استخدم فريق من المرصد الوطني للطاقة الشمسية تقنية «البصريات التكيفية» (Adaptive Optics - AO) لمراقبة الهالة الشمسية بتفاصيل غير مسبوقة، وهي تقنية تحسَن جودة الصور من خلال تصحيح التشوهات الناتجة عن الغلاف الجوي.
تمثّل الهالة الشمسية الطبقة الخارجية من الغلاف الجوي الشمسي، وتمتد في الفضاء لمسافات تصل إلى ملايين الكيلومترات، الغريب أن هذه الطبقة أكثر حرارة من طبقة الغلاف الضوئي، والتي تقع تحتها، وهي ظاهرة تُعرف باسم «مشكلة التسخين الإكليلي»، وفقا لدراسة منشورة في دورية «يونيفرس توداي».
تُهيمن المجالات المغناطيسية القوية على الهالة الشمسية، وهي المسؤولة عن انبعاثات الكتل الإكليلية (CMEs)، التي قد تصطدم بالمجال المغناطيسي للأرض، مسببةً الشفق القطبي والعواصف الجيومغناطيسية.
ورغم أهميتها، فإن رصد الهالة الشمسية من الأرض يمثل تحديًا بسبب خفوت ضوئها مقارنةً بسطح الشمس والتشويش الناتج عن الغلاف الجوي. ولهذا، غالبًا ما تُرصد الهالة أثناء كسوف الشمس أو عبر أجهزة فضائية تحاكي الكسوف، مثل تلك على متن «مسبار باركر الشمسي».
- تلسكوب «جيمس ويب» يلتقط صورة جديدة من المليار سنة الأولى للكون
- سحابة «ليندز 483».. صورة مذهلة تكشف شباب النجوم الجامح (صور وفيديو)
- شاهد.. صور جديدة للغبار بين النجوم تبدو وكأنها من حلم
من أجل تجاوز هذه التحديات، طوّر باحثون من «المرصد الشمسي الوطني» التابع للأكاديمية الوطنية للعلوم، بالتعاون مع «معهد نيوجيرسي للتكنولوجيا»، نظام بصريات تكيفية متقدم لتلسكوب «غود الشمسي» بقطر 1.6 متر، مخصص لرصد الهالة الشمسية وكشف بنيتها الدقيقة.
نُشرت نتائج هذا العمل في ورقة علمية بعنوان «رصد هياكل الهالة الدقيقة باستخدام البصريات التكيفية الشمسية عالية المستوى» في مجلة «نيتشر أسترونمي» أو «مجلة علم الفلك الطبيعي»، وشارك في إعدادها عالم البصريات التكيفية في المرصد الشمسي الوطني، ديرك شميدت.
وكتب شميدت: «يمكن أن يوفّر تحليل البُنى الدقيقة في الهالة رؤىً جوهرية لفهم الانفجارات السريعة وآليات تسخين الهالة». وأوضح أنه على الرغم من استخدام أنظمة البصريات التكيفية في تلسكوبات ضخمة لعقود، إلا أن أياً منها لم يتمكن من تصوير الهالة بهذا المستوى من الدقة.
رصد ظواهر بدقة غير مسبوقة
وأردف شميدت: «الاضطرابات الجوية تُضعف بشدة الصور الملتقطة للأجسام السماوية، لكننا أصبحنا قادرين على تصحيحها. إنه لأمر مثير أن نرى الشمس كما لم نرها من قبل». وأضاف: «هذا التقدم يُحدث نقلة نوعية، فزيادة الدقة بمقدار عشرة أضعاف تعني أننا أمام كمّ هائل من الاكتشافات المحتملة».
من بين الظواهر التي جرى رصدها بدقة غير مسبوقة: «البروزات الشمسية»، و«الحلقات الإكليلية»، و«أمطار البلازما». تتكون هذه الظواهر من البلازما (غاز مشحون) وتُعد مفتاحًا لفهم كيفية تسخين الهالة إلى درجات حرارة تتجاوز مليون كلفن، مقارنةً بـ6000 كلفن فقط لسطح الشمس.
كما كشفت الملاحظات الحديثة عن «أمطار إكليلية»، حيث تبرد خيوط البلازما وتهبط مجددًا إلى سطح الشمس. وقدّر العلماء أن قطر هذه القطرات قد لا يتجاوز 20 كيلومترًا، ما يمنحهم بيانات دقيقة لاختبار النماذج الحاسوبية المعنية بديناميات الهالة.
وعلى الرغم من أن البصريات التكيفية استُخدمت سابقًا لمراقبة سطح الشمس، إلا أن دقتها اقتصرت على نحو 1000 كيلومتر، ولم تُستخدم لمراقبة الهالة حتى الآن. وقد سدّ النظام الجديد هذه الفجوة، وبلغ دقته حدّ حيود التلسكوب البالغ 63 كيلومترًا فقط، وهو إنجاز غير مسبوق.
وقال كبير تقنيي المرصد الوطني للتلسكوبات الشمسية، توماس ريميل: «يمثّل هذا النظام التقدّم الأكبر منذ تطوير أول بصريات تكيفية لرصد سطح الشمس».
ويخطط الفريق لتطبيق هذه التقنية على «تلسكوب دانيال ك. إينوي الشمسي» في هاواي، الذي يبلغ قطر مرآته أربعة أمتار، مما يجعله أكبر تلسكوب شمسي في العالم.
قال فيليب غود، أحد الباحثين المشاركين في الدراسة: «هذه التقنية ستُحدث ثورة في علم الفلك الشمسي الأرضي، ونحن على أعتاب حقبة جديدة من الاكتشافات»، وختم بالقول: «مع تشغيل البصريات التكيفية للهالة الآن، نحن ندخل عهدًا جديدًا في فيزياء الشمس، وهو عهد حافل بالاكتشافات العلمية الكبرى».
تعليقات