعرفة اتجاهاتهم، ثم انتقاء مَن ينفع عونًا له على تطبيق قناعاته. ولم يطل الأمر حتى بدأ زوار الفجر يطرقون أبواب مَن صنفوا، سواء منه مباشرة، أو من أعوانه مثلما علمت فيما بعد أن جمعة عتيقة اُعتقل بعد خطاب زواره مباشرة، فجر16/4/1973م بناء على تقرير كتبه زميلٌ له من كلية الحقوق. وبدأ الذين لم يتقبلوا الوجه الجديد لثورة سبتمبر يعون أن أرض الله واسعة فهاجروا فيها، ولعل زميل الدراسة محمد بن غلبون كان من أوائل الذين غادروا البلاد.

من اليسار جمعة اعتيقة ثم احمد الماقني وفتح الله انديشه ونجيب الحصادي في ندوة من ندوات مجلة قورينا
الاستاذ مهدي قاجيجي من رواد الصحافة الليبية
الدكتور جمعه عتيقه
من اليمين الدكتور رؤوف بن عامر مستأ من المحاضر الملازم بشير هواديوفي الوسط الدكتور عبد الحفيظ الزليتني والادكتور هادي بولقمة الدكتور
الضابط مفتاح بومعيز المغربي في العهد الملكي
صاحب مقولة رباية الذايح المبروك البسيوني
المصور الصحفي الشهير بشير قاجيجي
الرئيس حافظ الاسد ثم محمد المقريف ومعمر القذافي والرئيس انور السادات ويظهر في الخلف مصطفى الخروبي
الدكتور على الريشي
عمر المحيشي ومعمر القذافي بين ابني الرئيس جمال عبد الناصر
عمر المحيشي عضو مجلس قيادة ثورة سبتمبر
الدكتور محمد المفتي
رفيق الدراسة محمد بن غلبون
الضابط مفتاح بومعيز في شبابه
مفتاح كعيبة
عبد القادر طه الطويل والشعالي الخراز
نورالدين الماقني