أثار ما قامت به لجنة فبراير إعجابي لمهنيتها وجديتها، وسجلت تحفظًا واحدًا على توصياتها، وهذا التحفظ يخص الانتخاب المباشر للرئيس القادم؛ فمن ناحية سيربك هذا الاقتراح عمل لجنة الدستور، التي ستجد نفسها محرجة إذا اختارت النظام البرلماني وليس الرئاسي لحكم البلاد، ومن ناحية أخرى وجدت أن من سينتخب الرئيس القادم هم أنصار القذافي، كما أن الاقتراح سيضعف الوحدة الوطنية عندما تنتخب المنطقة الغربية الرئيس بحكم وزنها السكاني الكبير.
تعاني ليبيا خللاً سكانيًّا بين أقاليمها الثلاثة؛ فعدد سكان طرابلس يزيد على عدد سكان برقة وفزان مجتمعين، مما يجعل إقليم طرابلس هو من سينتخب الرئيس القادم، وعلى الرغم من تضاعف عدد السكان فإن النسبة لم تتغير بين الأقاليم الثلاثة، فإذا أقر المؤتمر توصية لجنة فبراير سنجد أنفسنا أمام مشكلة لم تكن في الحسبان، هي أن أنصار القذافي هم من سينتخبون الرئيس القادم، وهم جميعًا موجودون في المنطقة الغربية.
إذا أحصينا عدد القبائل التي وقفت مع القذافي، أو اعتبرت نفسها متضررة من ثورة فبراير، سنجد ورفلة ورشفانة والمشاشية والمقارحة والصيعان والنوايل والأصابعة والقواليش والقذاذفة وتاورغاء، وهؤلاء يزيد عددهم على نصف سكان المنطقة الغربية، وإذا صوَّتوا لأي مرشح للرئاسة ستميل حتمًا كفته، وسينجح في الانتخابات.
لم أُحصِ عدد الليبيين المهجَّرين في الخارج، الذين سيعودون إلى بلادهم ذات يوم، كما لم أُحصِ الناقمين على ثورة فبراير لأي سبب كان، على الرغم من مساندتهم للثورة، إلا أن بعضهم تضرر من الميليشيات، وهؤلاء سيعملون دون هوادة على محاربة الميليشيات التي يعتقدون أنها السبب في هذه الفوضى كلها، وبالتالي فإن أصواتهم ستذهب إلى صندوق المرشح الذي يعتقدون أنه سيعمل على تفريغ ثورة فبراير من محتواها.
للخروج من هذا المأزق، علينا أن ننتخب مجلسًا رئاسيًّا يتكون من أربعة أشخاص، أحدهم يمثل برقة وينتخبه سكانها، والثاني يمثل فزان، بينما يمثل الثالث المنطقة الوسطى، في حين يمثل الرابع المنطقة الغربية. وهكذا سيُتاح لكل إقليم انتخاب ممثله في مجلس الرئاسة، والحكمة من تقسيم المنطقة الغربية إلى قسمين (وسطى وغربية) هو تقليل الثقل العددي للمنطقة الغربية، بما يطمئن الإقليمين الأقل عددًا.
فيما بعد، يتولى المؤتمر الوطني انتخاب واحد من الأربعة كرئيس للبلاد، بينما يصبح الثلاثة الآخرون نوابًا للرئيس، وهكذا لا توضع الصلاحيات الواسعة للرئيس بيد رجل واحد، وإنما ستوزَّع الصلاحيات بين الأربعة، وهو ما يجنب البلاد ظهور ديكتاتور جديد، ومن الأفضل أن يكون للمؤتمر الوطني حق النقض لقرارات المجلس الرئاسي، كما يحق للمجلس الرئاسي استخدام حق النقض ضد قرارات المؤتمر الوطني، وعندها سيجد المؤتمر والمجلس الرئاسي أن عليهما التفاوض والتوافق حول القرارات.
بهذه الطريقة نكون قد مثَّلنا كل أقاليم ليبيا في المجلس الرئاسي، وقللنا إلى حدٍّ كبير تأثير أنصار القذافي في نتيجة الانتخابات، وعملنا على تقوية الوحدة الوطنية، كما سيطمئن هذا الإجراء سكان برقة وفزان، كما نكون قد جمعنا بين أفضل ما في النظام البرلماني والرئاسي وتخلصنا من عيوبهما.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات