Atwasat

صنعة الأخبار

جمعة بوكليب الأربعاء 08 أبريل 2026, 07:48 مساء
جمعة بوكليب

يقول مثل شعبي: «اللي يخدم صنعة اتطيعه». المثل على حق وثبتت صحته عبر الوقت. إلا أن حبل المثل يقصر عن الوصول إلى صنعة الأخبار. المشتغلون بالصناعات الحرفية والموظفون العموميون، مثلاً، يعرفون صنائعهم ومسالكها من الألف إلى الياء. لكن صنعة الأخبار مختلفة، ودروبها ومسالكها ملتوية حتى على أكبر المحللين خبرة وأكثرهم تجربة.

صائغو حُلي الذهب أو الفضة أو موظفو النفوس في بلدية - على سبيل المثال لا الحصر - يأتون صباحاً إلى مقار أعمالهم ويستأنفون أعمالهم، وكأنهم لم يتركوها. محللو الأخبار والمعلقون على الأحداث السياسية يصلون إلى مقار أعمالهم ويشتبكون في الحال مع (عواجل) أخبار لم تكن في الحسبان. المعلقون السياسيون يعيشون واقفين على أصابع أقدامهم. بعضهم قد تذهب بهم تحليلاتهم إلى السجون وبعضهم قد ترقى بهم إلى النجوم.

يتابعون طوال الوقت نشرات الأخبار والتقارير السياسية وما يصرح به الساسة في بياناتهم من حقائق، وما يخفونه كذلك أو ما يحاولون بيعَه من بضائع فاسدة إلى مشترين أبرياء. الصنعة جعلت منهم ليسوا فقط خبراء في صياغة الأخبار والتفنن في كتابة التحليلات بناءً على ما يتوافر لديهم من معلومات؛ بل منحتهم مهارة وقدرة على التنبؤ بالمسار الذي من المحتمل أن تتجه نحوه أحداث أو مفاوضات أو علاقات.

تنبؤات المحللين والمعلقين السياسيين، قابلة للصواب والخطأ، وفي الغالب تكون مبنية على معطيات وحقائق وربما معلومات مسربة قد تُصادف وتصدق أو تخطئ الطريق. هذه الحقائق لا تغيب عن أذهان أهل الصنعة، وتزيد في ثقل أعبائهم، كونها صنعة متمردة، لا تمنح قيادَها لأحد، ولا تطيع أحداً مهما علا شأنه وارتقت مكانته، كما هو الحال، مثلا، في العلاقة بين صنعة النجارة وأهلها.

صنعة الأخبار تتعامل مع بشر يتغيرون، لا يمكن التكهن بالوجهة التي من الممكن أن يتحولوا إليها في رمشة عين. أولئك البشر ممن يصنعون الأخبار يمثلون مصالح لهم ولأوطانهم ولأحزابهم. تلك المصالح غير ثابتة كذلك، بل ذات طبيعة متغيرة.

المتاعب تنبع من حقيقة أن صنعة التحليلات الإخبارية ليست كما يبدو للبعض مجرد رصد وتوثيق لواقع بريء؛ بل هي اشتباك متواصل مع شبكة معقدة من المصالح التي تتقاطع أحياناً مع نوازع الشر والأجندات المبيتة. فخلف كل خبر «عاجل» لا تكمن ملائكة وحسن نوايا، بل شياطين إنس، ومصالح مهددة وإرادات تسعى للهيمنة، وأطراف خبيرة تتقن فن التضليل لإرباك الخصوم.

هنا، لا يعود المحلل السياسي مجرد واصف للحدث؛ بل يصبح كمن يحاول فك شفرة في حقل ألغام؛ حيث الحقيقة المبتغاة غالباً ما تكون مخفية بمهارة، وقد تكون في الوقت نفسه ضحية للصراعات المحلي منها أو الدولي. وليس سرّاً القول إن الشر في السياسة ليس مجرد مفهوم أخلاقي؛ بل هو أداة عملية تلبس لبوس المصالح العليا لتغيير مسار الأحداث في لحظة، تاركةً المحلل وتنبؤاته في مهب الريح.

الحقيقة أن صنعة التحليلات الإخبارية، كما يقول العارفون، لا تُتقن، بل تُعاش. ومن يعش فيها طويلاً، يتعلم أخيراً ألا يثق في تنبؤاته هو أولاً. آخرون يرون أن المحلل والمعلق السياسي هو مثل قارئ في كتاب لا تنتهي صفحاته. وإذا كانت صنعة الأخبار تختلف عن بقية الصنائع الأخرى بكونها لا تطيع صاحبها، فإنها بمرور الوقت، مثل كل صنعة، تصبغه من الداخل بسماتها المميزة. بمعنى أن التدقيق في المعلومات والأخبار، والتعرض لمقالب التنبؤات الخاطئة، تنعكس بشكل أو بآخر على حياته الخاصة سلباً وإيجاباً. الإيجابي منها بألا يصدق كل ما يُسمع أو يُقال أو يُكتب منذ أول وهلة. والسلبي بألا يعود يميز أو يفرق بين أهل السياسة وبقية الناس، ويضع الجميع في سلة واحدة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»