لم يعد العالم كما كان قبل عقدين. النظام الدولي الذي تكرّس بعد نهاية الحرب الباردة، والقائم على هيمنة قطب واحد، ومركزية غربية شبه مطلقة، يدخل اليوم مرحلة إعادة تشكّل عميقة. لم تعد الولايات المتحدة قادرة على فرض رؤيتها منفردة، في ظل صعود قوى دولية كبرى، مثل الصين وروسيا والهند والبرازيل، بما يعيد رسم ملامح نظام عالمي يتجه تدريجياً نحو التعددية القطبية.
غير أن التحول الجاري لا يقتصر على ميزان القوة التقليدي، بل يمتد إلى طبيعة القوة نفسها. فلم تعد القوة تقاس فقط بالجيوش، بل بامتلاك المعرفة، والتحكم في البيانات، والتفوق في الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وسلاسل الإمداد، والطاقة المتجددة. إنها معركة من يملك مفاتيح المستقبل، لا فقط أدوات الحاضر.
وسط هذا التحول التاريخي، يطرح سؤال لا يمكن تأجيله: أين يقف العالم العربي؟
على الرغم مما يمتلكه من موقع جغرافي استثنائي وثروات طبيعية وبشرية هائلة، لا يزال في كثير من الأحيان أقرب إلى موقع المتلقي منه إلى الفاعل. المشكلة ليست في نقص الموارد، بل في غياب مشروع عربي جامع، ورؤية استراتيجية تتجاوز حدود الحسابات الضيقة.
لقد تحوّلت المنطقة بفعل الانقسامات إلى ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الدولية. التدخل الخارجي لم يعد استثناءً، بل أصبح جزءاً من بنية المشهد. حتى مفهوم «الأمن القومي العربي» لم يعد محل إجماع، بينما تُبنى التحالفات وفق اعتبارات آنية تفتقر إلى العمق الا.ستراتيجي. وفي عالم سريع التغير، لا مكان للسياسات المؤقتة أو الرهانات القصيرة.
المفارقة أن العالم العربي يمتلك عناصر قوة نادرة: أكبر احتياطيات الطاقة التقليدية، وموقع يتحكم في أهم الممرات البحرية، وكتلة بشرية شابة. مع ذلك، لم تتحول هذه المقومات إلى نفوذ حقيقي في معادلة القوة العالمية. وفي الوقت الذي تستثمر فيه دول كبرى في الطاقة المتجددة والتكنولوجيا المتقدمة، لا تزال المنطقة تتحرك بوتيرة أبطأ من المطلوب، ما يهدد بتآكل ميزتها النسبية مع الزمن.
التجارب الدولية تقدم دروساً واضحة. فدولة مثل الهند، على الرغم من محدودية مواردها مقارنة بالعالم العربي، استطاعت أن تفرض نفسها كقوة تكنولوجية من خلال الاستثمار في التعليم والابتكار، والبرازيل بنت نموذجاً اقتصادياً متنوعاً يعزز استقلالها. الرسالة هنا بسيطة لكنها حاسمة: الثروة الحقيقية ليست ما تختزنه الأرض، بل ما ينتجه الإنسان.
من هنا، لم يعد ممكناً الاستمرار بعقلية «إدارة الأزمات» أو التعويل على الضمانات الخارجية. فالقوى الكبرى لا تقدم الأمن مجاناً، بل تعيد تعريفه وفق مصالحها. البديل هو بناء قدرة عربية ذاتية، قادرة على التعامل مع التحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية من موقع الفاعل لا التابع.
إن اللحظة الراهنة تفرض الانتقال من رد الفعل إلى الفعل، ومن التشتت إلى التكامل، وهذا يستدعي صياغة «عقد عربي جديد» يقوم على ركائز واضحة:
أولاً: بناء اقتصاد منتج قائم على المعرفة والابتكار، لا الريع والاستهلاك.
ثانياً: تطوير منظومة تعليمية حديثة تواكب الثورة الرقمية، وتؤهل الأجيال القادمة للمنافسة عالمياً.
ثالثاً: تعزيز المؤسسات الوطنية وترسيخ مبادئ الحكم الرشيد، بما يضمن استقرار القرار واستقلاله.
رابعاً: تحقيق تكامل إقليمي حقيقي يتجاوز الاعتبارات القطرية الضيقة نحو مشروع جماعي قادر على صناعة القوة.
هذه ليست شعارات مثالية، بل شروط ضرورية للبقاء في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة. فالتاريخ لا ينتظر المترددين، والتحولات الكبرى لا ترحم من يقف على الهامش.
السؤال لم يعد: ماذا سيحدث في العالم؟ بل: ماذا سنفعل نحن في هذا العالم؟
الفرصة لا تزال قائمة، لكنها ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية. إما أن يتحول العالم العربي إلى فاعل مؤثر يشارك في صياغة النظام الدولي الجديد، أو يظل ساحة تتقاطع فيها مصالح الآخرين.
في لحظات التحول الكبرى، تُختبر الأمم: هل تملك الإرادة لتعيد تعريف موقعها أم تكتفي بمراقبة التاريخ وهو يُكتب من دونها؟
الإجابة هذه المرة لن تحدد الحاضر فقط، بل سترسم ملامح أجيال قادمة.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات