الدكتوراه لباحث مصري عن «الأسلاف والأخلاف» لإبراهيم الكوني

«كيف لطفل ولد فى عراء الصحراء أن يدون ثقافتها روائيًا، ويرسم لأشباح عابرة ملامح يتعرف عليها القادمون من بعيد وسط فراغها المترامي الأطراف، ويبعث أمة اسمها الأمازيغ من تحت ركام التاريخ ليلعب فى سيرة أساطير الصحراء الكبرى دور الراوي الذى سيصبح أسطورة وحده؟».

هذا هو السؤال الذي ظل يبحث الباحث المصري مصطفى سليم عن إجابته طوال ستة أعوام، هي المدة الزمنية التى أنجز فيها أطروحته للدكتوراه فى النقد الأدبى عن سداسية «أسلاف وأخلاف» للروائي الليبي إبراهيم الكونى، التى أجازتها لجنة المناقشة مع مرتبة الشرف الأولى من كلية الآداب جامعة عين شمس بالقاهرة، الاثنين.

الكونى استن لنفسه قانونًا سرديًا خاصًا وفق لغة عربية كلاسيكية، شبيهة بتلك التى كتب بها كبار المتصوفة

جاء موضوع سليم عن أطروحة الدكتوراه تحت عنوان «الأسلاف والأخلاف بين السلطة والحرية.. تشكلات السرد فى ملحمة إبراهيم الكونى»، ورأت لجنة المناقشة، المكونة من الأساتذة صلاح فضل مشرفًا ورئيسًا، وعبد الناصر حسن مناقشًا، وحسين حمودة مناقشًا، أن تقديم قراءة نقدية على عوالم الكونى مغامرة بحثية وجريئة من الباحث، فالكونى اعتمد فى بناء عوالمه على الرمز واستن لنفسه قانونًا سرديًا خاصًا وفق لغة عربية كلاسيكية، شبيهة بتلك التى كتب بها كبار المتصوفة أسفارهم، بخيال ثري بحثًا عن الله.

وأشاروا إلى أن اختيار موضوع الدرس النقدى على هذا النوع من الخطابات السردية قد يكون فخًا للباحث إذا لم يمتلك أدواته البحثية والنقدية على نحو جيد.

وتابع المناقشون أن الباحث قدم أطروحة مميزة فى لغتها، وبنائها، ورصد مسيرة روايات الكونى وطبيعة خطابها السردى رصدًا أمينًا بدقة ومهارة تحمد له، بحسب وقائع فاعليات المناقشة.

لغة الكوني
عن التورية ولغة الاستعارة التى يروق للكونى استخدامها، قال سليم: «لك أن تتأمل عنوان مذكراته الصادرة فى 4 أجزاء تحت عنوان (عَدوس السُّـرى.. روح أمم فى نزيف ذاكرة) أعوام 2012 و2013 و2014 و2016، فهذا مجرد نموذج لعنوان نص من نصوص الرجل، ولك أن تتخيل طبيعة اللغة العربية الكلاسيكية المستخدمة فى نصوص تحمل عناوين من هذا النوع على متعتها التى لا تتكشف للقراءة الواعية بسهولة».

وتابع سليم: أن (عَدوس السُّـرى)، تعنى عابر الليل، وأشار إلى أن الكونى يفسر عنوانه هذا بقوله «فما هى رحلة الإنسان فى هذا الوجود إن لم تكن عبورًا داميًا لليل»، يستطرد الباحث أنه بالرجوع إلى ما سجل ابن منظور أيضًا في لسان العرب، سنجد هذا المعنى من بين شبكة المعانى الكثيرة التى أوردها، خاصة بعدما يستشهد الأخير ببيتين من شعر للكميت وجرير، يخلص منهما إلى أن عَدُوسُ الليل هو القوي على السير ليلًا.

وأضاف الباحث: «من الطريف أن الكونى وليد وادٍ يدعى، وادى آوال، ويعنى وادى الكلم فى لسان الأمازيغ، بسبب رطانات أشباح الجن التى كان يسمعونها فى الأمسيات، بحسب ما سجّل الكونى فى مذكراته، وقبل ذلك في رواية مراثى أوليس.

وتحدث الباحث عن لغة الكوني، ورأى أنه «لا يعتز بغموض لغته وارتقائها حد بلوغ لغة النصوص المقدسة فحسب، كما يصف فى اعترافاته، بل يعتز بالغموض فى حياته ومسيرته، فحتى عام 2012 لم يكن أحد يعرف لا من الباحثين ولا من الصحفيين عن الرجل شيئًا يذكر إلى أن شرع فى كتابة مذكراته منذ ستة أعوام فقط، وقبل هذا التاريخ لم يكن متاحًا سوى نزر قليل من المعلومات عنه، مجرد اقتباسات عن طقوسه فى الكتابة وعالمه الخاص وكيف يشيده، ربما تُلقي بمزيد من الغموض والارتباك على نصوصه لما تسببه من حيرة وفتح باب التأويل على مصراعيه إذا ما قرر أحد الاقتراب من منجز الرجل السردى».

وبسؤال سليم عن ما إذا كانت دراسته هى الأولى عن الكونى قال، إن «عدد الدراسات التى تناولت منجز الكونى بلغت 6 دراسات، اعتنت بدراسة 12 رواية من جملة 81، وتكررت (رباعية الخسوف) في 4 دراسات منها، وبهذا لا تتجاوز النصوص التى وقعت تحت ضوء الدرس والتحليل نسبة الـ15% فقط من رواياته، وهى نسبة فقيرة بالنظر إلى منجزه المتنوع والثرى، وبماحققه من إنجاز للثقافة العربية عالميًّا».

أما عن موضوع الأطروحة فيوضح سليم أن ملحمة «الأسلاف والأخلاف» تتكون من 6 أجزاء، هى (نداء ما كان بعيداً، وفى مكان نسكنه فى زمان يسكننا، ويعقوب وأبناؤه، وقابيل أين أخوك هابيل؟، ويوسف بلا إخوته، وأخيرًا جنوب غرب طروادة جنوب شرق قرطاجة)، وصدرت ما بين أعوام (2006 و2011)، وتتناول تاريخ خمسة أجيال من أسرة آل القرمانلى التي حكمت ليبيا طوال قرن وربع القرن من (1711 إلى 1835)، والصراع القائم بين الحرية التي تعتنق التخلى والترحال وصية دينية يتوارثها أهل الصحراء والبحر، وبين مغريات السلطة (خطيئة الاستقرار) بأركانها الثلاثة السلطان والمال والمرأة، وفى ظل هذه الجدلية تدور دراما الأحداث.

وعن سبب اختيار هذه الملحمة دون غيرها من أعمال الكونى، يقول سليم إن: «اختياره وقع على هذه السداسية لعدة أسباب فى مقدمتها أنها أكثر الملاحم متعددة الأجزاء التى ألفها طولًا، كما أنها الأولى والأخيرة التى غيـَّر فيها مسرح أحداثه من الصحراء إلى البحر بعدما أشبع الأولى أسطرة وتأويلًا، بعبارة أخرى بهذه السداسية غادر أساطير الصحراء ودخل أبواب المدينة».

ونوه سليم إلى أن الكونى «صاحب مشروع روائى مُحكم، سجل عبره تاريخ الأمازيغ وقبائل الصحراء الكبرى، فضلًا عن أنه يحظى بسيرة ومكانة عالمية في عالم الرواية بعدما كتب 81 نصًا، تنافست لغات العالم الحية إلى نقلها إلى ثقافاتها التى بلغت 40 لغة، ورغم ذلك لا يزال الرجل شبه مجهول في الثقافة العربية، ولم يــُـقدر حقَّ قدره بعد».

ولفت الباحث المصري مصطفي سليم، إلى أن روايات الكونى فازت بجوائز عالمية عدة، تنوعت ما بين السويسرية واليابانية والفرنسية والأميركية والعربية، ما أهّله لأن تعده مجلة «لير» الفرنسية من بين أحد أبرز خمسين روائيًاعالميًا معاصرًا.

واختتم الباحث قائلًا: «لكل ما سبق وقع اختياري على سرديات الكونى موضوعًا للدراسة».