صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 25 مارس 2026، على قرار تاريخي تقدمت به جمهورية غانا نيابة عن المجموعة الأفريقية، يطالب بـ«العدالة الإصلاحية» والتعويض عن حقبة العبودية والاستعمار. وقد نص القرار صراحةً على أن «الرق وتجارة الرقيق»، بما في ذلك تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي، «كانت مآسي مروعة في تاريخ البشرية»، ليس فقط بسبب وحشيتها ولكن أيضًا لكونها منظمة ومستمرة ومؤسسية لقرون، مما جعلها «جريمة ضد الإنسانية» تستحق العقاب. هذا الاعتراف الأممي المتجدد، الذي يتجاوز الإدانة الأخلاقية ليلامس الالتزام القانوني، يضع القوى الاستعمارية القديمة أمام استحقاق تاريخي لم يعد ممكناً تجاوزه بسياسات الصمت أو الالتفاف، وأصبح عليها مواجهة إرثها المخزي.
ولم يأت هذا الزخم الأممي بمعزل عن الإرادة الأفريقية التي تبلورت في «إعلان الجزائر» في نوفمبر الماضي، والذي وضع ركائز المحاسبة والتعويض كحقوق أصيلة للشعوب المتضررة من الاستعمار. هذا التوجه الذي تبناه الاتحاد الأفريقي بجعل العام الماضي، 2025، عامًا للمطالبة بالتعويضات، وكلف غانا بمتابعة الملف، ولهذا قادت الجهد في الجمعية العامة. الهدف هو تحويل المطالب التاريخية من شعارات سياسية إلى مسار قانوني ضاغط. إن إصرار القارة على «العدالة الإصلاحية» يعيد «النموذج الليبي» إلى واجهة الأحداث بهدف التقصي الدولي؛ ليس كحدث عابر، بل كسابقة قانونية انتزعت فيها دولة أفريقية اعتذارًا وتعويضًا ماديًا موثقًا في معاهدة دولية ملزمة، مستبقة بذلك هذا الحراك العالمي بعقود.
ففي عام 2008 وقعت ليبيا، في بنغازي، مع إيطاليا، مستعمرها السابق، «معاهدة الصداقة والشراكة والتعاون» في سابقة استثنائية في هذا السياق؛ فهي لم تكن مجرد اتفاقية ثنائية لتسوية خلافات عابرة، بل كانت «بروتوكولًا» قانونيًا متكاملًا لرد الاعتبار التاريخي.
لقد تضمنت المعاهدة اعترافًا صريحًا من الدولة الإيطالية بمسؤوليتها عن «الآلام والمعاناة» التي لحقت بالشعب الليبي خلال الحقبة الاستعمارية، وهو اعتراف اقترن بتعويضات مادية بقيمة 5 مليارات دولار موزعة على مشاريع تنموية كبرى، فضلاً عن إعادة الآثار المنهوبة وعلى رأسها «فينوس شحات».
إن القيمة القانونية لهذه المعاهدة تكمن في أنها حوّلت «المسؤولية الأخلاقية» إلى «التزام مالي» موثق قانونيًا في وثيقة دولية أودعت لدى الأمم المتحدة، مما يجعلها المرجع العملي الوحيد في أفريقيا على الأقل، الذي مهد الطريق لـ «إعلان الجزائر» ليصدر بذات القوة بعد 17 عامًا.
ومع ذلك، يصطدم هذا المسار القانوني العالمي بممانعة شرسة من القوى الاستعمارية السابقة وحلفائها؛ فالتصويت الأخير في الجمعية العامة للأمم المتحدة كشف عن انقسام حاد في المواقف الدولية. ورغم تأييد 123 دولة للقرار، إلا أن لغة الأرقام في الطرف الآخر كانت أكثر دلالة؛ حيث امتنعت كافة دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا عن التصويت، بينما انفردت الولايات المتحدة وإسرائيل والأرجنتين بالتصويت ضد القرار. وإن لم يكن الاصطفاف الغربي مستغربًا (فأغلب دول أوروبا كانت قوة استعمارية).
إلا أن المثير هو موقف إيطاليا التي امتنعت عن التصويت أيضًا، وكأنها تناقض موقفها من اتفاقية عام 2008، إلا أن التفسير الأقرب هو أن إيطاليا لا تريد للنموذج الليبي أن يكون معيارًا لبقية قارة أفريقيا في معالجتها للذاكرة الاستعمارية؛ فكيف لروما أن تبرر هذا «الامتناع» في نيويورك على مبدأ «العدالة الإصلاحية»، بعد أن أرسته مع ليبيا في وثيقة رسمية ملزمة قانونيًا؟
إن جوهر الخلاف الذي تجسد في أروقة الأمم المتحدة، والذي يمنح «إعلان الجزائر» ثقلاً استراتيجيًا، يكمن في الصراع على المصطلحات القانونية ودلالاتها المالية. فبينما تسعى الدول الأفريقية، مستندةً إلى «النموذج الليبي»، لترسيخ مفهوم العدالة الإصلاحية (Reparatory Justice) كحق قانوني يستوجب التعويض عن نهب الثروات واستعباد البشر، تحاول العواصم الغربية جاهدةً حصر المسألة في إطار «مساعدات تنموية» أو «هبات ومنح إنسانية».
هذا الالتفاف الغربي ليس مجرد تلاعب بالألفاظ، بل هو محاولة لقطع الطريق أمام أي ملاحقة قضائية دولية قد تستند إلى سابقة معاهدة بنغازي بين طرابلس وروما. فالمعاهدة الليبية-الإيطالية لم تكن «منحة» إيطالية لمستعمرتها السابقة، بل اعترافًا بأضرار حقيقية نتيجة الاستعمار، وهو ما يخشاه الغرب اليوم؛ لأن الاعتراف بالجريمة يعني إقرارًا بوجوب التعويض، وهو ما يفسر لماذا فضلت كافة دول الاتحاد الأوروبي الامتناع عن التصويت بدلًا من دعم قرار يضعها أمام مرآة تاريخها المظلم.
إن القيمة الجوهرية لـ«النموذج الليبي» تكمن في كونه أول نموذج أفريقي متكامل، لم يأت من الخارج، وقدمته دولة أفريقية لانتزاع حقوقها التاريخية، محطمة بذلك «تابوهات» الدبلوماسية الاستعمارية التقليدية. فمن خلال تلك المعاهدة، لم تكتفِ ليبيا بانتزاع اعتذار لفظي عابر، بل فرضت صيغة قانونية ملزمة حوّلت «المسؤولية الأخلاقية» لإيطاليا إلى «التزام مادي وسيادي يصعب التنصل منه». هذا النموذج الأفريقي الفريد هو الذي وضع حجر الأساس لما نراه اليوم في «إعلان الجزائر»؛ حيث أثبتت التجربة الليبية لبقية دول القارة أن الاعتذار والتعويض ليسا مستحيلين، بل هما استحقاق ممكن إنجازه بالندية والتفاوض الصلب.
إن بنود المعاهدة التي شملت استثمارات بقيمة 5 مليارات دولار، وإعادة الآثار المنهوبة، وتطهير حقول الألغام، لم تكن مجرد صفقات اقتصادية، بل كانت «بروتوكولًا أفريقيًا» معترفًا به في الأمم المتحدة كوثيقة دولية شاهدة، وهو ما يمنح الحراك الأفريقي الحالي سندًا واقعيًا لا يمكن للقوى الاستعمارية تجاوزه أو إنكاره.
وإذا كان «النموذج الأفريقي» الذي أرسته ليبيا قد فتح الباب أمام التعويضات المادية الجماعية كحق سيادي، فإن الحراك القانوني المعاصر بدأ يأخذ منحى أكثر صرامة بملاحقة الجناة جنائيًا وتفنيد حصانة القتلة. ولعل ما شهدته أروقة محكمة الدرجة الأولى في بروكسل، بلجيكا، في 18 مارس، يمثل الانعطافة الأبرز في هذا المسار؛ حيث قرر القضاء البلجيكي إحالة دبلوماسي سابق للمحاكمة بتهمة المشاركة في اغتيال الزعيم الكونغولي «باتريس لومومبا» عام 1961.
صحيح أن هذه النتيجة كانت ثمرة جهد مستمر وطويل النفس قادته عائلة لومومبا، إلا أن الوصول إلى هذه النتيجة يمثل سابقة لملايين الضحايا في أفريقيا وأمريكا اللاتينية. إن تحقق هذه النتيجة بالتزامن مع الزخم الذي أحدثه قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الأخير يؤسس لمبدأ قانوني مفصلي: وهو أن الجرائم الاستعمارية، سواء كانت نهبًا للثروات أو اغتيالًا للرموز الوطنية، لا تسقط بالتقادم ولا تحميها الحصانات الدبلوماسية.
هذا التداخل بين المسارين؛ مسار التعويض المادي الذي انتزعته ليبيا من روما، ومسار المحاسبة الجنائية الذي يلاحق إرث بروكسل الاستعماري، يضع القوى الغربية أمام حصار قانوني مزدوج، ويثبت أن زمن «الإفلات من العقاب» قد ولى أمام إصرار الشعوب على نبش القبور القانونية التي أُغلقت قسريًا لعقود.
إن هذا التداخل الوثيق بين المسار التعويضي المادي الذي قادته ليبيا في معاهدة 2008، والمسار الجنائي في قضية لومومبا والتعاون الأفريقي-اللاتيني، يضع أفريقيا أمام لحظة تاريخية فارقة لتحويل مطالباتها بالمحاسبة لمستعمريها السابقين من مجرد استجداء للمنح والهبات إلى مبادئ لاستراتيجية عمل لعموم القارة. ويجعل المعركة من أجل العدالة التاريخية أكبر من مجرد معركة قانونية معزولة، بل معركة شاملة لاستعادة السيادة المنهوبة بأبعادها الثلاثة: المادي، الجنائي، والهوياتي.
ومن هنا، تبرز ضرورة تشكيل «كتلة قانونية أفريقية» تستلهم من التجربة الليبية قدرتها على فرض الشروط السيادية، مستندة إلى القضاء الدولي لملاحقة جرائم الاستعمار.
صحيح أن تنفيذ الاتفاقية الليبية-الإيطالية تعثر بسبب ما تمر به ليبيا منذ عام 2011، إلا أن هذا لا يلغيها ولا يقلل من أهميتها أفريقيًا وعالميًا. ويمكن القول إن أهم ما في تلك الاتفاقية هو ضمانها لاستعادة الإرث الثقافي والتاريخي المنهوب، حيث تُقدّر الآثار الأفريقية المنهوبة بملايين القطع الموجودة اليوم في متاحف الغرب من بروكسل ولندن إلى نيويورك وواشنطن.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات